عربي
Tuesday 21st of November 2017
code: 88401
الدعوة الی الصلاة

هناك أقوال متعدِّدة ومتفاوتة في تاريخ تشريع الأذان من حيث الزمان والمكان :
أحدها : تشريعه في الإسراء والمعراج ، حيث أذَّن جبرئيل وأقام ، ثمّ صلَّى رسول الله صلى الله عليه وآله بالأنبياء(1).
ثانيها : تشريعه بمكّة قبل الهجرة(2).
ثالثها : تشريعه في المدينة المنورة في السنة الأُولى للهجرة(3) ، وذلك بعد بناء النبيّ صلى الله عليه وآله مسجده المبارك ، وهذا القول هو المشهور عند أهل السنة والجماعة.
رابعها : تشريعه في السنة الثانية للهجرة(4).
خامسها : أن جبرئيل أوَّل مَن أذَّن به في السماء(5) ، لكنَّ تشريعه في الأرض جاء بعد دخول رسول الله صلى الله عليه وآله المدينة.
بدء الأذان عند أهل السنّة والجماعة
هناك تقولات وأقوال مختلفة في بدء الأذان وكيفيّته ، مذكورة في الصحاح والسنن ، المشهور منها ـ الذي قد استقرّ عليه رأيهم ـ أنَّه قد شُرِّع في المدينة المنوّرة في السنة الأُولى من الهجرة المباركة ، على أثر منام رآه بعض الصحابة ، وإليك أهمّ تلك الأقوال :
تشريعه باقتراح من الصحابة ، وخصوصاً عمر بن الخطّاب :
أخرج البخاريّ ومسلم ، والترمذي ، والنسائي ، وغيرهم ـ والنصّ للأوّل ـ عن عبدالله بن عمر ، أنّه قال : كان المسلمون حين قَدِموا المدينة يجتمعون ، فيتحيّنون الصلاة ، ليس يُنادى لها ، فتكلّموا يوماً في ذلك ، فقال بعضهم : اتَّخِذوا ناقوساً مثل ناقوس النصارى ، وقال بعضهم : بل بُوقاً مثل قرن اليهود ، فقال عمر : أوَلا تبعثون رجلاً ينادي بالصلاة ؟ فقال رسول الله : يا بلال! قم فنادِ بالصلاة(6).
قال ابن خزيمة في صحيحه في باب « ذكر الدليل على أنّ بدء الأذان إنّما كان بعد هجرة النبيّ إلى المدينة ، وأنّ صلاته بمكّة إنّما كانت من غير نداء لها ولا إقامة » : « قال أبو بكر ، في خبر عبدالله بن زيد : كان رسول الله حين قَدِمَ المدينة إنّما يجتمع الناس إليه للصلاة بحين مواقيتها بغير دعوة »
وهذا الرأي يشير إلى أن الأذان شُرّع بالمدينة وإن كانت الصلاة قد شُرّعت بمكّة :
قال ابن المنذر : هو [ صلى الله عليه وآله ] كان يصلّي بغير أذان منذ فُرضت الصلاة بمكّة إلى أن هاجر إلى المدينة وإلى أن وقع التشاور.
لكن السيوطي في الدرّ المنثور ـ ضمن تفسير قوله تعالى : ( ومن أحسن قولاً ممّن دعا إلَى اللهِ وعَمِلَ صالحاً ) ـ روى عن عائشة أنّها قالت : ما أرى هذه الآية نزلت إلاّ في المؤذّنين. وهذه الآية مكّيّة
ثمّ علّق الحلبي في سيرته على هذا بقوله : والأذان إنّما شُرّع في المدينة فهي ممّا تأخّر حكمه عن نزوله(7).
وقد سئل الحافظ السيوطي : هل ورد أن بلالاً أو غيره أذّن بمكّة قبل الهجرة ؟ فأجاب بقوله : ورد ذلك بأسانيد ضعيفة لا يُعتمد عليها ، والمشهورالذي صحّحه أكثر العلماء ودلّت عليه الأحاديث الصحيحة أن الأذان شُرّع بعد الهجرة وأنّه لم يؤذِّن قبلها لا بلال ولا غيرُه(8).
