عربي
Saturday 19th of August 2017
code: 88041
الخلفاء و المنظومة الإلهية

المنظومة الحقوقية الإلهية المتكونة من القرآن الكريم والسنة المطهرة بفروعها الثلاثة القول والفعل والتقرير، منظومة غطت بالكامل ساحة كل شئ، فما من حادثة إلا ولها حكم وتكييف، وما من علاقة إلا ولها تنظيم، وما من مصلحة شرعية إلا ولها طريق موضحة في مطاوي هذه المنظومة، وما من حركة إلا ولها هدف رصدت من أجله، لأن القرآن الكريم تبيان لكل شئ بالنص القرآني، والرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) بين للناس ما نزل إليهم من ربهم بالتصوير الفني البطئ قولا وفعلا وتقريرا، وأعلن الله كمال الدين وتمام النعمة.
إذا كانت المنظومة الحقوقية الإلهية بهذا الكمال والشمول فما هي حاجة الخلفاء لوضع منظومة حقوقية من آرائهم؟
مؤهل الخليفة طوال التاريخ، وشهادته العلمية هو أنه الغالب الذي قهر الأمة وعلا فوقها بالقوة، وابتز الحق من أولي الأمر. فإذا انصاع الخليفة الغالب لأحكام المنظومة الإلهية فإن أول عمل يتوجب عليه هو أن يرد الحق الذي ابتزه، وأن يرمي السوط الذي أخضع به الأمة، والغالب لم يقبل بذلك ولن يسمح لأحد أن يجرده من أسباب قوته.
الأمة رعايا وهو حاكمها بالقوة، وهو غير قادر على تطبيق الشرع، لأنه غير معد وغير مؤهل لتطبيقه، فمؤهله وشهادته العلمية هي القوة، والمشاكل تحدث لا بد لها من حكم، والخليفة وأهل طاعته لا يعرفون الحكم، وهم غير راغبين بسؤال أولي الأمر الشرعيين!
عندئذ يضطر الخليفة المتغلب وأهل طاعته أن يعملوا برأيهم، فسموا العمل بالرأي اجتهادا!!
أنا لا أدري ما قيمة الاجتهاد مع وجود النص؟ إن أي منظومة حقوقية وأي مشرع لا يسمح بتجاهل النص والاجتهاد مع وجوده.
إن مثل الخليفة المتغلب كمثل أحد الحضور في قاعة محكمة انقض على القاضي وكتفه وجلس مكانه، وزعم بأنه القاضي، وكان لهذا المتغلب مثله يتقاسمون معه المنافع!!
لقد سخرت الدولة برئاسة الخليفة المتغلب كل مواردها وكل وسائل إعلامها، لإثبات أن العمل برأي الخليفة وأهل طاعته هو اجتهاد، والاجتهاد مشروع عند الله، والرسول نفسه مجتهد، ولا حرج إن خالف المجتهد - الخليفة المتغلب - مجتهدا آخر وهو الرسول!!! راجع شرح التجريد للقوشجي كما وثقنا. وقد قاد الخلفاء التاريخ السياسي الإسلامي على هذا الأساس، وتفيض الإعلام اقتنع الناس واختلط الأمر عليهم!
أضواء على منظومة الخلفاء الوضعية التي صنعوها من اجتهاداتهم
لا يوجد في النظام السياسي الإسلامي الذي وضعه الخلفاء قاعدة حقوقية واحدة من صنع الله تعالى، وهي بالكامل من صناعة الخلفاء! وإذا وجدت قاعدة حقوقية إلهية في نظام الخلافة فما ذلك إلا للزينة، وآية ذلك أن رئيس الدولة في النظام السياسي الإسلامي الإلهي هو مركز الدائرة، وهو معين ومعد ومؤهل إلهيا ومنصوص عليه، وقد جاء الخليفة المتغلب وجلس بالقوة محل الإمام المعين والمعد والمؤهل إلهيا، ثم جر القواعد الشرعية المتعلقة بمنصب الإمامة، وفصلها على نفسه، وركعها لمصلحتها، وأخرج كل ذلك بقالب جديد من رأيه واجتهاده، ورأي واجتهاد أهل طاعته!

