عربي
Friday 20th of October 2017
code: 88026
الامامة واطراف المواجهة

الطرف الاول : هو محمد رسول الله وخاتم النبيين صلى الله عليه وآله وسلم وامام الدولة الاسلامية (و رئيسها ) .
الطرف الثاني : هو عمر بن الخطاب احد كبار الصحابة ووزير من ابرز وزراء دولة النبي والخليفة الثاني من خلفاء النبي فيما بعد .
مكان المواجهة : بيت النبي .
شهود المواجهة : كبار الصحابة رضوان الله عليهم .
النتائج الاولية للمواجهة

1 ـ الانقسام

ان الحاضرين قد انقسموا الى قسمين : ـ
القسم الاول : يؤيد الفاروق فيما ذهب اليه من الحيلولة بين الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وبين كتابة ما يريد . وحجة هذا الفريق ان الفاروق من كبار الصحابة واحد وزراء النبي ومشفق على الاسلام ، وان النبي مريض وبالتالي فلا داعي لازعاجه بكتابة هذا الكتاب . ثم ان القرآن وحده يكفي ، فهو التأمين ضد الضلالة ولا داعي لاي كتاب آخر يكتبه النبي .
القسم الثاني : يرفض المواجهة اصلا بين التابع والمتبوع ، وبين نبي ومصدق به وبين رسول يتلقى تعليماته من الله ، وبين مجتهد يعمل بما يوحيه له اجتهاده ، وبين رئيس دولة ونبي بنفس الوقت ، وبين واحد من وزرائه . ويرى هذا القسم ان تتاح الفرصة للنبي ليقول ما يريد ، ولكتابة ما يريد ، لانه نبي وما زال نبياً حتى يتوفاه الله ، ولانه رئيس الدولة وما زال رئيسا للدولة حتى يتوفاه الله ويحل رئيس آخر محله . ثم على الاقل لانه مسلم يتمتع بالحرية كما يتمتع بها غيره ، ومن حقه ان يقول ما يشاء وان يكتب ما يشاء . ثم ان الاحداث والمواجهة تجري في بيته ، فهو صاحب البيت ، ومن حق اي انسان ان يقول ما يشاء في بيته .

2 ـ بروز قوة هائلة جديدة

برز الفاروق كقوة جديدة هائلة استطاعت ان تحول بين النبي وبين كتابه ما يريد ، واستطاعت ان تستقطب لرأيها عدداً كبيراً من المؤيدين بمواجهة مع النبي نفسه وبحضور النبي نفسه (1)
واستطاع ان يحرك الاحداث وان يقودها بكفاءة . ولحد الآن : لا احد يدري على وجه اليقين من الذي اوصى للانصار بفكرة الاجتماع بسقيفة بني ساعدة ، ولا كيف التم شمل هذا الاجتماع ولا من الذي دعا اليه . ولا احد يدري كيف علم به عمر من دون كل المهاجرين . فالثابت ان الذين حضروا هذا الاجتماع من المهاجرين ثلاثة فقط هم : ابو بكر الصديق وعمر وابو عبيدة . والثابت ايضا ان ابا بكر رضي الله عنه كان يساعد العترة الطاهرة بتجهيز النبي . والثابت ايضا ان عمر رضي الله عنه هو الذي دعا ابا بكر واخبره بحادث اجتماع السقيفة . والثابت ايضا ان ابا بكر وعمر وجدا وهما في طريقهما الى السقيفة ابا عبيدة بالصدفة (2) .
فالفاروق كان يعيش في صميم الاحداث ويتابعها متابعة دقيقة ، دقيقة بدقيقة . وفي داخل السقيفة كان له الدور الاعظم ، فلو اراد لكان هو الخليفة . وبعد الخروج من السقيفة ومبايعة الاكثرية الحاضرة لابي بكر الصديق ، هو بنفسه الذي قاد عملية اتمام البيعة وهو الذي صاح بالمهاجرين انه قد بايع الصديق وبايعه الانصار وان عليهم ان يقوموا فيبايعوا ، فنهض عثمان ومن معه من بني امية فبايعوا الصديق . وعثمان والامويون بأغلبيتهم هم اول من بايع الصديق ، وعمر بن الخطاب نفسه هو الذي نظم الذين بايعوا ابا بكر في السقيفة وجهز منهم سرية ، واخرجت علياً ومن معه من بيت فاطمة الزهراء ليبايعوا الصديق (3)
وهو نفسه الذي احضر الحطب وهم باحراق بيت فاطمة ان لم يخرج المعتصمون به (4)
وهو نفسه الذي هدد علياً بالقتل ان لم يبايع (5)
وهو نفسه الذي اشار على ابي بكر الصديق بأن يترك لابي سفيان ما بيده من الصدقات ليضمن ولاءه (6)
واشار عليه بأن يعين يزيد بن ابي سفيان قائداً لجيش الشام (7)
وهو القوة الهائلة التي صنعت الاستقرار لدولة ابي بكر ، ولم يطل بقاء الصديق في الحكم طويلا فانتقل الى جوار ربه وورث عمر دولة آمنة مستقرة ، وانتقلت اليه السلطة بيسر وسهولة وبدون معارضة ، وكان الانتقال خطوة طبيعية تتبع خطوة ، وعاجلا ام آجلاً سيكتشف الباحثون ان للفارق قدرة هائلة على التخطيط والتنظير ما توفرت لاحد قط من اقرانه (8)
فقد قام بدور الهيئة التأسيسية لعصر ما بعد النبوة ، ورتب كل شيء لمستقبل الحكم في الاسلام ، فلن يجمع الهاشميون الخلافة والنبوة ابداً ، وستكون الخلافة تداولاً في غيرهم ، وحقاً خالصاً لمن غلب بغض النظر عن شرعية او عدم شرعية وسائل الغلبة .