هذا ، وإن النووي بعد أن أتى بخبر ابن عمر الدالّ على مشاورة الرسول للصحابة ، تساءل عن هذه المشاورة هل هي واجبة على رسول الله أم لا ؟! فقال : « ... واختلف أصحابنا ، هل كانت المشاورة واجبة على رسول الله أم كانت سُنّة من حقّه كما في حقّنا ؟ والصحيح عندهم وجوبها ، وهو المختار.
قال الله تعالى : ( وشاورهم في الأمر ) ، والمختار الذي عليه جمهور الفقهاء ومحقّقو أهل الأُصول أنَّ الأمر للوجوب ، وفيه أنّه ينبغي للمتشاورين أن يقول كلٌّ منهم ما عنده ، ثمّ صاحبُ الأمر يفعل ما ظهرت له مصلحة ، والله أعلم(9).
جاء تشريع الأذان بعد منامات رآها بعض الصحابة :
أخرج أبو داود بإسناده عن أبي عمير بن أنس ، عن عُمومةٍ له مِن الأنصار ، قال : « اهتمّ النبيّ للصلاة كيف يجمع الناس لها ؛ فقيل : انصِبْ رايةً عند حضور الصلاة ، فإذا رأوها آذَنَ بعضُهم بعضاً ، فلم يعجبه ذلك ، فذُكِر له القَنْع ـ يعني الشبّور ، وقال زياد : شبّور اليهود ـ فلم يعجبه ذلك ، وقال : هو مِن أمرِ اليهود.
قال : فذُكِر له الناقوس ، فقال : هو مِن أمرِ النصارى.
فانصرف عبدالله بن زيد وهو مهتمٌّ لهمِّ رسول الله ، فأُرِيَ الأذانَ في منامه ، فغدا على رسول الله فأخبره ، فقال : يا رسول الله! إنّي لَبينَ نائمٍ ويقظان إذ أتاني آتٍ فأراني الأذان.
قال : وكان عمر بن الخطّاب قد رآه قبل ذلك فكتمه عشرين يوماً. قال : ثمّ أخبر النبيّ ، فقال له : ما منعك أن تخبرني ؟ فقال : سبقني عبدالله بن زيد فاستحييت.
فقال رسول الله : يا بلال! قم فانظر ما يأمرك به عبدالله بن زيد فافعله ، قال : فأذَّنَ بلال.
وأخرج أبو داود عن ابن أبي ليلى ، قال : أُحيلت الصلاة ثلاثة أحوال ، قال : وحدّثنا أصحابنا أنّ رسول الله قال : لقد أعجبني أن تكون صلاة المسلمين ـ أو قال : المؤمنين ـ واحدة حتّى لقد هَمَمتُ أن أبثّ رجالاً في الدُّور ينادون الناس بحين الصلاة ، وحتّى هَمَمت أن آمر رجالاً يقومون على الآطام ينادون المسلمين بحين الصلاة حتّى نَقَسُوا أو كادوا [ أن ] ينقسوا.
قال : فجاء رجل من الأنصار فقال : يا رسول الله! إنّي لمّا رجعتُ ـ لِما رأيتُ من اهتمامك ـ رأيتُ رجلاً كأنَّ عليه ثوبَين أخضرَين ، فقام على المسجد فأذَّن ثمّ قعد قعدة ، ثمّ قام فقال مثلها إلاَّ أنّه يقول : قد قامت الصلاة ، ولولا أن يقول الناس ـ قال ابن المثنّى : أن تقولوا ـ لقلتُ إنّي كنتُ يقظاناً غير نائم.
الأذان وحيٌ من الله تلقّاه الرسول من جبرئيل :
جاء في نصب الراية للزيلعي تحت باب « أحاديث في أنَّ الأذان كان وحياً لا مناماً » : روى البزّار في مسنده : حدّثنا محمّد بن عثمان بن مخلّد الواسطيّ ، حدّثنا أبي ، حدّثنا زياد بن المنذر ، عن محمّد بن عليّ بن الحسين ، عن أبيه ، عن جدّه ، عن عليّ بن أبي طالب ، قال :
« لمّا أراد الله أن يُعَلِّم رسوله الأذانَ أتاه جبرئيل بدابّة يقال لها البُراق ، فذهب يركبها فاستصعبت ، فقال لها [جبرئيل] : اسكُني ، فوالله ما رَكِبَك عبدٌ أكرم على الله من محمّد.
