عربي
Tuesday 21st of November 2017
code: 88281
هل قتلوا السيد المسيح يقينا

بعد أن تكاتفت مؤسسات الباطل من أجل الصد عن سبيل الله، بلغت الأحداث ذروتها برفع المسيح عليه السلام، ليكون رفعه آية للذين يؤمنون بأن القوة جميعا لله، ويكون في الرفع عقوبة للذين ختم الله على قلوبهم وعلى أسماعهم وعلى أبصارهم جزاءا بما قدموا. لتلقى بهم العقوبة في طريق الضنك حتى ينتهي بهم المقر. تحت أعلام المسيح الدجال آخر الزمان، ورفع المسيح عليه السلام جاء ذكره في مزامير داوود وهو يخبر بالغيب عن ربه. قال " لأنك قلت أنت يا رب ملجئي.
لا يلاقيك الشر ولا تدنو ضربة من خيمتك. لأنه يوصي ملائكته بك ليحفظوك في كل طرقك. على الأيدي يحملونك لئلا تصدم بحجر رجلك " (1). وذكر تعالى في القرآن الكريم أنه حفظ المسيح عليه السلام على امتداد دعوته. وذلك في قوله تعالى: (إذ قال الله يا عيسى بن مريم اذكر نعمتي عليك وعلى والدتك إذ أيدتك بروح القدس) - إلى قوله تعالى - (وإذ كففت بني إسرائيل عنك إذ جئتهم بالبينات فقال الذين كفروا منهم إن هذا إلا سحر مبين) (2).
وقال تعالى في رفع المسيح عليه السلام (فبما نقضهم ميثاقهم وكفرهم بآيات الله وقتلهم الأنبياء بغير حق وقولهم قلوبنا غلف بل طبع الله عليها بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا. وبكفرهم وقولهم على مريم بهتانا عظيما. وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى بن مريم رسول الله. وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه ما لهم به من علم إلا اتباع الظن وما قتلوه يقينا. بل رفعه الله إليه وكان الله عزيزا حكيما) (3).
ومن هذه الآيات نعلم (أولا): أن المسيح عليه السلام لم يتوف بأيديهم لا صلبا ولا غير مصلوب، بل شبه لهم، أي أخذوا غير المسيح عليه السلام فقتلوه أو صلبوه (ثانيا) إن الذين اختلفوا في عيسى أو في قتله لفي شك منه. والشك نقيض اليقين (ثالثا) إن ما قالوه ترجع أصوله إلى الظن. أي إلى التخمين.
وقوله تعالى: (وما قتلوه يقينا) أي ما قتلوه قتل يقين. أو. ما قتلوه أخبرك خبر يقين " بل رفعه الله إليه " أي إلى السماء " وكان الله عزيزا حكيما " ومعنى العزيز. أي الممتنع فلا يغلبه شئ. وقيل: هو القوي الغالب كل شئ. ومعنى حكيما: أي الذي يحكم الأشياء ويتقنها. فهو تعالى حكيم في جميع ما يقدره ويقضيه من الأمور وله الحكمة البالغة والحجة الدامغة والسلطان العظيم.
ولما كان الله تعالى لا يظلم مثقال ذرة. فإنه أقام الحجة على الذين شاهدوا شبيه المسيح على الصليب حتى لا يلتبس عليهم الأمر.
ويعتقدوا بأن الشبيه هو المسيح، فلقد أوجب تعالى على تفسير أن يبين لعباده ما يتقون. قال تعالى: (وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون) (4). والمسيح عليه السلام وتلاميذه من بعده أقاموا الحجة على المسيرة أثناء الدعوة وعند ذروة الأحداث وبعدها. ثم بعث النبي الخاتم (صلی الله عليه وآله وسلم) وبين للناس الذي هم فيه مختلفون.
ومن بين فرق النصارى يوجد من يعتقد بأن المسيح عليه السلام لم يصلب وإنما صلب رجل آخر شبه به. يقول بتراند راسل " كانت طائفة الدوسيين قد ذهبوا إلى أن المسيح لم يكن هو الذي صلب. بل بديل أشبه به. وقد ظهر رأي مماثل لذلك في الإسلام " (5).