3 ـ بروز فكرة التغلب وترجيح التابع على المتبوع

نبتت بهذه المواجهة فكرة التغلب وترجيح التابع على المتبوع ، او المساواة بين التابع والمتبوع وخلق حالة من الشبهات والحيرة مع من يكون الصواب هل هو مع التابع او مع المتبوع ؟
فحجة الفاروق ان النبي قد اشتد به الوجع ، وكتابة الكتاب بمثل هذه الحالة قد تشكل خطراً . وشايع الفاروق بذلك مجموعة من الصحابة ، وهذا شك .
وحجة الطرف الآخر ان محمداً ما زال نبياً وسيبقى نبياً حتى تصعد روحه الطاهرة الى بارئها ، وانه لا ينطق عن الهوى وهذا يقين . فترك اليقين الى الشك غير معقول والمرض ليس مانعاً من القول .

حادثتان مشابهتان

الاولى : لقد مرض الصديق واشتد به الوجع كما يجمع على ذلك كل اتباع الملة . فلما تم لابي بكر ما اراد من المشورة دعا عثمان خاليا ـ اي وحده ـ وقال له ( اكتب اما بعد ) ثم اغمي عليه من شدة الوجع ، فكتب عثمان ( فاني استخلف عليكم عمر بن الخطاب ولم آلكم خيراً ) فلما افاق ابو بكر من اغمائه قال لعثمان ( اقرأ علي ) فقرأ عليه ما كتب ، فقال ابو بكر ( اراك خفت ان يختلف الناس ان اقتتلت نفسي في غشيتي ؟ ) قال عثمان ( نعم ) قال ابو بكر ( جزاك الله خيراً عن الاسلام واهله ) واقرها ابو بكر (9) تلك حقيقة بالاجماع .
الثانية : مرض عمر نفسه . قال طبيبه ( لا ارى ان تمسي ، فما كنت فاعلاً ؟ ) فقال لابنه عبد الله ( عبد الله ناولني الكتف ) فمحاها ، وقال من شدة الوجع . ( والله لو كان لي ما طلعت عليه الشمس لافتديت به من هول المطلع ) .
وكان رأسه في حجر ابنه عبد الله فقال لابنه ( ضع خدي بالارض ) فلم يفعل فلحظه وقال ( ضع خدي بالارض لا ام لك الويل لعمر ولام عمر ان لم يغفر الله لعمر ) (10) .
وبالرغم من شدة وجع ابي بكر فقد اوصى وكتب ما اراد ، وبالرغم من شدة وجع عمر فقد اوصى وكتب ما اراد ورتب امر الشورى واطمأن ان عثمان سيكون الخليفة ، واطمأن انه لا يسلط هاشمي على رقاب الناس حتى ولو كان ذا قوة وذا امانة .
ونفذت بدقة وصية الاثنين وسمح لهما بقولها وسمح لهما بالتوجيه بالرغم من اشتداد الوجع بكل واحد منهما . فعندما كتب كل واحد وصيته كان ما زال رسمياً على رأس عمله ( خليفة للمسلمين ) ومن حقه ان يمارس عمله ما دام حياً او لم يعزل .
تلك حقيقة مسلم بها بالاجماع وقولاً واحداً لا خلاف عليه . فكيف يسمح لابي بكر ولعمر بالتوصية وكتابة ما ارادا ، مع ان المرض قد اشتد بكل واحد منهما اكثر من اشتداده برسول الله ، ويحال بين الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وبين كتابة ما اراد .
الا يحق لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم ما يحق لابي بكر وعمر رضي الله عنهما ؟ هذا مع الافتراض ان محمداً على قدم المساواه مع ابي بكر وعمر ، وهذا افتراض مرفوض شكلا وموضوعاً ، لان محمداً نبي مرسل من الله وامام ، بينما ابو بكر وعمر من الاتباع ، ومحمد يوحى اليه ، وقد اكد وقال اكثر من مرة ان اكثر ما كان يأتيه الوحي كان يأتيه وهو مريض (11)
والله يقول ( وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا ) ويقول ( وما صاحبكم بمجنون ) ( ما ضل صاحبكم وما غوى ) ( ان هو الا وحي يوحى ) فكيف يتحول بطرفة عين من كانت هذه صفاته وملكاته الى رجل حاشا له ان يهجر ؟ !! ولا يؤمن على كتابة وصية !!
ومع ان هذه حقائق دامغة لا قوة في الارض تستطيع ان تنكرها او تدافع عنها ، ومع ان هذه الواقعة نسفت مستقبل الاسلام كله ، وكانت هي البذرة التي انطلقت منها كل المآسي والنكبات التي حلت بالمسلمين ، الا ان اهل السنة يتجاهلونها تماما ولا يفكرون بها الا انها مجرد قصة .
وهكذا وعملياً رجح قول التابع على قول المتبوع ، فأصبح التابع مرجعاً والمتبوع متفرجاً ، وتم للتابع ما اراد ، وغلبت مشيئته ، واستقطب الناس لها ، فوجدت واقعياً فكرة الغلبة واثمرت واعتبرت الغلبة فيما بعد مبدأ شرعياً ، واجيز للامة ان تتفرج على الصراع بين متغالبين ثم تقف في النهاية مع الغالب مهما كانت صفاته ومهما كان دينه (12)
فطمع المتبوع بالتابع ، وتقدم المفضول على الافضل .
ومن هنا فلا ينبغي ان ندهش اذا رأينا معاوية بن ابي سفيان يعتلي سدة الخلافة ، وهو الطليق ابن الطليق ومن المؤلفة قلوبهم ، وينازع بالخلافة اول من اسلم وولي الله بالنص ، ومولى كل مؤمن ومؤمنة بالنص ، ويحاول ان يقنع المسلمين بأنه افضل من علي واصلح للامة منه . ولاينبغي ان ندهش اذا وجدنا في عصور الاسلام من يقول هذا مجتهد وهذا مجتهد وكلاهما في الجنة .
ولاينبغي ان ندهش عندما يطالب مروان بن الحكم بالخلافة ، وهو ابن الحكم بن العاص الذي كان محظورا عليه ان يدخل المدينة في زمن الرسول وابي بكر وعمر حتى تولى الخلافة عثمان فأدخله معززا مكرما ، واتخذ ابنه مروان رئيسا لوزرائه وزوجا لابنته .
لقد تداعت الفوارق بين التابع والمتبوع ، وبين المتقدم عند الله وفي الاسلام والمتأخر في موازين الله والاسلام . فالوليد بن عقبة يتأمر على الحسين بن علي والوليد يعظ وعلى الحسين ان يسمع وعظ هذا الواعظ ، والوليد يصلي بالناس صلاة الصبح اربعا وهو سكران ويسأل المأمومين ان كانوا يرغبون بالزيادة ، وبعد ذلك فانه لا حرج ان يكون هذا الرجل اماما للحسين بن علي بن ابي طالب واميراً عليه ، ومرجعا يمكن للحسين اذا اراد ان يسأله في امور دينه ودنياه !!!