ما هو السند الشرعي لنظام الخلافة التاريخي؟

في الحق والحقيقة إن السند الشرعي لنظام الخلافة التاريخي هو الإجماع!! لكن متى حدث الإجماع!! وهل يجوز العمل بالإجماع مع وجود النص!
هل الشريعة الإلهية ناقصة وجاء الإجماع ليكملها؟
ثم ما قيمة الإجماع إن قام أمام النص الشرعي؟!
أجمع شيعة الخلفاء على أن الرسول ترك أمته ولا راعي لها، بتعبيرهم الملطف:
خلى على الناس أمرهم، فلماذا صارت ولاية العهد جائزة؟
هل لأن الرسول أمر بها؟ الرسول لم يشرعها ولم يأمر بها حسب رأيهم، ولكنها صارت جائزة، لأن الخليفة سنها فأبو بكر عهد لعمر، وعمر عهد للستة!
فإذا سألتهم هل خول الله أبا بكر أو عمر رضي الله عنهما صلاحية التشريع وإيجاد مراكز حقوقية جديدة بهذا المستوى من الخطورة؟ ضاقت صدورهم ولعنوك بقلوبهم، ثم قالوا صارت ولاية العهد جائزة بالإجماع!
لكن من الناحية العملية صار الخليفة مشرعا، ومن مهمة أهل طاعته أن يبرروا تشريعات الخليفة! صار الخليفة يتمتع بصلاحيات النبي، والفرق بين الخليفة وبين النبي، أن النبي يتبع ما يوحى إليه من ربه، والخليفة يعمل برأيه، ويتبع ما يوحيه إليه رأيه، أو بتعبير أهل طاعته الملطف: يعمل باجتهاده.
ولا حرج على الخليفة إن خالف النبي وعمل عكس النبي تماما، فالخليفة مجتهد والنبي مجتهد آخر، فالرسول مثلا كان يساوي بالعطاء فجاء الخليفة عمر وفضل بالعطاء، فقد أعطى كل واحدة من زوجات الرسول عشرة آلاف درهم وفضل عائشة وحفصة فأعطى لكل واحد منهما اثني عشر ألف درهم! وخصص لكل مسلم مبلغا معينا حسب موقعه برأيه، فما هي الحكمة من مخالفة النبي!
إن عمل النبي بمثابة نص شرعي، فما هي الفائدة من ترك النص الشرعي والعمل برأي الخليفة!
ومع هذا فإن الجموع صفقت للخليفة! ثم اكتشف الخليفة الآثار المدمرة لمخالفة النص الشرعي، وتفاوت المداخيل فقال إنه إن عاش ليأخذن فضل أموال الأغنياء ويردها على الفقراء، فصفقت الجموع للخليفة! والله غالب على أمره.
وهكذا كون الخلفاء قوانين موازية للقوانين الإلهية
فما من أمر من الأمور له حكم في الشريعة، إلا واجتهد الخلفاء وأهل طاعتهم وأوجدوا له حكما آخر موازيا تماما للحكم الإلهي! فلو جمعت اجتهادات الخلفاء لتكون لديك مجموعة حقوقية متكاملة تقف بخط متواز مع المجموعة الحقوقية الإلهية!
وعليك أن تلحق المجموعة الحقوقية التي صنعها الخلفاء بالمجموعة الحقوقية التي وضعها الله ورسوله! فالدين والشرع هو المجموعتان معا!
وجاء التاريخ السياسي الإسلامي ونصر المجموعة التي وضعها الخلفاء، وتفنن أهل طاعة الخلفاء باختلاق الأحاديث التي تبرر ما فعله الخلفاء، فلا نجد نصا إلا ونجد نقيضا له، فنص يأمر بعدم إطاعة الظالم، ونص آخر يأمرك بطاعة الظالم حتى لو أخذ مالك وجلد ظهرك! وعليك أن تأخذ المنظومتين الحقوقيتين معا أو تتركهما معا!
وركزت دولة التاريخ السياسي إعلامها على وحدة المنظومتين، وسخرت كل موارد الدولة لإقناع العوام بذلك، ومع الأيام صار العالم كالعامة، وصار التاريخ دينا حقيقيا، وتناسى الناس الدين الحقيقي الذي جاء به رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ولم يبق لهم إلا شكله!ولله عاقبة الأمور، فإنا لله وإنا إليه راجعون.

