عربي
Sunday 20th of August 2017
code: 88684
کيف حدث الإنسان وإثبات محدثه
أقرب ما يستدل به الإنسان على حدثه وإثبات محدثه ، ما يراه من حاله وتغيرهالواقع بغير اختياره وقصده ، كالزيادة والنقص المعترضين في جسمه وحسه ، ومايتعاقب عليه من صحته وسقمه ، وينتقل إليه من شيبته وهرمه ، وأنه لايدفع فيهمن ذلك طارئاً موجودا ولايعيد ماضيها مفقوداً، لو نقصت منه جارحة لم يقدرعلىالتعويض منها، ولا يستطيع الاستغناء في الادراك بغيرها عنها، لا يعلم غيب أمره ،ولايتحقق مبلغ عمره ، وقُدَر متناهية، وبنية ضعيفة واهية.
فيعلم بذلك أن له مصوراً صوّره ، ومدبرا دبّره لأن التصوير والتدبيرفعلان لميحدثهما الانسان لنفسه ، ولا كانا بقدرته ، والفعل فلابد له من فاعل ، كما أن الكتابةلاغنى بها عن كاتب .
ثم يعلم ان مصوّره صانعه ومحدثه ، وأن مدبره خالقه وموجده ، لأنه لايصحوجوده إلاّ مصوراً مدبراً .
ثم يعلم أيضاً ان محدثه قادر، إذ كان لايصح الفعل من عاجز.
ويعلم أنه حكيم عالم ، لأن الأفعال المحكمة لاتقع إلاّ من عالم .
ثم يعلم أنه واحد، إذ لوكان اثنين لجاز اختلاف مراديهما فيه ، بأن يريد أحدهماأن يميته ، ويريد الاخر أن يحييه ، فيؤدي ذلك إلى وجود المحال ، وكونه ميتاً حيا فيحال ، أوإلى انتفاء الحالين وتمانع المرادين ، فيبطل ذلك أيضاً ويستحيل ، وهذا يبيّنأن صانعه واحد ليس باثنين .
ويعلم أنه لايجوزعلى محدثه النقص والتغيير، وما هو جائز على المحدثين ، لإنفي جوازذلك عليه مشابهة للمصنوعين ، وهو يقتضي وجود صانع له أحدثه وصوّرهودبّره ،إمّا محدث مثله أو قديم ،وفي استحالة تَنقّل ذلك إلى ما لا يتناهى ، دلالة على أنصانعه قديم .
ويعلم بمشابهة حال غيره لحاله ، أن حكمه كحكمة ، وأنه لابد من الإقرار بوجودصانع للجميع ، لبطلان التثنية حسب ما شهد به الدليل .
فصل : وقد ورد في الحديث (1): ان أبا شاكرالديصاني وقف ذات يوم في مجلسالإمام الصادق - أبي عبداللّه جعفربن محمد صلى الله عليه - فقال له : أبا عبداللّه ،انك لأحد النجوم الزواهر، وكان آباؤك بدورا بواهر، وامهاتك عقيلات طواهر(2)،وعنصرك من أكرم العناصر، وإذا ذكر العلماء فبك تثنى الخناصر، خبٌرنا أيها البحرالزاخر، ما الدليل على حدث العالم ؟
فقال أبوعبد اللّه صلى اللّه عليه واله : «إنّ من أقرب الدليل على ذلك ما أذكرهلك ، ثم دعا ببيضة فوضعها في راحته وقال : هذا حصن ملموم ،داخله غرقىء رقيق ،يطيف به كالفضة السائلة، والذهبة المائعة، أشك في ذلك » ؟
قال أبو شاكر : لاشك فيه .
قال الإمام عليه السلام : «ثم إنّه ينفلق عن صورة كالطأووس ، أدخله شيء غيرماعرفت ؟
قال : لا .
قال : «فهذا الدليل على حدث العالم ».
قال أبوشاكر: دللت - أبا عبد اللّه - فأوضحت ، وقلت فأحسنت ، وذكرتفأوجزت ، وقد علمت أنا لانقبل إلاّ ما أدركت أبصارنا ، أو سمعناه بآذاننا، أو ذقناهبأفواهنا ، أو شممناه باُنوفنا، أو لمسناه ببشرنا .
فقال الصادق عليه السلام : ذكرت الحواس وهي لاتنفع في الاستنباط إلاّبدليل ، كما لاتقطع الظلمة بغيرمصباح ».
قال شيخنا المفيد أبوعبداللّه محمد بن محمد بن النعمان الحارثي رضي اللّه عنه :
إن الصادق عليه السلام أراد الحواس الخمس بغيرعقل لا توصل إلى معرفة الغائبات ،وان الذي أراه من حدوث الصورة معقول ، بني ألعلم به على محسوس (3)،
واعلم- آيدك اللّه - أن الاجسام إذا لم تخل من ألصورة - التي قد ثبت حدثها -فهي محدثة مثلها.