4 ـ ظفر الغالب ونجاحه

اصبح الغالب ـ اي غالب وايا كان ـ هو الظافر ، وهو سيد الموقف ، وهو امام المسلمين ورئيس دولتهم ، وهو مرجعهم في كل الامور الدينية والدنيوية ، وهو الحائز لكل وسائل القوة ، بيده السيطرة الكاملة على كل موارد الدولة يعطي لمن يشاء ويمنع العطاء عمن يشاء ، لا رقيب عليه الا الله ومقدار دينه ، وهو القائد العام لجيوش الاسلام يستعملها لتحقيق الامنين الخارجي والداخلي ولتطويع الرعية رغبة ورهبة ، وهو المسيطر سيطرة تامة على وسائل الاعلام ، فلو شاء جعل الابيض اسود ، ولو شاء جعل الاسود ابيض ، ويمكنه بسيطرته على وسائل الاعلام ان يجعل القزم عملاقا وان يحول العملاق الى قزم ، وتحول مؤيدوه الى واجهة له بيدهم الحل والعقد ، ومع الايام اصبحوا مراجع .
فهم يتبنون وجهة نظر الغالب ويستعملون وسائله بالمرجعية ، فهم سادات المجتمع ، وهم الفراقد المتألقة ، واذا سار معهم اي واحد قادوه الى نقطةالارتكاز ومحور الهداية ـ اي عين ما يراه الغالب . وعزف العامة على ذات الوتر واتحدت الامة على هذه الشاكلة ، وكلما مضت سنة ترسخت هذه السنة وتوطدت ، وكلما مر عقد ضربت جذورها في الارض واصبحت رأيا عاما وقناعة وعقيدة سياسية .