وعند البحث عن القاعدة التي ينتسب إليها الشبيه الذي ألقي عليه شبه المسيح عليه السلام، لا نجد إلا قاعدتين لا ثالث لهما. إما أن يكون من الفريق الذي صد عن سبيل الله، وأما أن يكون من التلاميذ الذين أقروا بنصرتهم للمسيح وسلكوا السبيل الذي يسلكه إلى الله، فإذا افترضنا أن الشبيه ينتمي إلى الفريق الكافر بالدعوة. نجد أن هذا الافتراض يؤدي إلى هدم الدعوة من رأس، وذلك لأن الشبيه في هذه الحالة سيعلن على الذين أشرفوا على محاكمته وعلى الجموع بعد ذلك.
أنه ليس المسيح حتى يحاكموه ثم يصلبوه، وقد يستغل شيوخ اليهود هذا الاقرار. فيدمرون دعوة المسيح ويغرسون أعمدة دعوتهم على لسان الشبيه، ويترتب على ذلك فتنة الذين آمنوا بالمسيح وانتصار الباطل على الحق وهذا محال. لأن الرفع كان بقدرة العزيز الحكيم الذي له الحكمة البالغة والحجة الرافعة. الحكيم في جميع ما يقدره ويقضيه من الأمور.
وبالجملة: لم يعلن الشبيه عن اسمه ولم يذكر في أي موطن من المواطن أنه ليس المسيح. كما جاء في الأناجيل. وعلى هذا فلا بد أن يكون الشبيه من القاعدة الثانية. قاعدة التلاميذ. الذين قالوا " نحن أنصار الله " وقالوا (ربنا آمنا بما أنزلت واتبعنا الرسول فاكتبنا مع الشاهدين) (6) ويؤكد ذلك الأحاديث التي وردت في كتب التفسير. ومنها ما روي أن المسيح عليه السلام قال لتلاميذه " يا معشر الحواريين. أيكم يحب أن يكون رفيقي في الجنة حتى يشبه للقوم في صورتي فيقتلوه. فقام شاب من أحدثهم سنا فقال: أنا. فقال له المسيح: هو أنت ذاك. فألقى عليه شبه عيسى. ورفع عيسى من روزنة البيت إلى السماء، وفي رواية " وألقى عليه شبه عيسى حتى كأنه هو. وفتحت روزنة من سقف البيت.
وأخذت عيسى عليه السلام سنة من النوم فرفع إلى السماء " (7).
فإلقاء الشبه على واحد من التلاميذ فيه حفظ للدعوة. لأن حركته على امتداد المحنة هي حركة التلميذ الذي امتحن الله قلبه بالإيمان. فلن يتكلم ولن يتحرك إلا وفقا لتعاليم المسيح. ووفقا لتوصياته التي تخص هذه المحنة بالذات. لينجو الذين آمنوا ويسقط الذين كفروا في الفتنة.
ويمكن أن يصل الباحث إلى أن الذي صلب لم يكن المسيح عليه السلام. إذا تدبر في الأحداث ودقق النظر في أقوال الشبيه. ونحن سنلقي الضوء على حركة الرجل الذي صلب كما جاءت في الأناجيل.
وإذا كانت الأناجيل قد قدمتها على أساس أنها حركة المسيح. فإن على الباحث أن يقرأها ويتدبرها على أساس أنها صادرة من الشبيه. وفي خاتمة المطاف سيقف الباحث على حقيقة مفادها أن الحركة كانت للشبيه ولم تكن للمسيح. ومن العجيب أن الأحداث على امتداد المحنة. حملت سؤالا واحدا. توجه به مجلس الشيوخ المؤلف من رؤساء الكهنة والكتبة وتوجه به الحاكم بيلاطس إلى الرجل الذي صلب. وكان هذا السؤال يحمل صيغة واحدة هي: هل أنت المسيح؟
ومن الأعجب أن رؤساء الكهنة والكتبة. كانوا يعرفون المسيح. فلقد شاهدوه في الهيكل وهو يلقي بمواعظه. وتحدث إليهم وتحدثوا إليه في أكثر من مكان. كما ذكرت الأناجيل (8). كما أن جنود الدولة كانوا يعرفونه أيضا. وقد ذهبوا إليه وسهم بعض اليهود يسألونه عن الجزية.
هل يعطونها للدولة أم لا. وكانوا يريدون من وراء ذلك أن يوقعوه تحت عقوبة مناهضة السلطة الرومانية، ولقد أجابهم المسيح يومئذ بقوله " ما لقيصر لقيصر وما لله لله " كما ذكرت الأناجيل (9).