دليل آخرعلى حدث العالم: الذي يدلنا على ذلك ، أنّا نرى أجسامنا لاتخلومن الحوادث المتعاقبة عليها، ولا يتصورفي العقل أنها كانت خالية منها، وهذا يوضحأنها ، محدثه مثلها، لشهادة العقل بأن مالم يوجد عارياً من المحدث فإنه يجب أن يكون مثله محدثاً .
وهذه الحوادث هي : الاجتماع والافتراق ، والحركة والسكون ، والألوانوا لروائح والطعوم ، ونحو ذلك من صفات الأجسام .
والذي يدل على أنها أشياء غير الجسم ، مانراه من تعاقبها عليه ، وهو موجود معكل واحد منها .
وهذا يبين أيضاً حدثها، لأن الضدين المتعاقبين لايجوزأن يكونا مجتمعين فيألجسم ، ولا يتصور اجتماعهما في العقل ، وإنما وجد أحدهما وعدم الآخر، فالذي طرأووجد هو المحدث ، لأنه كائن بعد أن لم يكن ، والذي انعدم أيضاً محدث ، لأنه لوكان غيرمحدث لم يجزأن ينعدم ، ولأن مثله أيضاً نراه قد تجدد وحدث .
والذي يشهد بأن الأجسام لم تخل من هذه الحوادث بَدائه العقول وأوائلالعلوأ، إذ كان لايتصورفها وجود الجسم مع عدم هذه الاُمور، ولوجازأن يخلو الجسم منهافيما مضى، لجازأن يخلومنها الآن فيما يستقبل من الزمان .
فالذيَ يدل على أن حكم الجسم كحكمها في الحدوث ، أن المحدث هو الذيلوجوده أول ، والقديم هو المتقدم على كل محدث وليس لوجوده أول ، فلوكان الجسم قديمالكان موجوداً قبل الحوادث كلها خالياً منها، وفيما قدّمناه من استحالة خلوّه منها دلالةعلى أنه محدث مثلها، فالحمد للّه .
السؤال والبيان
إن سألك سائل عن أول ما فرض عليك؟
فقل: النظر المؤدي إلى معرفة الله.
فإن قال :لم زعمت ذلك ؟
فقل : لأنه - سبحانه - أوجب معرفته ، ولا سبيل إلى معرفته إلاّ بالنظر فيالأدلة المؤدية إليها .
فإن قال : فإذا كانت المعرفة باللّه - جل وعز- لاتدرك إلا بالنظر، فقدحصل المقلد غير عارف باللّه .
فقل : هو كذاك .
فإن قال : فيجب أن يكون جميع المقلدين في النار.
فقل : إن العاقل المستطيع إذا أهمل النظر والإعتبار ، واقتصر على تقليد الناس ،فقد خالف اللّه تعالى وانصرف عن أمره ومراده ، ولم يكفه تقليده في أداء فرضه ،واستحق العقاب على مخالفته وتفريطه .
غير انّا نرجو العفو عمّن قلد المحق والتفضل عليه ، ولا نرجوه لمن قلد المبطلولانعتقده فيه .
وكلّ مكلف يلزمه من النظر بحسب طاقته ونهاية إدراكه وفطنته ، وأماالمقصّرالضعيف الذي ليس له استنباط صحيح ، فإنه يجزيه التمسك - في الجملة-بظاهر ما عليه المسلمون .
فإن قال : كيف يكون التقليد قبيحاً من العقلاء المميزين ، وقد قلد الناسرسول الله صلّى اللّه عليه وآله فيما أخبر به عن رب العالمين ، ورضي بذلك عنهم ، ولميكلفهم ما تدعون ؟
فقل: معاذ اللّه أن نقول ذلك أونذهب إليه ، ورسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله لميرض من الناس التقليد دون الاعتبار، وما دعاهم إلا إلى اللّه بالاستدلال ، ونبههمعليه بآيات ألقرآن من قوله سبحانه : (أولم ينظروا في ملكوت السموات والأرض وما خلقاللّه من شيء)(4).
وقوله : (إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لايات لأوُليالألباب)(5) .
وقوله :(وفي الأرض آيات للموقنين وفي أنفسكم أفلا تبصرون)(6) .
وقوله : (أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت) (7).
ونحن نعلم أنه مما أراد بذلك إلا نظر الاعتبار.
فلو كان عليه السلام إنما دعا الناس إلى التقليد، ولم يرد (منهم الاستدلال) ،
لم يكن معنى لنزول هذه الآيات .