5 ـ عزل العترة الطاهرة

بهذا المناخ نادت العترة الطاهرة بالشرعية ، وقالت ان لها حقا وتطالب به ، ولكن الناس يحولون بينها وبين حقها الشرعي . كانت معارضة ابي الحسن لابي بكر معارضة متحضرة وشرعية ومنطقية جداً بشهادة بشير بن سعد اول من بايع ابا بكر حيث قال عندما سمع حجة الامام ( لو كان هذا الكلام سمعته منك الانصار يا علي قبل بيعتها لابي بكر ما اختلف عليك اثنان ) .
ولكن تبقى السلطة سلطة ، وتبقى المعارضة معارضة ، ولايمكن بالفطرة للقائمين على السلطة او للسلطة بأي مقياس ان تثق سياسياً بالمعارضة ولا ان تسلم للمعارضة مكتسباتها . ولكن لان فاطمة بنت محمد بجانب الامام علي ، فقد رئي عدم قتله بالرغم من انه هدد بالقتل ان لم يبايع ، ورئي عدم اكراهه على البيعة تقديراً لفاطمة .
ولم تتخذ اية اجراءات فعالة ضد الامام وزوجته الزهراء عندما كانا يطوفان ليلاً في مجالس الانصار ويسألان النصرة ، فكان الانصار يقولون ( يا بنت رسول الله قد مضت بيعتنا لهذا الرجل ، ولو ان زوجك وابن عمك سبق الينا قبل ابي بكر ما عدلنا به ) ، فيقول علي ( افكنت ادع رسول الله في بيته لم ادفنه واخرج انازع الناس سلطانه ؟ ) فتقول فاطمة ( ما صنع ابو حسن الا ما كان ينبغي له ، ولقد صنعوا ما الله حسيبهم عليه وطالبهم ) (13) .
ومع هذا فالنتجية المنطقية كانت عزل الامام بعد وفاة فاطمة وعزل شيعته . وتجلت الرغبة بعزل الامام عن بني هاشم خاصة بمحاولة السلطة اجتذاب العباس اليها باغرائه ببعض الامر له ولعقبه . ولكن العباس رفض ذلك رفضا قاطعاً ورد رداً حاسماً على السلطة (14) .
وبالمعيار الموضوعي ، فانه اذا قدر للشخص العادي ان يختار بين السلطة وبين خصومها ، فانه سيختار جانب السلطة لانها هي الجانب الاقوى ، خاصة وان معارضات اهل البيت تتابعت ، وكاد حبل الود ان ينقطع نهائيا بينهم وبين السلطة عندما هم عمر باحراق بيت فاطمة على من فيه ، ولكن الله سلم .
ولقد بلغ من حجم القناعة لدى السلطة انها اقتنعت بأنه لا يجوز لبني هاشم ان يجمعوا مع النبوة الخلافة كوسيلة لمنع الاجحاف الهاشمي ، وآمنت السلطة ان قريش قد اهتدت عندما اخذت بهذا المبدأ (15)
والاهم من ذلك انه قد وضع شرط بأنه لا يجوز ان يسلط هاشمي على رقاب الناس حتى ولو كان ذا قوة وامانة ، وقد نفذ هذا الشرط بدقة في عهدي ابي بكر وعمر ، وكان عمر يحرص على ان يتولى اعماله اي مؤيد لهم (16)
فعزل علي وعزلت شيعته وتعايش الامام مع الشيخين وتعايشت شيعته ، وقدم اهل البيت في زمنهما على الجميع في العطايا ، فكانوا يبدأون بآل محمد ثم ببقية الناس ، وآمن الامام واهل البيت وشيعتهم على ارواحهم واموالهم ، وكانا يستشيران الامام ويرجعان اليه في كثير من الامور ، واستقرت الاحوال وساعد على استقرارها فتوح البلدان وعدم تدنس الشيخين بشهوة .