قال : فركبها حتّى انتهى إلى الحجاب الذي يلي الرحمن تبارك وتعالى ، فبينما هو كذلك إذ خرج مَلَكٌ مِن الحجاب ، فقال رسول الله : يا جبرئيل! مَن هذا ؟
قال : والذي بعثك بالحقِّ ، إنّي لأَقرب الخَلْق مكاناً ، وإنَّ هذا المَلَك ما رأيته منذ خُلِقتُ قبل ساعتي هذه.
أهل البيت عليهم السلام وبدء الأذان
اتّفقت نصوص أهل بيت النبوّة ـ المرويّ منها عن طريق الإماميّة الاثني عشريّة أو الإسماعيليّة أو الزيديّة ـ على أنّ بدء الأذان قد كان في الإسراء ، وإليك بعض نصوصهم في هذا السياق.
الإمام عليّ بن أبي طالب عليه السلام :
جاء في صحيفة الرضا عليه السلام ، عن آبائه ، قال : « قال عليّ بن أبي طالب : لمّا بُدِي رسول الله بتعليم الأذان ، أتى جبرئيل بالبُراق فاستعصت عليه ، فقال لها جبرئيل : اسكُني برقة! فما ركبك أحد أكرم على الله منه ، فسكنت. قال رسول الله : فركبتها حتّى انتهيت إلى الحجاب الذي يلي الرحمن عَزَّ [ ربُّنا ] وجَلَّ ، فخرج مَلَكٌ مِن وراء الحجاب ، فقال : اللهُ أكبر ، اللهُ أكبر ؛ فقال صلى الله عليه وآله : قلت : يا جبرئيل! مَن هذا المَلَك ؟
قال [جبرئيل] : والذي أكرمك بالنبوّة ما رأيتُ هذا الملَك قبل ساعتي هذه.
فقال المَلَك : اللهُ أكبر ، اللهُ أكبر ؛ فنودي مِن وراء الحجاب : صَدَق عبدي ، أنا أكبر ، أنا أكبر.
قال صلى الله عليه وآله : فقال المَلَك : أشهد أن لا إله إلاَّ اللهَ ، أشهد أن لا إله إلاَّ الله ؛ فنُودِي مِن وراء الحجاب : صدق عبدي ، [أنا الله] ، لا إله إلاَّ أنا.
فقال صلى الله عليه وآله : فقال المَلَك : أشهد أنّ محمّداً رسول الله ، أشهد أنَّ محمّداً رسول الله ؛ فنودي من وراء الحجاب : صدق عبدي ، أنا أرسلتُ محمّداً رسولاً.
قال صلى الله عليه وآله : فقال المَلَك : حيّ على الصلاة ، حيّ على الصلاة ؛ فنودي من وراء الحجاب : صدق عبدي ، ودعا إلى عبادتي.
قال صلى الله عليه وآله : فقال المَلَك : حيّ على الفلاح ، حيّ على الفلاح ، فنودي من وراء الحجاب : صدق عبدي ، ودعا إلى عبادتي ، فقال الملك : قد أفلحَ مَن واظب عليها.
قال صلى الله عليه وآله : فيومئذٍ أكمل الله عزَّوجلَّ لي الشرف على الأوّلين والآخرين »(10).
الإمام الحسن بن عليّ عليه السلام :
عن سفيان بن الليل ، قال : لمّا كان من أمر الحسن بن عليّ ومعاوية ما كان قَدِمتُ عليه المدينةَ وهو جالس في أصحابه ، فذكر الحديث بطوله ، فقال : فتذاكرنا عنده الأذان ، فقال بعضنا : إنّما كان بدء الأذان برؤيا عبدالله بن زيد.
فقال له الحسن بن عليّ : « إنّ شأن الأذان أعظم من ذلك ، أذّنَ جبرئيل في السماء مَثْنى مَثْنى وعلَّمه رسولَ الله ، وأقام مرّة مرّة فعلَّمه رسولَ الله » ، فأذَّن به الحسن حتّى ولّى(11).