للخليفة قداسة فاقت قداسة النبي!

أشاع إعلام الخلفاء أن الرسول كان يغضب فيلعن ويسب ويؤذي من لا يستحقها.
راجع صحيح بخاري كتاب الدعوات، وصحيح مسلم كتاب البر، وهم يقولون ذلك عن خير البشر، وعن صاحب الخلق العظيم، ولكن هل يجرؤ أحد أن يقول ذلك عن أبي بكر أو عمر رضي الله عنهما!
وأشاع إعلام الخلفاء أن النبي قد سمع رجلا يقرأ في المسجد فقال النبي: رحمه الله أذكرني كذا وكذا آية أسقطتها من سورة كذا! راجع صحيح بخاري - باب قول النبي وصلى عليهم، وكتاب الشهادات - باب شهادة الأعمى، وراجع صحيح مسلم - كتاب فضائل القرآن!من يجرؤ أن يقول ذلك عن أحد الخلفاء!
وما حدث في الغرفة المباركة لآية. النبي يريد أن يكتب كتابا والخليفة لا يريد أن يكتب النبي! فقال الخليفة وحزبه: لا حاجة لنا بالكتاب (حسبنا كتاب الله)! ولما أصر النبي، قال الخليفة وحزبه: النبي قد هجر!! ومع هذا لا أحد يلوم الخليفة، وما فعل الخليفة ذلك إلا لحكمة، وانتصر الخليفة وكسروا خاطر النبي الشريف!!
فالخليفة حتى بمواجهته مع النبي بطل ولا يقول إلا الحق! وقد وثقنا ذلك أكثر من مرة.
ذلك أثر من آثار انتصار النظام البديل، ولله عاقبة الأمور، إذ قدم المتأخر، وصار المتأخر متقدما!

تفكيك النظام الإلهي وتعطيل مسيرته المباركة

النظام الإلهي يقوم على ركنين هما:
1 - كتاب الله المنزل وهو القرآن الكريم.
2 - نبي الله المرسل وهو محمد (صلى الله عليه وآله وسلم):
ألف - بذاته ب - بقوله ج - بفعله د - بتقريره.
فالنظام الإلهي لا يعمل إلا بالاثنين معا، ولا يعطي أكله إلا بركنيه، ولا يستجيب إلا بوحدة هذين الركنين والثقة المطلقة بهما.
وهذا النظام مفصل ليقود الدين، ويقود الدولة، ليحكم الحياة الدنيا، والحياة الآخرة، وليكون نظاما للعائلة الإنسانية كلها.
الإستيلاء على السلطة بالقوة لا يتحقق إلا بتفكيك النظام الإلهي
الذين خططوا للاستيلاء على السلطة بالقوة بعد وفاة الرسول أدركوا استحالة تحقيق هدفهم هذا بدون تفكيك النظام الإلهي خاصة القواعد المتعلقة بظاهرة السلطة.
الإنفراد بالنبي
هنالك وحدة عضوية بين القرآن المنزل، والنبي المرسل، فالقرآن معجزة النبي، ودليل نبوته، والنبي هو الشاهد الأوحد على أن القرآن من عند الله، وأن مهمته هي بيان ما أنزل للناس من ربهم، فمن غير المتصور عقلا هدم هذه الوحدة العضوية بين الاثنين، ولكن لا بديل أمام الذين خططوا للاستيلاء على السلطة بالقوة من هدم هذه الوحدة العضوية تمهيدا لتفكيك النظام الإلهي. فأعلنوا تمسكهم بالقرآن الكريم، وأنه لا خلاف عليه، وقرروا أن يتفردوا بالنبي وحده كخطوة لفك الوحدة العضوية بين القرآن الكريم والنبي العظيم!
التشكيك بقول النبي
الذين خططوا للاستيلاء على السلطة بالقوة أشاعوا مبكرا وقبل وفاة الرسول بمدة طويلة أن كلام الرسول كله ليس صحيحا لأنه يتكلم بالغضب والرضا، فما قاله الرسول بالرضا فهو حق، وما قاله بالغضب فهو ليس بحق (حاش لك يا رسول الله) ولا أحد يدري غضب الرسول من رضاه سوى أولئك الذين خططوا للاستيلاء على السلطة بالقوة!
لذلك منعا للالتباس وإشفاقا على المسلمين، نهى أولئك الذين خططوا للاستيلاء على السلطة بالقوة نهوا عن كتابة أحاديث رسول الله، ولما علم رسول الله بذلك أخبر الذي أطلعه على هذه الإشاعة بأنها غير صحيحة، وأنه لا يخرج من فمه الشريف إلا حق، وأقسم له الرسول على ذلك.
الدليل على صحة ما ذكرناه
جاء في سنن الدارمي باب من رخص في الكتابة، من المقدمة، وسنن أبي داود باب كتابة العلم ومسند أحمد ومستدرك الحاكم ، وجامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال (كنت أكتب كل شئ أسمعه من رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فنهتني قريش، وقالوا تكتب كل شئ سمعته من رسول الله ورسول الله بشر يتكلم في الغضب والرضا؟!(1)
فأمسكت، وذكرت ذلك لرسول الله فأومأ بإصبعه إلى فيه وقال (أكتب فوالذي نفسي بيده ما خرج منه إلا حق).
فتأكد من المراجع السابقة واسأل نفسك: من هي قريش التي نهت ابن العاص؟
وما هي مصلحتها بهذا النهي؟ ومتى اجتمعت قريش دفعة واحدة عند ابن العاص؟
عندئذ تدرك أن الذين نهوا هم أنفسهم الذين خططوا لابتزاز الحق من أهله، وللاستيلاء على السلطة بالقوة! وخطتهم لذلك هي التشكيك بأقوال رسول الله حتى لا يحملها الناس محمل الجد!!
ومن الطبيعي أن تنطلق هذه الإشاعات، وأن تجد في صفوف المنافقين آذانا صاغية، والإشاعة تلد إشاعة، والشر يخلق شرا، والإثم يفرخ بغير حساب.