وبعد فترة من استلام عثمان للخلافة ، بدأ الصحابة يتراجعون من حوله ، وبدأ الامويون ينزون في بلاطه ، فانفض الصحابة جميعا من حوله ، والتف الامويون عليه ، وغص بهم بلاطه . ولم يأت الامويون بجديد ، فآل البيت وشيعتهم الذين حرموا الاعمال في زمن الشيخين غير وارد ان يتولوها في زمن عثمان ، ولان الامام وشيعته لا يمكن ان يسكتوا على اخطاء بني امية وهم حاشية عثمان وعماله ، اعتبروا ان امر اهل البيت بالمعروف ونهيهم عن المنكر معارضة للامويين لانهم امويون .
فلذلك ضاقوا ذرعاً بعلي وبشيعته ، وتراكمت هذه المعارضة مع تركات الماضي بين الهاشميين والامويين وما زالت تكبر وتكبر حتى حدثت المواجهة المسلحة بين الامويين برئاسة معاوية والي الشام وبين الامة برئاسة امامها ووليها علي ، وانتصرت القوة على الشرعية وتوج معاوية ملكا حقيقيا على الامة وسمي العام بعام الجماعة .
وبدأ عهداً جديداً لمطاردة آل محمد مليء بالدمع والدم ، فأبيدوا الا من كتبت له الحياة ، وفرضت مسبتهم وشتمهم في الامصار ، ورددت الامة المسبات والشتائم وراء الحكام ، وطوردت شيعة آل محمد ، ولم يجيزوا لاحد من اهل البيت او لاحد من شيعتهم شهادة ، ومحوا من الديوان كل من يظهر حبه لعلي واولاده واسقطوا عطاءهم ورزقهم (17) .
طاقم المرجعية الجديد
الخليفة الغالب ـ كائناً من كان ـ هو المرجع للامة في كل شؤونها الدنيوية والآخروية بدلاً من ولي الامة وعميد اهل بيت النبوة .
والصحابة الكرام كلهم وبلا استثناء هم المرجعية الجماعية للامة لانهم عدول ومن اهل الجنة ، وهم البديل لاهل بيت النبوة المطهرين بالنص ، فأهل البيت عارضوا ، والصحابة والوا .
واذا انقرض جيل الصحابة يأتي التابعون فيكونوا هم المرجعية الجماعية التي تساعد الخليفة مرجع الامة الاعلى ، فاذا انقرض جيلهم يأتي تابعوا التابعين .
ثم يأتي بعدهم العلماء ، فالعلماء ورثة الانبياء وهم يقومون بدور المرجعية بالتعاون مع الحكام ، وبالنتيجة فان وجود اهل البيت ثانوي جداً امام هذا الطاقم .
اثر المعارضة
تحولت توجهات الاكثرية وافعالها الى قناعات عامة ترسخت في الاذهان واستقرت نهائياً ، وضاق صدرها بمن يعارض هذه القناعات وتم عزله والتضييق عليه ، والتقليل من شأنه ، والتشهير به ، واعتباره خارجا على الجماعة ، ومتوليا غير سبيل المؤمنين ، وشوهت سمعة المعارضين ، وحرفت وجهات نظرهم حتى اصبحت تهمة الكفر اخف من تهمة التشيع لاهل البيت ، فمن يكفر بالله ويرتد عن دينه يستتاب ، فاذا عاد عن كفره ولو بلسانه قابلوه بالترحاب ، اما التشيع لاهل البيت فلا توبة له ، وموالاة الكافرين اهون من موالاة آل محمد ، وتحولت هذه القناعات الى تركة ترثها الامة كما ترث المتاع ، فقد ورثت ـ كما ارث المتاع عن آبائي واجدادي ـ ان الشيعة كفار ، لانهم يؤلهون عليا ، ولانهم يطعنون بالصحابة الكرام ولانهم ... الخ