الإمام الحسين بن عليّ عليه السلام :
جاء في الجعفريّات : أخبرنا محمّد ، حدّثني موسى ، قال : حدّثنا أبي ، عن أبيه ، عن جدّه جعفر بن محمّد ، عن أبيه ، عن جدّه عليّ بن الحسين ، عن الحس ـ ين بن عليّ عليهم السلام أنَّه سئل عن الأذان وما يقول الناس ، قال : « الوحيُ ينزل على نبيّكم ، وتزعمون أنَّه أخذ الأذان عن عبدالله بن زيد ؟ بل سمعتُ أبي عليّ ابن أبي طالب عليه السلام يقول : أَهـ بَطَ اللهُ عزَّ وجلَّ مَلَكاً حين عُ ـ رِج برس ـ ول الله فأذَّن مَثْنى مَثْ ـ نى ، وأقام مَثْ ـ نى مَثْ ـ نى ، ثمّ قال له جبرئ ـ يل : يا محمَّ ـ د! هك ـ ذا أذان الص ـ لاة »(12)َ.
وفي دعائم الإسلام ـ وهو من كتب الإسماعيليّة ـ : روينا عن جعفر بن محمّد ، عن أبيه ، عن جدّه ، عن الحسين بن عليّ عليهم السلام أنّه سئل عن قول الناس في الأذان ، إنَّ السبب كان فيه رؤيا رآها عبدالله بن زيد فأخبر بها النبيَّ صلى الله عليه وآله ، فأمر بالأذان!
فقال الحسين عليه السلام : « الوحيُ يتنزَّل على نبيّكم ، وتزعمون أنَّه أخذ الأذان عن عبدالله بن زيد ؟ والأذان وجه دينكم! » ، وغضب عليه السلام ثمّ قال : « بل سمعتُ أبي عليّ بن أبي طالب يقول : أهبَطَ اللهُ عزّوجلّ مَلَكاً حين عرج برسول الله صلى الله عليه وآله » ـ وذكر حديث الإسراء بطوله ، اختصرناه نحن ها هنا ـ قال فيه : « وبعث ملكاً لم يُرَ في السماء قبل ذلك الوقت ولا بعده ، فأذَّن مَثْنى وأقام مَثْنى » ، وذكر كيفيّة الأذان « وقال جبرئيل للنبيّ صلى الله عليه وآله : يا محمّد! هكذا أذِّن للصلاة »(13).
محمّد بن علي بن أبي طالب ( ابن الحنفيّة ت 73 ـ 93هـ ) :
عن أبي العلاء ، قال : قلت لمحمّد بن الحنفيّة : إنّا لَنتحدّث : أنّ بدء هذا الأذان كان من رؤيا رآها رجل من الأنصار في منامه.
قال : ففزع لذلك محمّد بن الحنفيّة فزعاً شديداً ، وقال : عَمَدتُم إلى ما هو الأصل في شرائع الإسلام ومعالم دينكم فزعمتم أنّه إنّما كان رؤيا رآها رجل من الأنصار في منامه تحتمل الصدق والكذب وقد تكون أضغاث أحلام!
قال : فقلتُ ( له ) : هذا الحديث قد استفاض في الناس!
قال : « هذا والله هو الباطل ». ثمّ قال : « وإنّما أخبرني أبي : أنَّ جبرئيل عليه السلام أذَّن في بيت المقدس ليلة الإسراء وأقام ، ثمّ أعاد جبرئيل الأذان لمّا عرج بالنبيّ إلى السماء... »(14).
وفي معاني الأخبار : عن عليّ بن عبدالله الورّاق ، وعليّ بن محمّد بن الحسن القزويني ، قالا : حدّثنا سعد بن عبدالله ، قال : حدّثنا العبّاس بن سعيد الأزرق ، قال : حدّثنا أبو نصر ، عن عيسى بن مهران ، عن يحيى بن الحسن بن الفرات ، عن حمّاد بن يعلى ، عن عليّ بن الحزور ، عن الأصبغ بن نُباتة ، عن محمّد بن الحنفيّة أنَّه ذُكِرَ عنده الأذان فقال :
« لمّا أُسري بالنبيِّ إلى السماء ، وتناهز إلى السماء السادسة ، نزل مَلَكٌ من السماء السابعة لم ينزل قبل ذلك اليوم قطّ ، فقال : اللهُ أكبر ، اللهُ أكبر ؛ فقال الله جَلَّ جلاله : أنا كذلك.
فقال : أشهد أن لا إله إلاَّ الله ، فقال الله عزّوجلّ : أنا كذلك ، لا إله إلاَّ أنا.
فقال : أشهد أنَّ محمّداً رسول الله ، فقال الله جلَّ جلاله : عبدي وأميني على خلقي ، اصطفيته على عبادي برسالاتي.