مواجهة النبي والتشكيك به وجاهيا

النبي صلی الله عليه وآله وسلم على فراش الموت، وجبريل يلازمه، ولا ينقطع عن زيارته .
وغرفته المباركة غاصة بعواده، وهو على علم بالفتن التي تتربص بالمسلمين، وتنتظر موته لتندلع، فأراد أن يلخص الموقف لأمته، وهذا حق له كقائد، لأنه ما زال رئيسا للدولة، وحق له كنبي لأنه ما زال نبيا، وحق له كإنسان وكمسلم بأن يقول ما يشاء.
فقال للحاضرين (قربوا أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده أبدا).
من يقل لي بربكم ما هو الخطأ بقول رسول الله؟ وأي عيب فيه؟!
بمجرد أن سمع عمر عرض النبي هذا قال: (حسبنا كتاب الله) لا حاجة لنا بالكتاب، وانقسم الحاضرون إلى قسمين، قسم يقول قربوا يكتب لكم رسول الله، وحزب عمر يقول: القول ما قال عمر!
من أقنع الأكثرية التي أيدت عمر بصحة رأيه حتى أيدوه سوى رابطة التفكير الحزبي المبيت والموحد!
ما الذي نفر هذه الأكثرية من عرض رسول الله!
لو أصر النبي لأصروا بأن النبي قد هجر!
لما عجب الحاضرون ممن كانوا خارج دائرة التخطيط المبيت، وقالوا: قربوا يكتب لكم رسول الله، صاح حزب عمر، (حسبنا كتاب الله) إن رسول الله قد هجر، استفهموه إنه يهجر!! حاشا لك يا رسول الله!
ولو أصر النبي على كتابة الكتاب لأصر حزب عمر على القول بأن رسول الله قد هجر، ولأثبتوا هذا الزعم بكل وسائل الإثبات!
وصدم خاطر النبي الشريف من تلفظهم بهذه الكلمة النابية، وقال لهم: قوموا عني، ما أنا فيه خير مما تدعونني إليه! فخرج عمر وحزبه منتصرين ولكن على النبي!
وفائزين ولكن على الشرعية!
الدليل على صحة ما ذكرناه عن المواجهة مع النبي الاعظم صلی الله عليه وآله وسلم
لقد ذكر بخاري هذه الحادثة بست روايات، راجع صحيح بخاري باب قول المريض قوموا عني، وذكرها مسلم في صحيحه آخر كتاب الوصية وصحيح مسلم بشرح النووي ، ومسند الإمام أحمد وشرح النهج من صحيح مسلم بشرح النووي، وابن الجوزي في تذكرة الخواص والطبري في تاريخه وراجع شرح النهج لعلامة بتحقيق محمد أبو الفضل .
هل فعل المتغلبون ذلك لحكمة؟ وما هي الحكمة؟
كيف يمكن الاعتذار عما فعله المتغلبون؟ وهل واجهوا رسول الله لحكمة؟ وما هي الحكمة؟
من يرضى لنفسه أن يكون بالصف المواجه لرسول الله؟
من يملك الادعاء بأنه أعلم بكتاب الله من رسول الله، أو أبعد نظرا منه!
كيف يمكن تفسير ذلك سوى أنه حلقة من سلسلة من الحلقات، تقود إلى السلطة عن طريق القوة والتغلب؟؟؟