وتبدأ الأحداث أن رؤساء الكهنة والفريسيون بعد أن عقدوا العزم على القبض على المسيح عليه السلام، بعثوا إليه بمجموعة وأوكلوا إليها هذا العمل. وذكرت الأناجيل أن يهوذا الخائن كان معهم، ويذكر إنجيل يوحنا أنهم عندما اقتربوا من المسيح " تقدم نحوهم وقال:
من تريدون؟ أجابوه: يسوع الناصري. فقال لهم: أنا هو " " فلما قال أنا هو. تراجعوا وسقطوا على الأرض " (10) من هذا النص نعلم أن رؤساء الكهنة بعثوا بمجموعة للقبض على المسيح لم يكن فيها أحدا يعرف المسيح وهو الذي ذاع صيته في الآفاق، وشاهده الخاص والعام وهو يحاضر في الهيكل أو وهو يقدم معجزاته، ولم يكن بين المجموعة من يعرف المسيح سوى تلميذه الخائن يهوذا، ولكن النص لم يكشف السبب الذي أدى إلى تراجعهم وسقوطهم على الأرض، وإذا تدبرنا ما حدث لهم نجد إما أن يكون المسيح عليه السلام قد رفع في هذه اللحظة فأصابتهم الدهشة وتراجعوا وسقطوا على الأرض. وإما أن يكون شبيه المسيح هو الذي تقدم نحوهم وقال لهم: من تريدون؟ وبين قولهم: يسوع الناصري. وقوله: أنا هو. بدأت تتغير ملامحه لتشبه ملامح المسيح، فتراجعوا وسقطوا على الأرض من هول المفاجأة. في الوقت الذي كان المسيح عليه السلام قد رفع فعلا. وبالجملة: إما أنهم شاهدوا عملية الرفع وأعقبها مباشرة وجدوا أنفسهم أمام الشبيه. وعلى هذا ظل الشك رداءا لهم على امتداد الأحداث، وإما أن شاهدوا التلميذ أولا ثم شاهدوا تغيير ملامحه بعد ذلك، فلبسهم الشك على امتداد الأحداث، وفي كل من الصورتين تقام الحجة عليهم وعلى من خلفهم ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة.
عقب القبض على شبيه المسيح. كان الشك عنوانا رئيسيا في كل محاكمة وقف أمامها الشبيه. جاء في إنجيل متي " وانعقد المجلس اليهودي الأعلى بحضور رؤساء الكهنة والشيوخ كلهم. وبحثوا عن شهادة زور على المسيح ليحكموا عليه بالموت. ولكنهم لم يجدوا..
أخيرا تقدم اثنان وقالا: هذا قال: إني أقدر أن أهدم هيكل الله وأبنيه في ثلاثة أيام. فوقف رئيس الكهنة وسأله: أما تجيب بشئ على ما يشهد به هذان عليك؟ ولكن يسوع ظل صامتا فعاد رئيس الكهنة يسأله قال:
أستحلفك بالله الحي أن تقول لنا: هل أنت المسيح؟! فأجابه يسوع:
أنت قلت. وأقول لكم أيضا إنكم منذ الآن سوف ترون ابن الإنسان جالسا عن يمين القدرة. ثم آتيا على سحب السماء، (11). وقوله جالسا عن يمين القدرة فيه إشارة إلى رفع المسيح بقدرة الله إلى السماء. وقوله " ثم آتيا على سحب السماء " فيه إشارة إلى نزول عيسى عليه السلام آخر الزمان. وروي أن النبي الخاتم (صلی الله عليه وآله وسلم) قال وهو يبين قتال آخر الزمان بين جند الحق وبين جند الباطل "... فيقول بعض المؤمنين لبعض: ما تنتظرون أن تلحقوا بإخوانكم في مرضاة ربكم. من كان عنده فضل طعام فليعد به على أخيه. وصلوا حتى ينفجر الفجر وعجلوا الصلاة ثم أقبلوا على عدوكم. ثم تأخذهم ظلمة لا يبصر أحدهم كفه. فينزل ابن مريم. فيحسر عن أبصارهم وبين أظهرهم رجل عليه لأمة (12). فيقولون من أنت؟ فيقول: أنا عبد الله وكلمته عيسى... " (13) وروي أن المسيح سينزل واضعا كفيه على أجنحة ملكين (14).
ومن الدليل أن الشبيه كان يتنبأ بنزول عيسى عليه السلام أنه عندما أخبرهم بمجئ المسيح على سحب السماء. يذكر إنجيل متي. أنهم ضربوه ولطمه بعضهم قائلين " تنبأ لنا أيها المسيح من ضربك " (15).