ثمّ قال : حيّ على الصلاة ، فقال الله جلَّ جلاله : فرضتها على عبادي وجعلتها لي دِيناً.
ثمّ قال : حيّ على الفلاح ، فقال الله جلَّ جلاله : أفلح مَن مشى إليها وواظب عليها ابتغاء وجهي.
ثمّ قال : حيّ على خير العمل ، فقال اللهُ جلَّ جلاله : هي أفضل الأعمال وأزكاها عندي.
ثمّ قال : قد قامت الصلاة ، فتقدَّم النبيُّ صلى الله عليه وآله فأمَّ أهلَ السماء ، فَمِن يومئذٍ تمَّ شرف النبيّ صلى الله عليه وآله »(15).
وقد جاء ما يماثل هذا في طرق الزيدية ، وأخرجه الحافظ العلوي في ( الأذان بحيّ على خير العمل ) ، فقال :
حدّثنا أبو القاسم الحفص بن محمّد بن أبي عابد قراءةً ، حدّثنا زيد بن محمّد بن جعفر العامري ، حدّثنا جعفر بن محمّد بن مروان ، حدّثنا أبي ، حدّثنا نصر بن مزاحم المنقري ، حدّثنا أيّوب بن سليمان الفزاري ، عن عليّ بن جردل ، عن محمّد بن بشر ، قال : جاء رجل إلى محمّد بن الحنفية فقال له : بلغنا أن الأذان إنّما هو رؤيا رآها رجل من الأنصار فقصّها على رسول الله صلى الله عليه وآله ، فأمر بلالاً فأذّن تلك الرؤيا!
فقال له محمّد بن الحنفية : إنّما يقول بهذا الجاهلُ من الناس ، إن أمر الأذان أعظم من ذلك.. إنّه لمّا أسري برسول الله صلى الله عليه وآله فانتُهي به إلى السماء السادسة جمع اللهُ له ما شاء من الرسل والملائكة ، فنزل مَلَك لم ينزل قبل ذلك اليوم ، عرفت الملائكة أنّه لم ينزل إلاّ لأمر عظيم ، فكان أوّل ما تكلّم به حين نزل ، قال : الله أكبر ، الله أكبر ، فقال الله عزّوجلّ : أنا كذلك ، أنا الأكبر لا شيء أكبر مّني. ثمّ قال : أشهد أن لا إله إلاّ الله ، فقال الله : أنا كذلك لا إله إِلاّ أنا . ثمّ قال : أشهد أن محمّداً رسول الله ، فقال الله : نعم ، هو رسولي بعثته برسالتي وأئتمنته على وحيي . ثمّ قال : حيّ على الصلاة ، فقال الله : أنا افترضتها على عبادي وجعلتها لي رضا . ثمّ
قال : حيّ على الفلاح ، فقال الله : قد أفلح من مشى إليها وواظب عليها ابتغاء وجهي . ثمّ قال : حيّ على خير العمل ، فقال الله : هي أزكى الأعمال عندي وأحبها إليَّ . ثمّ قال : قد قامت الصلاة ، فقام رسول الله صلى الله عليه وآله ومن كان عنده من الرسل والملائكة. وكان المَلَك يؤذّن مَثْنى مَثْنى ، وآخِر أذانه وإقامته : لا إله إلاّ الله. وهو الذي ذكر الله في كتابه : ( وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ ). قال محمّد بن الحنفية : فتَمّ له يومئذٍ شرفُه على الخلق. ثمّ نزل فأمر أن يؤذَّن بذلك الأذان(16).
الإمام عليّ بن الحسين زين العابدين عليه السلام ( ت 94هـ ) :
عن زيد بن عليّ ، عن آبائه ، عن عليّ : « أنَّ رسول الله عُلِّمَ الأذان ليلة المسرى ، وبه فُرِضَت عليه »(17).
وقال الإمام الهادي بالله ـ من أئمّة الزيديّة ـ في كتابه الأحكام : « قال يحيى ابن الحسين رضي الله عنه : والأذان فأصلُه أنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله عُلِّمَه ليلةَ المسرى ، أرسل اللهُ إليه مَلَكاً فعلَّمه إيّاه.
