عربي
Thursday 27th of April 2017
code: 86728
قيام الساعة ووقتها

 يسألونك عن الساعة أيان مرساها قل إنما علمها عند ربي لا يجليها لوقتها إلا هو ثقلت في السموات والأرض لا تأتيكم إلا بغتة يسألونك كأنك حفي عنها قل إنما علمها عند الله ) الأعراف /187.

تتعرض الآية أعلاه لإجابة المشرکين ومنکري المعاد حول سؤالهم الدائم عن وقت قيام الساعة (يوم القيامة)

والقرآن في مقام الجواب يسعى إلى إفهامهم بأنّه لا أحد يعلم بوقت وقوع القيامة، ويوجه الباري خطابه إلى حبيبه الأکرم(صلى الله عليه وآله)، بأنّک لا تعلم وقت وقوعها، ويقول: (فيم أنت من ذکراه).

فما خفي عليک (يامحمّد)، فمن باب أولى أن يَخفى على الآخرين، والعلم بوقت قيام القيامة من الغيب الذي اختصه اللّه لنفسه، ولا سبيل لمعرفة ذلک سواه إطلاقاً!

لم يثبت في حديث عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه حدد وقت الساعة بمدة محصورة ، وإنما ذكر شيئاً من أشراطها وأماراتها وعلاماتها .

فانّ سرّ خفاء موعد الحق يرجع لأسباب تربوية، فإذا کانت ساعة قيام القيامة معلومة فستحل الغفلة على الجميع إذا کانت بعيدة، وبالمقابل ستکون التقوى اضطراراً والورع بعيداً عن الحرية والاختيار إذا کانت قريبة، والأمران بطبيعتهما سيقتلان کلّ أثر تربوي مرجو.

وثمّة احتمالات اُخرى عرضها بعض المفسّرين، ومنها: إنّک لم تبعث لبيان وقت وقوع يوم القيامة، وإنّما لتعلن وتبيّن وجودها (وليس لحظة وقوعها).

ومنها أيضاً: إنّ قيامک وظهورک مبيّن وکاشف عن قرب وقوع يوم القيامة بدلالة ما روي عن النبىّ(صلى الله عليه وآله) حينما جمع بين سبابتيه وقال: «بعثت أنا والقيامة کهاتين».

ولکنّ التّفسير الأوّل أنسب من غيره وأقرب.

وتقول الآية: (إلى ربّک منتهاه) نازعات/44.فاللّه وحده هو العالم بوقت موعدها دون غيره ولا فائدة من الخوض في معرفة ذلک.

ويؤکّد القرآن هذا المعنى في الآيتين: 34 من سورة لقمان: (إنّ اللّه عنده علم الساعة)، وفي الآية 187 من سورة الأعراف: (قل إنّما علمها عند ربّي).

وقيل: المراد بالآية، تحقق القيامة بأمر اللّه، ويشير هذا القول إلى بيان علّة ما ورد في الآية السابقة، ولا مانع من الجمع بين التّفسيرين.

وتسهم الآية التالية في التوضيح: (إنّما أنت منذر مَن يخشاه).

إنّما تکليفک هو دعوة الناس إلى الدين الحقّ، وإنذار مَنْ يأبى بعقاب اُخروي أليم، وما عليک تعيين وقت قيام الساعة.

مع ملاحظة، أنّ الإنذار الموجه في الآية لمن يخاف ويخشى من عقاب اللّه، يشبه المضمون الذي تناولته الآية 2 من سورة البقرة: (ذلک الکتاب لا ريب فيه هدىً للمتقين).

ويشير البيان القرآني إلى أثر الدافع الذاتي في طلب الحقيقة وتحسس المسؤولية الملقاة على عاتق الإنسان أمام خالقه، فإذا افتقد الإنسان إلى الدافع والمحرک فسوف لا يبحث فيما جاءت به کتب السماء، ولا يستقر له شأن في أمر المعاد، بل وحتى لا يستمع لإنذارات الأنبياء والأولياء(عليهم السلام).