وظل الشك رداءا للقوم على امتداد الليل. ويقول لوقا في إنجيله " ولما طلع النهار. اجتمع مجلس شيوخ الشعب المؤلف من رؤساء الكهنة والكتبة وقالوا: إن كنت أنت المسيح فقل لنا!! فقال لهم: إن قلت لكم لا تصدقون. وإن سألتكم لا تجيبوني. ألا إن ابن الإنسان من الآن سيكون جالسا عن يمين قدرة الله " (16)..
وفي هذا النص سألوه: إن كنت أنت المسيح فقل لنا. فكان رده " إن قلت لكم لا تصدقون " والشبيه على امتداد محاكمته لم يقل أنه المسيح. فكانوا إذا سألوه هل أنت المسيح؟ قال لمن سأله " أنت قلت " لكنه هنا يقول لهم: إن قلت لكم لا تصدقون.
ثم انتقلوا به من الحي اليهودي إلى مقر الحاكم بيلاطس.
يقول إنجيل متي " ووقف يسوع أمام الحاكم فسأله الحاكم: أأنت ملك اليهود؟ أجابه: أنت قلت. وكان رؤساء الكهنة والشيوخ يوجهون ضده الاتهامات وهو صامت لا يرد. فقال له بيلاطس: أما تسمع ما يشهدون به عليك. لكن يسوع لم يجب الحاكم ولو بكلمة حتى تعجب الحاكم كثيرا " (17). وعندما علم بيلاطس أن المسيح تابع وفقا لتقسيم الدولة لسلطة هيرودس. أحاله اليه. وكان هيرودس في أورشاليم وقتئذ. وذكر إنجيل لوقا بأنه كان في اشتياق لرؤية المسيح ليشاهد معجزاته. وقال " من هو هذا الذي أسمع عنه مثل هذه الأمور. وكان يرغب في أن يراه " (18) وعندما وقف الشبيه في حضرة هيرودس طلب منه أن يرى آية ما تجري على يديه. ولكن الشبيه لا يستطيع أن يقدم معجزة لأنه تلميذا للمسيح عليه السلام. والمسيح وحده هو الذي يحيي الموتى بإذن الله ويشفي المرضى بإذن الله. يذكر إنجيل لوقا " ولما رأى هيرودس يسوع فرح جدا لأنه كان يتمنى من زمان طويل أن يراه بسبب سماعه الكثير عنه. ويرجو أن يرى آية ما تجري على يديه. فسأله في قضايا كثيرة. أما هو فلم يجبه عن شئ. ووقف رؤساء الكهنة والكتبة يتهمونه بعنف. فاحتقره هيرودس وجنوده وسخر منه " (19).
وفي هذا النص كفاية على أن الذي تحدث معه هيرودس لم يكن المسيح عليه السلام، وإنما كان شبيهه، فهيرودس كان يتمنى أن يرى المسيح. ويرجو أن يرى آية، والله تعالى أيد المسيح عليه السلام بأكثر من آية، وكان عليه السلام تجري معجزاته في المدن ويوبخ الذين شاهدوها ولم يتوبوا. يقول متي في إنجيله " ثم بدأ يسوع يوبخ المدن التي جرت فيها أكثر معجزاته لكون أهلها لم يتوبوا " (20) وهيرودس سأل آية. ومن تعاليم المسيح قوله كما جاء في إنجيل مرقس " ليس الأصحاء هم المحتاجين إلى طبيب بل المرضى. ما جئت لأدعو أبرارا بل خاطئين " (21) وكان يقول كما جاء في إنجيل متي " ما رأيكم في إنسان قد جاء لكي يخلص الهالكين. ما رأيكم في إنسان كان عنده مئة خروف فضل واحد منها. أفلا يترك التسعة والتسعين في الجبال. ويذهب يبحث عن الضال. الحق أقول لكم: إنه إذا وجده فإنه يفرح به أكثر من فرحه بالتسعة والتسعين التي لم تضل " (22) فوفقا لهذه النصوص لا يوجد مانع يحول بين هيرودس وبين ما يرجو أن يراه على أيدي المسيح عليه السلام. والدعوة الإلهية في عصر النبوة تفتح للآيات طرقا عديدة ليؤمن الناس بما وراء المعجزة. ولكن ما حدث في وجود هيرودس وجليسه يدعو إلى العجب. فهيرودس الذي قال عن المسيح يوما " من هو هذا الذي أسمع عنه هذه الأمور. وكان يرغب في أن يراه " (23).