فأمّا ما يقول به الجهّال مِن أنّه رؤيا رآها بعض الأنصار فأخبر بها النبيَّ صلى الله عليه وآله فأمَرَه أن يُعَلِّمه بلالاً ، فهذا من القول محالٌ لا تقبله العقول ؛ لأنَّ الأذان من أُصولِ الدين ، وأُصولُ الدين لا يعلمها رسول الله على لسان بشر من العالمين »(18).
الإمام محمّد بن عليّ الباقر عليه السلام (ت 114هـ ) :
جاء في الكافي والتهذيب والاستبصار ـ والنصّ للأخيرينِ ـ بإسناد الشيخ الطوسي عن محمّد بن عليّ بن محبوب ، عن عليّ بن السنديّ ، عن ابن أبي عُمير ، عن ابن أُذينة ، عن زُرارة والفُضيل بن يسار ، عن أبي جعفر [ الباقر ] عليه السلام ، قال :
« لمّا أُسري برسول الله صلى الله عليه وآله فبلغ البيت المعمور حضرت الصلاة ، فأذَّن جبرئيل وأقام ، فتقدَّم رسول الله ، وصفَّ الملائكة والنبيّون خلف رسول الله صلى الله عليه وآله ».
قال : فقلنا له : كيف أذّن ؟
فقال : « اللهُ أكبر ، اللهُ أكبر ، أشهد أن لا إله إلاَّ الله ، أشهد أن لا إله إلاَّ الله ، أشهد أنَّ محمّداً رسول الله ، أشهد أنَّ محمّداً رسول الله ، حيّ على الصلاة ، حيّ على الصلاة ، حيّ على الفلاح ، حيّ على الفلاح ، حيّ على خير العمل ، حيّ على خير العمل ، اللهُ أكبر ، اللهُ أكبر ، لا إله إلاَّ الله ، لا إله إلاَّ الله ؛ والإقامة مثلها إلاَّ أنَّ فيها : « قد قامت الصلاة ، قد قامت الصلاة » بين : « حيّ على خير العمل ، حيّ على خير العمل » ، وبين : « اللهُ أكبر اللهُ أكبر » ، فأمر بها رسولُ الله بلالاً ، فلم يَزَل يؤذِّن بها حتّى قَبض اللهُ رسولَه صلى الله عليه وآله »(19).
وفي الكافي : بإسناده عن أبي حمزة الثماليّ وأبي منصور ، عن أبي الربيع ، قال : « حَجَجنا مع أبي جعفر [ الباقر ] عليه السلام في السنة التي كان حجّ فيها هشام بن عبدالملك ، وكان معه نافع مولى عبدالله بن عمر بن الخطّاب ، فنظر نافع إلى أبي جعفر عليه السلام في ركن البيت وقد اجتمع عليه الناس فقال : يا أمير المؤمنين ، مَن هذا الذي قد تَداكَّ عليه الناس ؟!
فقال : هذا نبيُّ أهل الكوفة ، هذا محمّد بن عليّ!
قال : أشهد لأَتينّه ولأسألنّه عن مسائل لا يجيبني فيها إلا نبيّ أو ابن نبيّ أو وصيّ نبيّ.
قال : فاذهب إليه وسَله لعلكّ تُخجِلُه!
فجاء نافع حتّى اتّكأ على الناس ثمّ أشرف على أبي جعفر ، فقال : يا محمّد ابن عليّ! إني قرأت التوراة ، والإنجيل ، والزّبور ، والفرقان وقد عرفتُ حلالها وحرامها وقد جئت أسألُك عن مسائل...
الإمام عليّ بن موسى الرضا عليه السلام :
أخرج الصدوق في ( عيون أخبار الرضا ) و ( علل الشرائع ) بسنده إلى الرضا عليه السلام عن آبائه عليهم السلام ، قال : « قال رسول الله : لمّا عُرِج بي إلى السماء أذَّن جبرئيل مَثْنى مَثْنى وأقام مَثْنى مَثْنى »(20).
