عربي
Tuesday 26th of September 2017
code: 88373
المجازر في عصر الأمويين .
كان المسلمون في أيام الراشدين يرون الطاعة للإمام واجبة، لا يحتاجون في سياسة شؤونهم إلى حيلة أو عنف، ولا يحيدون عن الحق في أعمالهم أو أقوالهم. إذا أذنب أحدهم اعترف بذنبه وأذعن لما يفرضه الخليفة عليه من القصاص ونحوه، فلم تكن الأحكام تحتاج إلى بحث أو نقض أو حيلة، ولا تنفيذها يفتقر إلى شدة أو عنف.
وربما اقتصر القصاص على التوبيخ أو اللوم، وإذا أخطأ الخليفة حكم على نفسه كما يحكم على رعيته. ولم يكن عندهم سجن يحبس فيه الناس، وأول من وضع السجن معاوية، وهو أيضًا وضع الحرس لقلة الحاجة إلى ذلك في عصر الراشدين(1)
فكان عمر بن الخطاب يأمر القائد من كبار الصحابة أن يأتيه فيأتي صاغرًا، مع علمه أنه لو امتنع عن المجيء لعجز الخليفة عن استقدامه. وقد يأمر بجلد الرجل منهم فيذعن مطيعًا. وكان عمر لا يتغاضى عن الذنب الصغير خوفًا من الذنب الكبير؛ ولذلك اشتهر بالحزم والصرامة.
فلما تولى الخلافة معاوية، وسلم الأعمال إلى دهاته في العراق، وفارس ومصر وغيرها، والمسلمون لا يزالون في أريحيتهم وأنفتهم، وقد أطلق معاوية ألسنتهم بحلمه وسعة صدره، خاف العمال أن يجر ذلك إلى استفحال الأمر فعمدوا إلى الشدة.
وأول من توخى الشدة والعنف زياد بن أبيه عامل معاوية على العراق، زعم أنه يفعل ذلك اقتداءً بعمر بن الخطاب في إقامة السياسات بالصرامة والحزم، ولكنه أسرف وتجاوز الحد.
وهو أول من شدد أمر السلطة وأكد الملك لمعاوية، فجرد سيفه وأخذ بالظنة وعاقب على الشبهة(2)
وتولى العراق بعده ابنه عبيد الله بن زياد في خلافة يزيد بن معاوية، وفي أيامه قام الحسين بن علي يطالب علیهما السلام بالخلافة، وقد نقض بيعة يزيد وحمل على العراق، فكتب يزيد إلى ابن زياد: «احبس على التهمة، وخذ بالظنة، غير أن لا تقتل إلا من قاتلك».(3)
ولما أفضت ولاية العراق إلى الحجاج بن يوسف في خلافة عبد الملك بن مروان (٦٥–٨٦ﻫ)، وقد كثر المطالبون بالخلافة، أراد الحجاج أن يتشبه بزياد وابنه في الشدة والعنف، فبالغ في ذلك حتى أهلك ودمر(4)
ولم يكن الحجاج أشد وطأة من زياد أو ابنه، ولكن زيادًا كان يزجره حلم معاوية، وابن زياد يزجره أمر يزيد أن لا يقاتل إلا من قاتله. وأما الحجاج فقد أعانته شدة عبد الملك على المبالغة في الشدة، فأكبر المسلمون ذلك ونقموا على تلك الدولة، وكثر الخارجون عليها واتهموا خلفاءها بالمروق من الدين. ومن أقوال الخوارج فيهم: «أن بني أمية فرقة بطشهم بطش جبارين: يأخذون بالظنة، ويقضون بالهوى، ويقتلون على الغضب».(5)