وعندما رآه فرح جدا لأنه كان يرجو أن يرى آية ما تجري على يديه، وقد علم أن المسيح لن يحول بينه وبين طلبه، لأنه جاء ليدعو الخطائين ويبحث عن الضالين ويقدم المعجزات ويوبخ الذين لم يؤمنوا مهما كان شأنهم، لأنه صادق ولا يبالي بأحد لأنه لا يراعي مقامات الناس. لأنه يعلم طريق الله بالحق، ولكن النصوص أوردت نتيجة اجتماع هيرودس بالمسيح بما لا تستقيم مع المقدمة، فهيرودس سأله في قضايا كثيرة. أما هو فلم يجبه عن شئ، ووقف رؤساء الكهنة والكتبة يتهمونه بعنف. واحتقره هيرودس وجنوده وسخر منه، وهذا الموقف الذي دثره الصمت. لا يمكن أن يفهم إلا على أرضية شبيه المسيح، لأن الشبيه لا يملك أن يقدم آية. فالآيات لله يؤيد بها رسله وهم يقيمون الحجة على الناس، والمسيح عليه السلام أقام حجته ورفعه الله إلى السماء، وبعد المسيح عليه السلام اختبر الله تعالى القافلة الإسرائيلية الاختبار الذي يليق بخاتمة المسيرة، بعد أن ابتلعت العديد من الفتن على امتداد الطريق.
لقد جلس شبيه المسيح في دائرة الصمت الذي لا يضر، دائرة الصمت فيها والكلام محسوبان بدقة بالغة، حتى لا تنهار الدعوة من رأس. ولكن تفوق حجة الذين آمنوا على حجة الكافرين إلى يوم القيامة، وكان عزاء الشبيه وهو يتلقى من الناس الأذى والسخرية، أنه ينصر دين الله، ومن حوله صدى صوت المسيح عليه السلام عندما قال وهو يخاطب التلاميذ " طوبى لكم متى أهانكم الناس واضطهدوكم وقالوا فيكم من أجلي كل سوء كاذبين. افرحوا وتهللوا فإن مكافأتكم في السماوات عظيمة. فإنهم هكذا اضطهدوا الأنبياء من قبلكم " (24). والشبيه كان تحت جميع الضربات التي تم توجيهها إليه. متعلقا بالثواب الذي سيناله في الآخرة، فقد قال أمام الحاكم بيلاطس " ليست مملكتي من
هذا العالم " (25). وهو بهذا يشير إلى قول المسيح عليه السلام لتلاميذه " متى جلس ابن الإنسان على كرسي مجده تجلسون أنتم أيضا على اثني عشر كرسيا تدينون أسباط إسرائيل الاثني عشر " (26).
فالشبيه في دائرة الصمت هو في حقيقة الأمر في دائرة المنتصر.
وهو في هذه الدائرة يؤدي فريضة الصوم في أسمى معانيها. وقد سئل المسيح عليه السلام يوما " لماذا يصوم تلاميذ يوحنا وتلاميذ الفريسيين وأما تلاميذك فلا يصومون؟ فأجابهم: هل يقدر أهل العرس أن يصوموا والعريس بينهم. ما دام العريس بينهم لا يقدرون أن يصوموا. ولكن ستأتي أيام يكون العريس فيها قد رفع من بينهم. فيومذاك يصومون " (27).
إن للصوم معاني وللصوم مراتب بعد رفع المسيح. والشبيه في دائرة الصمت كان يؤدي فريضة. تحفظ للدعوة مكانها في عالم تقذر بقذارة الكفر والطغيان، وفي مصادر الإسلام كان الشبيه يعلم أنه سيقتل لا محالة حين يشبه للقوم في صورة عيسى عليه السلام. وفي مصادر النصارى كان التلاميذ يعلمون أن في اتباع المسيح مشقة لا يتحملها إلا مؤمن، ومن هذه المشاق عقوبة الصلب لكل من يلعنه المجتمع، ورغم قسوة هذه العقوبة. إلا أن المسيح عليه السلام قال " إن أراد أحد أن يسير ورائي فلينكر نفسه. ويحمل صليبه كل يوم ويتبعني " (28). وحمل الشبيه صليبه. وفي نهاية المطاف نكس رأسه وأسلم الروح.