التشكيك بذات الرسول حتى بعد وفاته

جاء في صحيح بخاري كتاب الدعوات - باب قول النبي: من آذيته، وفي صحيح مسلم - كتاب البر والعلة - باب من لعنه النبي (أن رسول الله كان يغضب فيلعن، ويسب ويؤذي من لا يستحقها...) وجاء في صحيح بخاري - باب قول الرسول: وصل عليهم وكتاب الشهادات - باب شهادة الأعمى ونكاحه، وفي صحيح مسلم كتاب فضائل القرآن - باب الأمر بتعهد القرآن، عن عائشة (أن النبي سمع رجلا يقرأ في المسجد فقال: رحمه الله أذكرني كذا وكذا آية أسقطتها من سورة كذا....!
تلك حقيقة جديدة للتشكيك بذات الرسول حتى بعد وفاته، وهي امتداد للحلقات السابقة!
الرب جلت قدرته شهد بأن رسول الله على خلق عظيم بآية محكمة، وأنه ما ضل وما غوى، وأنه لا ينطق عن الهوى، وأنه بالمؤمنين رؤوف رحيم، وأنه الشهيد على هذه الأمة، فهل يعقل من كانت هذه صفاته ومن يؤتمن على الوحي، وهو الذي يتبع ما يوحى إليه، هل يعقل أن يهبط إلى الصورة التي صوره بها بخاري ومسلم؟
إن أي إنسان عادي يترفع أن يكون بهذه الصورة! فكيف بسيد ولد آدم، وبآخر الأنبياء والرسل!
لكنها حلقة وامتداد لحلقات سابقة صورها أولئك الذين أصروا على الاستيلاء على السلطة بالقوة والتغلب ثم انظر إلى الحديث الثاني الذي رواه بخاري ومسلم، وكيف أنه من نفس المشكاة، فلو لم يسمع النبي هذا الرجل لبقيت تلك الآية ساقطة!
إنها ضرب على نفس الوتر الذي صنعته القوة المتغلبة، وكانت أول من حرك أصابعه عليه!