وتأتي آخر آية من السورة لتبيّن أنّ ما تبقى من الوقت لحلول الوعد الحق ليس بالکثير: (کأنّهم يوم يرونها لم يلبثوا إلاّ عشيّة أو ضحاه).

«عشيّة»: العصر. و«الضحى»: وقت انبساط الشمس وامتداد النهار.

فعمر الدنيا وحياة البرزخ من السرعة في الإنقضاء حتى يکاد يعتقد الناس عند وقوع القيامة، بأنّ کلّ عمر الدنيا والبرزخ ما هو إلاّ سويعات معدودة!

وليس ببعيد... لأنّ عمر الدنيا قصير بذاته، وليس من الصواب أن نقايس بين زمني الدنيا والآخرة، لأنّ الفاني ليس کالباقي.

وقد نقلت الآيات القرآنية بعض أحاديث المجرمين في ويوم القيامة، فيما يختص بمدّة لبثهم في عالم البرزخ..

فتقول الآية 103 و 104 من سورة طه: (يتخافتون بينهم إنْ لبثتم إلاّ عشراً * يقول أمثلهم طريقة إنْ لبثتم إلاّ يوم).

وتقول الآية 55 من سورة الروم: (ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة).
الحکمة

إذا کان قيام الساعة ووقتها معلوماً ومحدداً لأصيب الناس بالغفلة، ولکنه إذا کان مجهولاً وغير معلوم عندما يکون الناس دائماً في انتظار ذلک اليوم لحظة بلحظة ولا يبتلون بالغفلة، فکما أنّ نهاية عمر الإنسان غير معلوم ولا يستطيع أي شخص أن يعرف لحظة موته وما يمنعه عن الغفلة عن نفسه.

إنّ الموت يأتي بغتة، ويأخذ بتلابيب روح الإنسان فجأة، وإنّ السکتات القلبية والجلطات الدماغية التي کثرت في هذه الأيّام لهي من أکثر الشواهد على ذلک، إذ إنّ الجلطة لا تختص بشخص يعاني من مرض قلبي أو دماغي، بل إنّه قد يصيب الشخص السليم الذي ليس له سابقة في المرض القلبي والدماغي، فلذا يجب على الإنسان أن يکون مستعداً للموت کل لحظة وأن يهيئ نفسه لذلک السفر.

على الرغم من أنّ الإنسان لا يعلم ساعة ولحظة موته، فإنّه يرتکب المعاصي والسيئات والجرائم، فإن کان مطلعاً بلحظة موته ويعلم مثلاً أنّه سوف يموت بعد عشرين سنة فهل يرتکب مثل هذه الجرائم والمعاصي والسيئات؟

ولکي لا نصاب بالغفلة، علينا أن نعمل على حفظ سجل أعمالنا طاهراً ونظيفاً وأن نتوب بأسرع ما يمکن من ذنوبنا ومعاصينا وأن نخفف عن کاهلنا أثقال تلک الذنوب.

 

المصادر:

کتاب معرفة المعاد-سيد محمد حسيني الطهراني

التفسير الکبير، ج 29، ص 29; وذکر ذات الموضوع في تفاسير: مجمع البيان، والقرطبي

user comment
 

آخر المقالات

  الإمام (عليه السلام) والسلطة العباسيّة
  الفرق بين سنه وعام؟؟
  جماعات العنف التكفيري: الجذور والبنى والعوامل المؤثرة
  أمير المؤمنين عليّ (عليه السّلام) والجماهير
  أمير المؤمنين شهيد المحراب
  وفاة رجل مسلم متأثراً بإصابته في هجوم لنشطاء "حماية ...
  مطالبة الزهراء عليها السلام لأبي بكر بفدك
  إذا أقرّ بعض الورثة بوجوب الحجّ على مورثهم
  أهل السنة ينفون التحريف
  ما هي الأعمال التي يستحب الإتيان بها ما بين الأذان و ...