بسر بن أرطاة وقتل الأطفال

على أن سياسة بني أمية كانت من أول أمرها مبنية على الشدة والحزم، على ما تقتضيه سياسة الممالك في ذلك العصر، ثم تجاوزوا الحدود ولم يبالوا بالفتك والقتل في سبيل تأييد دعوتهم والتغلب على أعدائهم. فكانوا يطلقون أيدي عمالهم في الأحكام، يقتلون ويصلبون على ما يتراءى لهم بدون مشورة الخليفة، مع أن ذلك لم يكن جائزًا في أيام الراشدين؛ لأن الخليفة منهم كان وهو مقيم في المدينة يدير شؤون الرعايا في أطراف المملكة، وهذا الذي أراد عمر بن عبد العزيز أن يرجع إليه في أيام خلافته فلم يفسح له الأجل.(6)
فلما مات كتب خليفته يزيد بن عبد الملك إلى عماله أن يعودوا إلى ما كانوا عليه قبلًا من الشدة والبطش.(7)
فكان الخلفاء من بني أمية يرون في إطلاق أيدي عمالهم أو قوادهم تشجيعًا لهم وتنفيذًا لأغراضهم. وربما حرضهم الخليفة على الفتك عند الحاجة، حتى في أيام معاوية، فإنه أرسل بسر بن أرطاة بعد تحكيم الحكمين وعلى بن أبي طالب يومئذ حي، وأرسل معه جيشًا.
ويقال: إنه أوصاهم أن يسيروا في الأرض ويقتلوا كل من وجدوه من شيعة علي، ولا يكفوا أيديهم عن النساء والصبيان. فسار بسر على وجهه حتى انتهى إلى المدينة، فقتل فيها أناسًا من أصحاب علي وهدم دورهم، ومضى إلى مكة وغيرها يقتل ويهدم، حتى أتى اليمن وعليها عبيد الله بن عباس عامل علي وابن عمه، وكان غائبًا فرارًا من القتل، فوجد بسر ابنين له صبيين أسماهما عبد الرحمن وقثم، فأخذهما وذبحهما بيده بمدية كانت معه.(8)
وذكروا أن الغلامين كانا عند رجل من كنانة بالبادية، فلما أراد بسر قتلهما قال الكناني: «تقتل هذين ولا ذنب لهما؟ فإن كنت قاتلهما فاقتلني معهما» فقتله وقتلهما معه، فصاحت امرأة من كنانة: «يا هذا قتلت الرجال فعلام تقتل هذين؟ والله ما كانوا يقتلون في الجاهلية ولا الإسلام، والله يا ابن أرطاة إن سلطانًا لا يقوم إلا بقتل الصبي الصغير والشيخ الكبير ونزع الرحمة وعقوق الأرحام لسلطان سوء». وقالت أم الصبيين شعرًا في رثائهما كانت تنشده في المواسم مطلعه:
يا من أحس بابني اللذين هما / كالدرتين تشظى عنهما الصدف
على أننا لا نظن معاوية كان راضيًا عن ذلك العمل الفظيع؛ لأنه يخالف دهاءه وحلمه، ونظنه أطلق يد بسر ولم يعين له حدودًا، وكان بسر سفاكًا للدماء فلم يستثن طفلًا ولا شيخًا. ويؤيد ذلك ما أراد فعله بأولاد زياد بن أبيه بعد موت علي، إذ خاف معاوية زيادًا وكان عامله على فارس فأمر بسر أن يستقدمه إليه، فأمسك بسر أولاد زياد وكتب إليه: «أما تأتي حالًا أو أقتل أولادك»، فلما بلغ معاوية ذلك منع بسرًا من قتلهم.(9)
فإذا كان هذا حال العمال في أيام معاوية مع حلمه وطول أناته، فكيف في أيام عبد الملك مع شدته وفتكه. فهل يستغرب ما يقال عن فتك الحجاج وكثرة من قتلهم صبرًا ولو كانوا ١٢٠٠٠٠، وهل يستبعد أن يكون في حبسه عند موته ٥٠٠٠٠ رجل و٣٠٠٠٠ امرأة؟(10)