ولو كان أراد أن يصدقوه ويقبلوا قوله تقليداً بغيرتأمل واعتبار، لم يحتج إلى أنيكون على يده ما ظهرمن الايات والمعجزات .
فأما قبول قوله صلى اللّه عليه وآله بعد قيام الدلالة على صدقه ، فهو تسليموليس بتقليد.
وكذلك قبولنا لما أتت به أئمتنا عليهم السلام ، ورجوعنا إلى فتأويهم في[شريعة ] الاسلام .
فإن قال قائل : فأبن لنا ما التقليد في الحقيقة، وما التسليم ؟ ليقع الفرق .
فقل : التقليد: قبول [قول ] من لم يثبت صدقه ، ومأخوذ من القلادة .
والتسليم : هو قبول من ثبت صدقه ، وهذا لايكون إلا ببينة وحجة، والحمد للّه .
«من كلام جعفربن محمد عليه السلام»
قال : «وجدت علم الناس في أربع : أحدها : أن تعرف ربك ، والثاني : أنتعرف ما صنع بك ، والثالث : أن تعرف ما يخرجك عن دينك ، والرابع : أن تعرف ما أرادمنك».
قال شيخنا المفيد رحمه اللّه : هذه أقسام تحيط بالمفروض من المعارف ، لأنه أولما يجب على العبد معرفة ربه جل جلاله ، فإذا علم أن له إلهاً وجب أن يعرف صنعهاليه ، فإذا عرف صنعه عرف نعمته ، فإذا عرف نعمته وجب عليه شكره ، فإذا أراد تأديةشكره وجب عليه معرفة مراده ليطيعه بفعله ، وإذا وجبت عليه طاعته وجب عليه معرفةما يخرجه من دينه ليجتنبه ، فتصح به طاعة ربه وشكرإنعامه (8).
ولقد أحسن بعض أهل الفضل والعلم ، في قوله في المعرفة باللّه تعالى، وذمالتقليد وبالغ :
إن كان جسما فما ينفك عن عرض * أو جوهراً فبذي الأقطار موجود
أو كان متصــلاً بالشيء فهو به * أو كان منفصلاً فالكل محــدود
لاتطلبنّ إلى التكـــييف من سبب * إن السبيل إلى التكييف مـسدود
واستعمل الحبل حبل العقل تحظ به * فالعقل حبل إلى باريك ممــدود
والــزم من الدين ماقام الدليل به * فإنّ أكثردين الناس تــقلــيـد
وكلما وافـــــق التقليد مختلق * زور وإن كثرت فيه الأسـانـيد
وكلما نقل الاحـــــاد من خبر * مخالــف لكتاب اللّه مـردود
قول آخر في السؤال والبيان
إن سألك سائل فقال : ما أول نعمة الله تعالى عليك ؟
فقل : خلقه إياي حيا لينفعني .
فأن قال : ولم زعمت أن خلقه إياكُ حياً أول النعم ؟
فقل : لأنه خلقني لينفعني ، ولا طريق إلى نيل النفع إلا بالحياة التي يصح معهاالإدراك .
فإن قال : ما النعمة؟
فقل : هي المنفعة إذا كان فاعلها قاصداً لها.
فإن قال : فما المنفعة؟
قل : هي اللذة الحسنة، أو ما يؤدي إليها.
فإن قال : لم اشترطت أن تكون اللذة حسنة به؟
فقل : لأن من اللذات ما يكون قاتلاً، فلايكون حسنا.
فإن قال : لم قلت : أو ما يؤدي إليها؟
فقل : لأن كثيراً من المنافع لايتوصل إليها إلاّ بالمشاق ، كشرب الدواء الكريه ،والفصد، ونحوذلك من الاُمور المؤدية إلى السلامة واللذات ، فتكون . هذه المشاق منافع لماتؤدي إليه في عاقبة الحال .
ولذلك قلنا: إن التكليف نعمة حسنة، لأن به ينال مستحق النعيم الدائمواللذات .
فإن قال : فما كمال نعم اللّه تعالى؟
فقل : إن نعمه تتجدد علينا في كل حال ، ولايستطاع لها الإحصاء.
فإن قال : فما تقولون في شكر المنعم ؟
فقل : هو واجب .
فإن قال : فمن أين عرفت وجوبه ؟
فقل : من العقل وشهادته ، وأوضخ حجته ودلالته ، ووجوب شكر المنعم علىنعمته ، مما تتفق العقول عليه ولا تختلف فيه .
فإن قال : فما الشكر اللازم على النعمة؟
فقل : هو الاعتراف بها، مع تعظيم منعمها.