وانا ورثت هذه الافكار لاولادي ، لكن لا انا ولا اجدادي ولا آبائي ولا اولادي قد سمعوا وجهة نظر الشيعة بهذه التهم ، ولا تأكدنا من صحة هذه الاتهامات ، وليس بأيدينا اي دليل على صحتها سوى التقليد ، وكل ما نعرفه بالتقليد ان الشيعة هم اعداء الامة ، وحتى علماء اهل السنة المعاصرين الذين يدرسون علماء الغد في الجامعات لا يعرفون معنى التشيع ولا متى نشأ ، ولا كيف ، وان عرضوا وجهة نظر الشيعة ، فانهم ينقلون بالحرف وجهات نظر اعداء الشيعة بالشيعة كما هي بالرغم من مرور 1400 عام عليها وكما ذكرها خصوم الشيعة ، فالخصم هو الراوي وهو الحكم وهو القاضي ، مع ان الخلاف في حقيقته وجوهره هو خلاف سياسي ، ومع ان الشيعة تعلموا الاسلام وفهموه عن طريق اهل البيت ، ومذهب اهل البيت هو مذهب محمد صلى الله عليه وآله وسلم . والفئة الناجية هي الفئة التي تهتدي بهداهم .
المصادر :
1- راجع مراجع يوم الرزية وكيف اجمعت على ان الفاروق هو الذي قال حسبنا كتاب الله .
2- راجع على سبيل المثال الامامة والسياسة لابن قتيبة ص 5 وما فوق .
3- راجع على سبيل المثال الامامة والسياسة لابن قتيبة ص 5 وما فوق .
4- (2) راجع مراجع التحريق الذي ذكرناها اكثر من مرة .
5- الامامة والسياسة ص 13 .
6- شرح النهج لعلامة المعتزلة ابن ابي الحديد ج 1 ص 306 ـ 307 تحقيق حسن تميم مكتبة الحياة .
7- تاريخ الطبري ج 3 ص 209 ـ 210 وتاريخ الحكم للقاسمي ص 152 .
8- الكامل في التاريخ لابن الاثير ج 3 ص 24 وراجع شرح النهج لعلامة المعتزلة ابن ابي الحديد مجلد 3 ص 107 .
9- تاريخ الطبري ج 3 ص 429 وص 176 من نظام الحكم للقاسمي وص 37 من سيرة عمر لابن الجوزي وج 2 ص 85 من تاريخ ابن خلدون وص 120 من كتابنا النظام السياسي في الاسلام .
10- الامامة والسياسة ص 21 ـ 22 والطبقات لابن سعد وص 120 ـ 121 من كتابنا النظام السياسي على سبيل المثال .
11- الطبقات لابن سعد ج 2 ص 193 .
12- نظام الحكم للقاسمي ص 344 ـ 345 وكتابنا النظام السياسي في الاسلام ص 153 .
13- الامامة والسياسة ص 12 على سبيل المثال .
14- الامامة والسياسة ص 15 ـ 16 .
15- الكامل في التاريخ لابن الاثير ج 3 ص 24 آخر سيرة عمر من حوادث سنة 23 وراجع شرح النهج لعلامة المعتزلة ابن ابي الحديد وراجع كتابنا النظام السياسي في الاسلام ص 149 وما فوق .
16- مروج الذهب ج 2 ص 353 للمسعودي .
17- تاريخ ابن عساكر ج 3 ص 407 وراجع معاوية في الميزان للعقاد ص 16 وراجع شيخ المضيرة للشيخ محمود ابو رية ص 180

 


source : راسخون
user comment
 

آخر المقالات

  الأخلاق الإجتماعية في نهج البلاغة – الأول
  نهج البلاغة (سلّم إلى السماء)
  موقف المختار من التحوّلات السياسية
  أدب القراءة والانصات للقرآن
  حديث الاقتداء عند العلماء
  ضرورة الرجعة
  مَن هو الإمام المهدی علیه السّلام ؟
  التشاؤم
  الدنيا والتقوی
  آیة الوضوء و کیفیة غسل الایدی