وكان عبد الملك أشد وطأة منه وأجرأ على الغدر والفتك، بل هو أول من غدر في الإسلام بعد أن أعطى الأمان — وذلك أن عمرو بن سعيد الأشدق أحد أمراء عبد الملك طمع في الملك لنفسه، فاغتنم خروج عبد الملك من دمشق سنة ٦٩ﻫ لحرب مصعب بن الزبير في العراق، وجاء إلى الشام ووضع يده عليها.
فبلغ عبد الملك ذلك وهو في الطريق، فرجع حالًا إلى دمشق وقاتل عمرًا أيامًا فلم يقدر عليه، فخاف على سلطانه فاحتال في عقد الصلح فرضي عمرو وكتبا بينهما كتابًا فيه أمان عبد الملك له. فاطمأن خاطر عمرو المذكور، وخرج إلى الخليفة حتى أوطأ فرسه أطناب عبد الملك، ثم دخل عليه فاجتمعا ودخل عبد الملك دمشق.
وبعد دخوله بأربعة أيام أرسل إلى عمرو فأجابه أنه آت العشية، وأتاه في مئة من مواليه، ودخل على عبد الملك وعنده جماعة من بني مروان، وقد بقي مواليه خارجًا. فاستقبله عبد الملك حتى أجلسه معه على السرير وجعل يحادثه، ثم أمر أحد الغلمان أن يأخذ سيفه وقال له: «أتطمع أن تجلس معي متقلدًا سيفك؟» فأعطاه السيف.
ثم قال عبد الملك: «يا أبا أمية (عمرو) إنك حينما خلعتني آليت بيمين إن أنا ملأت عيني منك وأنا مالك لك أن أجعلك في جامعة»، فقال له الحضور من بني مروان: «ثم تطلقه يا أمير المؤمنين؟»، قال: «نعم، وما عسيت أن أصنع بأبي أمية؟».
فقال بنو مروان لعمرو: «أبر قسم أمير المؤمنين»، فقال: «قد أبر الله قسمك يا أمير المؤمنين».
فأخرج عبد الملك من تحت فراشه جامعة وقال: «يا غلام قم فاجمعه فيها»، فقام الغلام فجمعه فيها فقال عمرو: «أذكرك الله يا أمير المؤمنين أن تخرجني فيها على رؤوس الناس»
فقال: «أمكر يا أبا أمية عند الموت؟ لا والله ما كنا لنخرجك في جامعة على رؤوس الناس».
ثم جذبه جذبة فوقع وأصاب فمه السرير فكسر ثنيته، فقال عمرو: «اذكر الله يا أمير المؤمنين، كسر عظم مني فلا تركب ما هو أعظم من ذلك»
فقال عبد الملك: «والله لو أعلم أنك تبقي علي لو أبقيت عليك وتصلح قريش لأطلقتك، ولكن ما اجتمع رجلان في بلدة قط على ما نحن عليه إلا أخرج أحدهما صاحبه».
فلما رأى أنه يريد قتله قال: «أغدر يا ابن الزرقاء؟» ثم قتله عبد الملك.(11)
وترى مما دار بينهما أن الذي جر عبد الملك إلى هذا الغدر كثرة الطامعين في السلطة، ولا رادع لهم من عند أنفسهم كما كانوا في عصر الدين والتقوى، فأصبح القوي يأكل الضعيف ومن سبق إلى قتل صاحبة ملك، وهي سياسة الفتك. وقد نفعتهم هذه السياسة في تأييد سلطانهم، ثم صارت سنة فيمن ملك بعدهم من بني العباس وغيرهم. وآخر حادثة جرت من هذا القبيل فتك محمد علي باشا بالمماليك، وقد عمد بنو أمية إلى ذلك استعجالًا للنصر وتخلصًا من أسباب النزاع، فإذا خرج عليهم خارج جعلوا همهم قتله، لعلمهم أنه إذا قتل تفرق أصحابه، وإذا لم يتفرقوا استرضوهم بالأموال أو نحوها.

