عربي
Wednesday 24th of May 2017
code: 87246
القرآن يفسّره الزمان

يتّفق المصلحون من علماء الاُمّة في العصر الحديث على أنّ إيقاظ الاُمّة واستنهاضها لن يتحقّق من دون العودة إلى القرآن الكريم والتمسّك به ، ويشدّد هۆلاء العلماء على ضرورة وعي القرآن وعياً جديداً يتحرّر من ترسّبات التأويلات المتنوّعة التي حجبتْ النص القرآني ، وحالتْ بينه وبين إنارة وجدان المسلم .

وقد وجد هۆلاء المصلحون أنّ دعوتهم لإعادة النظر في تفسير القرآن ، والعمل على صياغة تفسير حديث يبرّرها ـ مضافاً إلى ما تقدّم ، من اصطباغ التفسير وتلوّنه بالأفق الذهني للمفسّر ـ أنّ الأُطر التقليدية للتفسير لا تتّسع لتحوّلات العصر ومستجدّاته واستفهاماته ، والقرآن كتاب لا يختصّ بزمان دون زمان ، ولا يُعنى بمشكلات قوم دون سواهم ؛ ( لأنّ الله تبارك وتعالى لم يجعله لزمان دون زمان ، ولا لناس دون ناس ، فهو في كلّ زمان جديد ، وعند كل قوم غض إلى يوم القيامة )(1) ، كما قال الإمام الرضا (عليه السّلام) .

كما أنّ المكاسب التي جناها العلم الحديث في اكتشاف عالم الطبيعة ، والتعرّف بصورة أدق على سنن النفس والمجتمع ، وتطوّر البحث في مجال علم اللغة والدلالة ، ستساهم في التعرّف على مداليل آيات القرآن بصورة أجلى وأدق ؛ لأنّ القرآن الكريم يهدف إلى البناء الأمثل للاجتماع البشري ، ولذلك يعالج في مساحة واسعة منه سنن هذا الاجتماع ، فيلتقي القرآن مع العلم في بلوغ النموذج السليم للاجتماع البشري(2) , مضافاً إلى أنّ معطيات العلم يمكن توظيف بعضها ، خاصة العلوم الإنسانية ، في استكناه شيء من مداليل النص القرآني .

وبتعبير آخر أنّ بموازاة كتاب الوحي القرآني هناك كتاب ثانٍ هو كتاب الطبيعة الذي يتضمّن ظواهر الوجود الكوني كافّة ، ( فالقرآن العظيم والكون البديع كلاهما يدلّ على الآخر ويرشد إليه ، ويقود إلى قواعده وسننه ، فالقرآن يقود إلى الكون ، والكون أيضاً يقود إلى القرآن )(3) ، وهذا يعني وجود تناغم واتّساق بين نواميس الطبيعة وسنن الاجتماع البشري من جهة , ومعطيات القرآن الكريم ومدلولاته من جهة أخرى ، وأنّ الأبعاد الغائبة والمداليل الخفيّة في كتاب الوحي ستتجلّى بالتدريج تبعاً لِمَا يتجلّى في كتاب الكون وما يزخر به من ظواهر ، ولعلّ في الحديث المنقول عن ابن عبّاس ( إنّ القرآن يفسّره الزمان )(4) ما يشي بهذه الحقيقة .

غير أنّ ذلك لا يتحقّق وِفق عملية دمج تبسيطية ، مثلما تفتعل ذلك بعض الكتابات التي تبالغ في توظيف معطيات العلم وفرضيّاته ، وتسعى لقراءة النص القرآني قراءة عاجلة ، تسرف في الافتراض والشطط ، وإنّما يتوقّف ذلك على اكتشاف ( العلاقة المنهجية بين الناظم المنهجي لآيات القرآن من ناحية ، وبين السنن والقوانين المبثوثة في الوجود من ناحية ثانية ، مع الناظم المنهجي الذي يربط بينهما )(5) .

 

المصادر:

(1) محمد باقر المجلسي . بحار الأنوار . ج92 : ص15 .

(2) الشهيد مرتضى المطهّري : التعرّف على القرآن : ترجمة : محمّد جواد المهري ، طهران : 1982م ، ص26 .

(3) د . طه جابر العلواني : الجمع بين القراءتين : قراءة الوحي وقراءة الكون ، القاهرة : المعهد العالمي للفكر الإسلامي ، 1417ه ـ 1996م ، ص15 .

(4) ذكر هذا الحديث الشيخ جعفر السبحاني في كتابه : مفاهيم القرآن : ج1 ، ص19 . عن كتاب : النواة في حقل الحياة . لمفتي الموصل الشيخ العبيدين .

(5) د . طه العلواني : مصدر سابق : ص18 .

اعداد: سيد مرتضى محمدي

user comment
 

آخر المقالات

  الغلاة وفرقهم
  السرقة
  حب النساء
  علاقة الغلوّ بالشهادة الثالثة
  إحیاء الفکر الدینی فی الإسلام
  الخليفة والعشيرة
  الظواهر القرانیة
  آراء الشيعة في سلامة القرآن
  كتاب عزيز لا يأتيه الباطل
  هل حرف کلام الله عن مواضعه