وجاء في الاعتصام بحبل الله عن صحيفة عليّ بن موسى الرضا : ... حدّثني أبي موسى بن جعفر قال : حدّثني أبي جعفر بن محمّد قال : حدّثني أبي محمّد ابن عليّ قال : حدّثني أبي عليّ بن الحسين بن عليّ قال : حدّثني أبي الحسين ابن عليّ قال : حدّثني أبي عليّ بن أبي طالب عليهم السلام قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله : لمّا بُدئ رسول الله صلى الله عليه وآله بتعليم الأَذان ، أتى جبريل عليه السلام بالبُراق فاستصعب عليه ، فأتاني بدابّة يقال لها برقة ـ من حديث طويل ـ فقال لها جبريل : اسكُني برقة ـ من حديث طويل فيهـ : فخرج مَلَك من وراء الحجاب فقال : الله أكبر الله أكبر. قال : فقلت : يا جبريل ، من هذا المَلَك ؟ قال : والذي أكرمك بالنبوّة ، ما رأيت هذا المَلَك قبل ساعتي هذه ، فقال المَلَك : الله أكبر ألله أكبر.. فنُودِي من وراء الحجاب : صدق عبدي ، أنا أكبر أنا أكبر. فقال الملك : أشهد أن لا إله إلاّ الله... الخبر(21).
المصادر :
1- مجمع الزوائد 1 : 328 ، الأوسط للطبراني 10 : 114 ح 9243 ، نصب الراية1 : 260 ، السيرة الحلبية 2 : 93.
2- قال ابن عابدين في حاشية ردّ المحتار 1 : 413
3- صحيح ابن خزيمة 1 : 190 ، السيرة الحلبية 2 : 93.
4- فتح الباري 2 : 62.
5- وسائل الشيعة 5 : 439 ح 7028 عن عيون أخبار الرضا عليه السلام 2 : 238.
6- صحيح البخاري 1 : 306 كتاب الأذان باب بدء الأذان ح 570 ، صحيح مسلم1 : 285/1 ، سنن الترمذي 1 : 362 ـ 363 أبواب الصلاة باب ما جاء في بدء الأذان ح190 ، سنن النسائي 2 : 2 ـ 3 كتاب الأذان باب بدء الأذان ، مسند أحمد 2 : 148 ، مسند عبدالله بن عمر بن الخطّاب.
7- الدرّ المنثور 5 : 364 ، المصنّف لابن أبي شيبة 1 : 204 ، باب في فضل الأذان وثوابه ح 2347/ تفسير القرطبي 15 : 360 ، وتفسير الثعالبي 5 : 139 (5) السيرة الحلبية 2 : 297.
8- السيرة الحلبية 2 : 296.
9- شرح النوويّ على مسلم 3 ـ 4 : 318 كتاب الصلاة باب بدء الأذان.
10- صحيفة الرضا صلى الله عليه وآله 65 ـ 66 ح 115 ، وعنه في بحار الأنوار 81 : 151.
11- نصب الراية 1 : 261 ، عن المستدرك للحاكم 3 : 171 .
12- الجعفريّات : 42 ، مستدرك الوسائل 4 : 17.
13- دعائم الإسلام 1 : 142 ذكر الأذان والإقامة.
14- السيرة الحلبيّة 2 : 300 ـ 301 ، أمالي أحمد بن عيسى بن زيد 1 : 90 ، وعنه في الاعتصام بحبل الله 1 : 277.
15- معاني الأخبار ، للصدوق : 42 ح 4 ، وعنه في بحار الأنوار 81 : 141.
16- الأذان بحيّ على خير العمل للحافظ العلوي 18 ـ 19. وبتحقيق عزّان 58 .
17- كنز العمّال 12 : 350/35354 ، عن « ابن مردويه » .
18- الأحكام ، للإمام الهادي بالله الزيديّ 1 : 84 .
19- الكافي 3 : 302/1 وفيه صدر الحديث ، التهذيب 2 : 60/210 ، الاستبصار 1 : 305 / باب عدد فصول الأذان ح 3.
20- عيون أخبار الرضا عليه السلام 1 : 204 باب ما جاء عن الرضا في زيد بن عليّ ح 22 ، علل الشرائع 1 : 6 وعنه في بحار الأنوار 81 : 108.
21- الاعتصام بحبل الله 1 : 278.

user comment
 

آخر المقالات

  الدنيا والتقوی
  أفضلیة الزّهراء سلام الله علیها على نساء العالمین
  التحريفات والتصرفات في كتب السنة
  الامويون و إيذائهم للرسول
  هل ان عيسی عليه السلام ابن الله جل وعلا
  شهادة الامام الرضا عليه السلام
  الملك العادل
  العفة أفضل العبادات
  حالات النفس
  شيعة اهل بيت النبوة