فإن قال : فهل أحد من الخلق يكافىء نعم اللّه تعالى بشكر، أو يوفي حقهابعمل ؟
فقل :لايستطيع ذلك أحد من العباد، من قبل أن الشيء إنما يكون كفواً لغيره ،إذا سد مسده ، وناب منابه ، وقابله في قدره ، وماثله في وزنه .
وقد علمنا أنه ليس من أفعال الخلق ما يسد مسد نعم اللّه عليهم ، لاستحالةالوصف للّه تعالى بالإنتفاع ، أو تعلق الحوائج به إلى المجازاة .
وفساد مقال من زعم أن الخلق يحيطون علماً بغاية الانعام من اللّه تعالى عليهموالافضال ، فيتمكنون من مقابلتها بالشكرعلى الاستيفاء للواجب والاتمام .
فنعلم بهذا تقصير العباد عن مكافاة نعم اللّه تعالى عليهم ، ولوبذلوا في الشكروالطاعات غاية المستطاع ، وحصل ثوابهم في الاخرة تفضلاً من اللّه تعالى عليهم وإحساناًإليهم ، وإنما سميناه استحقاقاً في بعض الكلام ، لأنه وعد به على الطاعات ،وهو الموجب له على نفسه بصادق وعده ، وإن لم يتنأول شرط الاستحقاق على الأعمال ،وهذا خلاف ماذهبت إليه المعتزلة، إلاّ أبوالقاسم البلخي فإنه يوافق في هذا المقال ،وقد تناصرت به مع قيام الأدلة العقلية عليه الأخبار.
روى أبرعبيدة الحذاء عن أبي جعفرعليه السلام قال : قال رسول اللّه صلى اللّهعليه وآله : «قال الله تعالى: لايتكل العاملون على أعمالهم التي يعطونها لثوابي ، فإنهم لواجتهدوا واتعبوا أنفسهم أعمارهم في عبادتي ، كانوا مقصرين غير بالغين [في عبادتهمكنه عبادتي ، فيما يطلبون ] من كرامتي ، والنعيم في جناتي ، و رفيع الدرجات العلى فيجواري ، ولكن برحمتي فليثقوا، وفضلي فليرجوا، وإلى حسن الظن بي فليطمئنوا فإن رحمتي عند ذلك تدركهم ، وبمنّي ابلغهم رضوان [ومغفرتي وألبسهم عفوي ] » وبعفوياُدخلهم جنتي ، فإني أنا اللّه الرحمن الرحيم ، بذلك تسميت».
**وعن عطا بن يسار، عن أمير المؤمنين عليه السلام قال : «يوقف العبد ، بين يدياللّه ، فيقول لملائكته : قيسوا بين نعمي عليه وبين عمله . فتستغرق النعم العمل ، فيقول :هبوا له النعم ، وقيسوا بين الخير والشرمنه ، فإن استوى العملان أذهب اللّه الشر بالخيروأدخله الجنة، وإن كان له فضل أعطاه اللّه بفضله ، وإن كان عليه فضل - وهو منأهل التقوى، ولم يشرك باللّه تعالى- فهو من أهل المغفرة، يغفراللّه له برحمته إن شاء ويتفضل عليه بعفوه ».
وعن سعد(9) بن خلف ، عن أبي الحسن عليه السلام أنه قال له : «عليك بالجدوالاجتهاد في طاعة اللّه ، ولا تخرج نفسك من حد التقصيرفي عبادة اللّه وطاعته ، فإن اللهتعالى لايعبد حق عبادته».
المصادر :
1- الصدوق في الأمالي 288 | 5 والتوحيد 292 ، والمفيد في الإرشاد : 281 .
2- الإرشاد: عباهر، والعباهر: جمع عبهرة، وهي الجامعة للحسن (القاموس المحيط - عبهر -2 : 84) .
3- ارشاد المفيد: 381.
4- الاعراف 7 : 185
5- آل عمران 3 : 190
6- الذاريات 51: 20 ، 21
7- الغاشية 88 : 17 .
8- إرشاد المفيد: 282
9- رجال الشيخ : 350 رقم 2 ، تنقيح المقال 2:12، معجم رجال الحديث 8 :5025/58

 


source : راسخون
user comment
 

آخر المقالات

  حجر الاسود بدءه واستلامه
  کتاب فيه وحدة الامة
  طلاق المرأة ثلاثاً
  الحسد
  التمییز بین السور المکیة و المدنیة
  الحب بعد الأربعين
  صراعات فرق أهل السنة
  دحو الارض و استحباب صومه ( 25 ذی القعدة)
  إدريس بن زياد الكفرتوثي([1])
  التخطيط السياسي في السيرة النبوية