مطاردة وملاحقة أقوال النبي حتى بعد موته

هذا الرسول البشر الذي يتكلم في الغضب والرضا، يجب إخراجه تماما عن مسرح الحدث السياسي، وعدم إتاحة الفرصة لأقواله وأحاديثه للتأثير على الحدث السياسي، لأن القوة المتغلبة لا تؤمن إلا بالحق، وليس مضمونا عندها أن كل ما تكلم به الرسول كان حقا، خاصة الأحاديث المتعلقة بظاهرة السلطة! والحل الأفضل هو:
1 - حرق كافة الأحاديث المكتوبة على عهد رسول الله.
2 - منع كتابة أحاديث رسول الله.
3 - منع رواية أحاديث رسول الله.
حرق كافة الأحاديث
جاء في كنز العمال مجلد 5 صفحة 237 وفي تذكرة الحفاظ مجلد 1 صفحة 5 عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت (جمع أبي الحديث عن رسول الله فكانت خمسمائة حديث فبات يتقلب، فقلت يتقلب لشكوى أو لشئ بلغه، فلما أصبح قال: أي بنية هلمي بالأحاديث التي عندك فجئته بها، فأحرقها)
جاء في طبقات بن سعد مجلد 5 صفحة 140 بترجمة محمد بن أبي بكر (أن الأحاديث كثرت على عهد عمر بن الخطاب فأنشد الناس أن يأتوه بها فلما أتوه بها أمر بتحريقها) وحرقت كافة الأحاديث المكتوبة التي قالها النبي للناس. وبعث في الأمصار من كان عنده شئ فليمحه! راجع بيان العلم لابن عبد البر.
ربك يسارع في هواك
جاء في صحيح بخاري مجلد 6 صفحة 24 ومجلد 6 صفحة 128 أن عائشة رضي الله عنها قد قالت للنبي: إن ربك يسارع في هواك!!
وجاء في صحيح بخاري مجلد 2 صفحة 122 أن عمر بن الخطاب قال للنبي في صلح الحديبية: أأنت نبي حقا؟!
وجاء في صحيح مجلد 2 صفحة 29 قول أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: أنت الذي تزعم أنك نبي!
وجاء في صحيح بخاري مجلد 4 صفحة 47 على لسان صحابي للنبي: والله ما قصدت بهذه القسمة وجه الله!
(ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا في الإيمان)
المطلوب أن كتاب الله وحده يكفي
لقد قال عمر وحزبه للرسول مواجهة: (حسبنا كتاب الله) أي أن كتاب الله وحده يكفينا، ولا حاجة لنا بكتابك!! وقد وثقنا ذلك.
وروى بخاري هذا الشعار (حسبنا كتاب الله) بست روايات، ورواه مسلم، وذكره النووي عند شرحه لصحيح مسلم، والأمة متفقة على صحته.
كان هذا والرسول على فراش الموت! وبعد وفاة النبي كما روى الذهبي في تذكرة الحفاظ بترجمة أبي بكر (رضي الله عنه) أن أبا بكر جمع الناس بعد وفاة نبيهم فقال (إنكم تحدثون عن رسول الله أحاديث تختلفون فيها، والناس بعدكم أشد اختلافا، فلا تحدثوا عن رسول الله شيئا! فمن سألكم فقولوا: بيننا وبينكم كتاب الله فاستحلوا حلاله وحرموا حرامه!
بن ملجم لم يقتل عليا إلا متأولا مجتهدا مقدرا أنه على صواب!!