خزانة الرؤوس

وكانوا يقتلون الخارجين عليهم ويمثلون بقتلاهم إرهابًا لأحزابهم، فيقطعون رأس الرجل ويطوفون به من بلد إلى بلد أو يصلبون الجثة حيث تزدحم الأقدام — كانوا يفعلون ذلك على الخصوص برؤساء الأحزاب ولا سيما العلويين، فكان العامل الأموي يقتل الخارج على الدولة ويبعث برأسه إلى الخليفة في الشام ليطاف به في الأسواق.
وأول رأس حمل من بلد إلى بلد رأس عمر بن الحمق الخزاعي(12)يدعون انه أحد قتلة عثمان، وأول رأس طيف به في الأسواق رأس محمد بن أبي بكر(13) وأول رأس حمل إلى الخلفاء رأسا هانئ وابن عقيل من أشياع الامام الحسين عليه السلام في الكوفة، ثم رأس الحسين بن عليعليهما السلام ، أرسله ابن زياد من الكوفة إلى يزيد بن معاوية في الشام، وكذلك فعل المختار برؤوس قتلة الحسين، فإنه أرسلها إلى محمد بن الحنفية.(14)
وهكذا فعل الحجاج برأس عبد الله بن الزبير ورؤوس أصحابه، فإنه أرسلها من مكة إلى عبد الملك بن مروان في الشام، وكذلك فعل عبد الملك برأس مصعب بن الزبير، فإنه سيره من الكوفة إلى الشام فنصب فيها.(15)
ومن غريب ما يحكى أنهم لما جاءوا إلى عبد الملك برأس مصعب بن الزبير، وهو جالس في طاق بالكوفة، كان ابن عمير اللخمي حاضرًا عنده، فلما رأى الرأس بين يدي عبد الملك ارتعد.
فقال له عبد الملك: «ما لك؟»، قال: «أعيذ بالله أمير المؤمنين! كنت في هذا الطاق بهذا الموضع مع عبيد الله بن زياد فرأيت رأس الحسين بن علي بين يديه في هذا المكان، ثم كنت مع المختار بن أبي عبيد الثقفي، فرأيت رأس عبيد الله بن زياد بين يديه، ثم كنت فيه مع مصعب بن الزبير هذا فرأيت فيه رأس المختار بين يديه، ثم هذا رأس مصعب بن الزبير بين يديك!» فتشاءم عبد الملك من ذلك، وقام فأمر بهدم ذلك الطاق.(16)
وصار قطع الرؤوس على هذه الصورة سنة في عصر بني أمية ومن جاء بعدهم من بني العباس، وصار للرؤوس في دار الخلافة خزانة يحفظونها فيها: كل رأس في سقط خاص(17)
وجرت العادة أيضًا بصلب الجثث أو الرؤوس. لكنهم لم يكونوا ينصبون إلا رؤوس الخوارج ويطوفون بها على رمح، وكان بنو أمية يعدون العلويين خوارج، فكانوا إذا قتلوا أحدهم صلبوه.( 18)
ومن هذا القبيل تشديدهم في العذاب قبل القتل، ولعل ذلك من مخترعات الحجاج لإرهاب أعدائه وإخضاعهم بالعنف. فمن ضروب التعذيب أنه كان يأتي بالقصب الفارسي، فيشقه ويشده على الرجل وهو عار، ثم يسله قصبة قصبة حتى يقطع جسده، ثم يصب عليه الخل والملح حتى يموت(19)
فعل ذلك ببعض الذين حاربوه مع ابن الأشعث إرهابًا لسواهم. وكان الخوارج أيضًا يفعلون نحو ذلك بمن ظفروا به من أعدائهم، حتى لقد يضعون الأطفال في القدور وهي تفورإما اشتفاءً أو انتقامًا أو إرهابًا. (20)
المصادر :
1- المقريزي ١٨٧ ج٢.
2- ابن الأثير ٢٢٨ ج٣.
3- ابن الأثير ١٨ ج٤.
4- ابن خلكان ١٢٤ ج١ والبيان للجاحظ ١٧٥ ج١ والعقد الفريد ٣ ج٣.
5- البيان والتبيين ١٩٥ ج١.
6- ابن الأثير ٢٩ ج٥.
7- العقد الفريد ٢٦٥ ج٢.
8- الأغاني ٤٤ ج١٥.
9- ابن الأثير ١٩٥ و٢١١ ج٣.
10- المسعودي ١١٣ ج٢ والكشكول ٣٢.
11- ابن الأثير ١٤٦ ج٤.
12- المعارف ١٨٧ وطبعة القاهرة ١٩٣٥ ص ٢٤١.
13- العقد الفريد ٣٩ ج١.
14- ابن الأثير ١١٩ ج٤.
15- ابن الأثير ١٦٢ ج٤.
16- ابن خلكان ٢٨٦ ج١.
17- الفخري ٢٤٨ ج٢.
18- العقد الفريد ٢٧٣ ج٢.
19- المعارف ١١٥.
20- المسعودي ١٢٣ ج٢.

 


source : راسخون .
user comment
 

آخر المقالات

  الخصائص الحسينيّة.. (2)
  المقبولة الحسينيّة
  الملهوف على قَتلى الطفوف
  جزاء من قتل الحسين(عليه السلام)
  حبيب بن مظاهرو حبه لأهل البيت
  الخصائص الحسينيّة
  حتمية القتل في القيام الحسيني
  مقتل الحسين ( ع )
  ملحمة الحسين (ع)
  يا أُمَّ الحسَين