وأصابت الفتنة المهلكة الذين يسارعون في الأرض الفساد. ففي البداية لم يتدبروا الأحداث وسخروا من المصلوب " وسخر منه أيضا رؤساء الكهنة والكتبة والشيوخ قائلين: خلص غيره أما نفسه فلا يقدر أن يخلص. أهو ملك إسرائيل. فلينزل الآن عن الصليب فنؤمن به " (29)، " وعلق بيلاطس لافتة على الصليب مكتوب عليها: يسوع الناصري ملك اليهود، فقرأ اللافتة كثيرون من اليهود.. فقال رؤساء كهنة اليهود لبيلاطس: لا تكتب ملك اليهود. بل إن هذا الإنسان قال أنا ملك اليهود.. " (30) وفي النهاية انطلق اليهود نحو طريق طويل. يعملون فيه من أجل ملك اليهود الذي يأتي آخر الزمان وتطرح له الأرض فطيرا وملابس من الصوف وقمحا حبه بقدر كلاوي الثيران الكبيرة. كما ذكر التلمود، وعندما بعث النبي الخاتم صلى الله عليه وآله وسلم، تلى على أسماع الجميع حقيقة الأحداث. ومنه قوله تعالى: (وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى بن مريم رسول الله. وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم. وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه ما لهم به من علم إلا اتباع الظن وما قتلوه يقينا. بل رفعه الله إليه وكان الله عزيزا حكيما. وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمن به قبل موته. ويوم القيامة يكون عليهم شهيدا) (31). قال المفسرون في قوله تعالى: (وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمن به قبل موته) قيل: أي قبل موت عيسى عليه السلام إذا نزل لقتل المسيح الدجال. وقيل: كل كتابي لا يموت إلا وعند احتضاره يتجلى له ما كان جاهلا به فيؤمن به. لكن لا يكون ذلك إيمانا نافعا له. لقوله تعالى في أول السورة: (وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن) (32).
فقبل ساعة الموت لا بد من الأخذ بأسباب البحث عن الحقيقة، ولا بد أن تكون فاتحة هذا البحث مستندة على مساند الفطرة. لأنه كما تكون البداية تكون النهاية. والله تعالى ينظر إلى عباده كيف يعملون.
المصادر :
1- مزامير 91 / 9 – 10
2- سورة المائدة آية 110
3- سورة النساء آية 155 - 158
4- سورة التوبة آية 115
5- حكمة الغرب / بتراندراسل ص 242
6- سورة آل عمران آية 52
7- تفسير ابن جرير وتفسير البغوي وتفسير ابن كثير في قوله تعالى: (وما قتلوه وما صلبوه)
8- أنظر: دخول المسيح إلى أورشاليم (متي 21 / 1 - 17)، وتوبيخه للفريسيين وعلماء الشريعة (لوقا 11 / 37 - 54) ومحاولة اليهود رجم المسيح (يوحنا 10 / 21 - 39)، طرد الباعة من الهيكل (متي 21 / 12 - 17، مرقس 11 / 15 - 18، لوقا 19 / 45)
9- متي 22 / 15 - 12، مرقس 12 / 13 - 17، لوقا 20 / 20 - 26
10- يوحنا 18 / 4 - 7
11- متي 26 / 60 - 64
12- لأمة / أي درع. ويقال سلاح
13- رواه الطبراني وابن عساكر (تواتر أحاديث نزول المسيح ص 253)
14- رواه الطبراني وابن عساكر (التواتر ص 164) (تفسير ابن كثير 583 / 1)
15- متي 26 / 68
16- لوقا 22 / 66 - 70
17- متي 27 / 11 - 14
18- لوقا 9 / 9
19- لوقا 23 / 8 - 12
20- متي 11 / 20
21- مرقس 2 / 17
22- متي 18 / 11 - 14
23- لوقا 9 / 9
24- متي 5 / 11 - 13
25- يوحنا 18 / 36
26- متي 19 / 27 - 30
27- مرقص 2 / 19
28- لوقا 9 / 23
29- متي 27 / 43
30- يوحنا 19 / 19
31- سورة النساء آية 157
32- سورة النساء آية 18

user comment
 

آخر المقالات

  مکاتبات علي عليه السلام ومعاوية
  سد الابواب الا باب ابو بکر
  التاريخ السياسي الاسلامي
  الدرس الحسيني ووظيفة الأجيال
  الثقافة الحسينية والشعر العاشورائي
  العمق العقائدي لعاشوراء
  نجاح الانقلاب وتقويض الشرعية
  موقع الامام علي عليه السلام وموقع معاوية
  رسالة الی ابي وامي
  أهل الذمة في عصر الأمويين