تحريف وتمييع النصوص الشرعية الواردة في علي

ذكر ابن عساكر في ترجمة علي من تاريخ دمشق وابن حجر في صواعقه والسيوطي في تاريخ الخلفاء عن ابن عباس أنه قد نزل في علي ثلاثمائة آية من كتاب الله عز وجل. وقال ابن عباس: ما أنزل الله (يا أيها الذين آمنوا) إلا علي أميرها وشريفها، ولقد عاتب الله أصحاب محمد في غير مكان وما ذكر عليا إلا بخير. راجع تاريخ دمشق و الصواعق المحرقة.
وعلى سبيل المثال فقد نزل قوله تعالى في الآية رقم 7 من سورة الرعد مخاطبا النبي (إنما أنت منذر ولكل قوم هاد) وبين النبي هذه الآية فقال: (أنا المنذر وعلي الهاد، وبك يا علي يهتدي المهتدون). راجع تاريخ دمشق لابن عساكر، وراجع الفصول المهمة للصباغ المالكي و ينابيع المودة للقندوزي الحنفي و مسند الإمام أحمد منتخب الكنز بالهامش.(3)
وما زالت وسائل إعلام الدولة تركز، حتى أولت الآيات النازلة في علي عن معانيها، وفكت الصلة بين خصوصية هذه الآيات وبين الإمام علي، فالرجل الهادي بنص القرآن والشاهد التالي بنص القرآن، والوالي بنص القرآن، والصادق بنص القرآن، والمطهر بنص القرآن، والسابق بنص القرآن، والمؤمن بنص القرآن، والمتقي بنص القرآن... إلخ. تنتزع منه كل هذه الصفات بالقوة ويؤخذ منه حقه ويهدد مع هذا بالقتل، ويضطر أن يبكي ويصيح ويلتحق بقبر رسول الله شاكيا باكيا مرددا (يا ابن أم إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني) وبعد سويعات من وفاة ابن عمه رسول الله يجمع الحطب لحرق بيته على الزهراء وعلى فرخي رسول الله!!
ثم حرفت النصوص الشرعية التي أعلنها رسول الله والمتعلقة بالولي، فإذا ذكرت الناس أن رسول الله قد أعلن ولاية علي أمام ماءة ألف مسلم وقال له: أنت وليهم من بعدي، وأنت ولي كل مؤمن ومؤمنة من بعدي) وقال لمن حوله (هذا وليكم بعدي، ومن كنت مولاه فهذا علي مولاه) ضاقوا ذرعا بهذه النصوص، ولأنهم أعجز من أن يطمسوها أخذوا يبتدعون التأويلات الفاسدة للنصوص لإخراجها عن معانيها، فقالوا إن الولي يعني الناصروالمعين!
عجبا للذين عطلوا عقولهم كيف تعني كلمة أبي بكر: إني قد وليت عليكم عمر، وكلمة عمر: لو أن أبا عبيدة حيا لوليته، ولو كان خالد حيا لوليته، ولو كان سالم حيا لوليته، لماذا تعني كلمة الولي من عمر وأبي بكر رضي الله عنهما الخليفة، وتعني الكلمة نفسها من رسول الله الناصر والمعين!
وعندما تذكر الناس بقول النبي (أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي) تسارع شيعة الخلفاء بالقول: إن الرسول قصد بأن عليا هو المسؤول عن البيت!!
شلت أيديهم! فما هي مصلحتهم بتحريف الكلم عن مواضعه!

السر في ذلك التحريف

إن الدولة - أي دولة طوال التاريخ - هي التي تملك السيطرة الكاملة على وسائل الإعلام، وإن لكل الخاضعين لسلطان الدولة يضربون على نفس الدف الذي يضرب عليه الحكام، أو يتظاهرون بالضرب على هذا الدف.
والدولة - أي دولة - تسخر كل مواردها لإثبات سلامة منهجها وإقناع الناس بالرضا وبالتفوه بأنها وحدها صاحبة الأهلية بالحكم، وطمس وتحريف كلما يتعارض مع هذه المقولات!
وبما أن دولة التاريخ السياسي قد قامت بالقوة، واستولت على السلطة الشرعية بالقوة والتغلب، وعزلت الإمام الشرعي، وجردته من حقه بالولاية بالقوة، وعزلت أهل البيت الكرام عن دورهم القيادة بالقوة... لذلك فإن القوة المتغلبة وأعوانها وأهل طاعتهم حرصوا على تحريف كل نص يظهر فضل القيادة الشرعية، أو يؤكد حقها في الحكم، لتثبت القوة المتغلبة لمن حضر وللأجيال اللاحقة أنها وحدها هي صاحبة الحق بالحكم، أو بتعبير أدق لإضفاء الشرعية على حكمها!
وجاء اللاحقون فاندهشوا من عظمة أولئك الذين وحدوا الأمة بالقوة، وقهروا أعداءها، فهاموا بهم، واعتبروا أفعالهم سنة واجبة الاتباع، وخلطوا بين القوة المتغلبة وبين الدين نفسه، فالقوة المتغلبة طوال التاريخ والدين وجهان لعملة واحدة، فهم يسمون النظام السياسي في الإسلام نظام الخلافة، فإذا قلت لهم: الخلافة تعني سياسيا خلافة النبي، فإذا كان نظام الخلافة هو نظام الإسلام فما هو النظام الذي طبقه النبي قبل قيام دولة الخلافة؟ بهتوا ولعنوك واتهموك بالرفض أو التشيع أو بهما معا!
وقد يتهموك بالكفر!

الغالب هو المبين وهو الولي وهو الإمام

لقد نجحت القوة المتغلبة بابتزاز حق الإمام بالولاية، وعطلته عن بيان ما تختلف فيه الأمة بعد النبي كما أمر النبي، وحالت بينه وبين تطبيق المنظومة الحقوقية الإلهية على الوجه الأمثل، وحرمت البشرية من علمه وهداه وعدله وآرائه، واستولت القوة المتغلبة على السلطة بالقوة!
فكيف دبرت أمرها؟ ومن الذي قادها؟ زعيم الفئة المتغلبة هو الذي يحكم أمة محمد أو يعين لها من يحكمها، فهو وليها بدل النبي، وبدل الولي، وهو خليفة نبيها وهو إمامها وهو قدوتها، وهو مرجعها الديني، فقد يجلس مقام النبي رجل صالح كأبي، وكعمر، وقد يجلس مقام النبي فاسد كيزيد، والعبرة هو من يغلب، فمن يغلب فهو القائم مقام النبي!!
غلبت بطون قريش فرأست رجالها الثلاثة الأفذاذ. أبا بكر وعمر وعثمان، وغلب معاوية فترأس، وسلم مفاتيح الغلبة لابنه من بعده فترأس، ثم غلب مروان بن الحكم فترأس، وتناقل أولاده مفاتيح الغلبة، فسادوا وترأسوا، ثم غالبهم العباسيون فغلبوهم، فسادوا، وغالب العباسيين المماليك وأمراء الأقاليم فقطعوا أشلاء ملكهم، ثم جاء العثمانيون الأعاجم فغلبوا!
وطوال التاريخ والأمة تقدم واجبات الطاعة لمن غلب، وتتلقى السياط من الغالبين، فالغالب مطاع حتى لو خالف الرسول وانتهك الحرمات، وعطل الحدود، وصادر الحريات.
هذا جزاء وفاق للأمة التي بطرت معيشتها، وتخلت عن وليها، ودحرت أهل بيت نبيها، ثم ادعت أنها عاجزة عن التغيير! ولله عاقبة الأمور.
المصادر :
1- سنن الدارمي مجلد 1 صحفة 125 وسنن أبي داود مجلد 2 صفحة 126 ومسند أحمد مجلد 2 صفحة 162 و 207 و 216 ومستدرك الحاكم مجلد 1 صفحة 105 - 106، وجامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر صفحة 85 .
2- صحيح بخاري مجلد 2 صفحة 9 ومجلد 1 صفحة 37 ومجلد 5 صفحة 137 ومجلد 2 صفحة 132 ومسلم في صحيحه آخر كتاب الوصية مجلد 5 صفحة 75 وصحيح مسلم بشرح النووي مجلد 11 صفحة 95، ومسند الإمام أحمد مجلد 4 صفحة 356 الحديث 2992 وشرح النهج مجلد 6 صفحة 51 ومجلد 2 صفحة 16 الحديث 11 صفحة 94 و 95 من صحيح مسلم بشرح النووي، وابن الجوزي في تذكرة الخواص صفحة 62 والطبري في تاريخه مجلد 2 صفحة 192 - 193، شرح النهج لعلامة المعتزلة مجلد 3 صفحة 114 سطر 27 ومجلد 12 صفحة 79 ومجلد 3 صفحة 167 .
3- تاريخ دمشق مجلد 2 صفحة 31 الحديث 934 وابن حجر في صواعقه صفحة 125 والسيوطي في تاريخ الخلفاء صحفة 172 عن ابن عباس راجع مجلد 2 صفحة 430 الحديث 932 من تاريخ دمشق وصفحة 125 من الصواعق المحرقة.
تاريخ دمشق لابن عساكر مجلد 2 صفحة 417 الحديث 916 وراجع صفحة 107 من الفصول المهمة للصباغ المالكي وصفحة 99 من ينابيع المودة للقندوزي الحنفي ومجلد 5 صفحة 34 من مسند الإمام أحمد منتخب الكنز .

 


source : راسخون
user comment
 

آخر المقالات

  حجر الاسود بدءه واستلامه
  کتاب فيه وحدة الامة
  طلاق المرأة ثلاثاً
  الحسد
  التمییز بین السور المکیة و المدنیة
  الحب بعد الأربعين
  صراعات فرق أهل السنة
  دحو الارض و استحباب صومه ( 25 ذی القعدة)
  إدريس بن زياد الكفرتوثي([1])
  التخطيط السياسي في السيرة النبوية