عربي
Saturday 15th of June 2024
0
نفر 0

البلاغات من أساليب الأداء للحديث الشريف في التراث الإسلامي-2

الفلّاني إنّ ابن الصلاح وصل بها هذه الأحاديث ، فلا يستطيع أهل العلم بالحديث أن يحكموا باتصالها إلّا إذا وجدت الأسانيد وفحصت ، حتى يتبيّن إن كانت متّصلةً أو لا؟ صحيحةً أولا ؟؟ 1 وأقول: وحتّى لو تبيّن اتّصال الأحاديث من طرق أُخرى فإنّما يفيد ذلك اعتبار المتون ، ولا يدلّ على كون البلاغات ـ نفسها ـ متّصلةً عند مالك نفسه! والفرق بين الأمرين واضح ، فإنّ صحّة المتن لا يستلزم اتّصال البلاغ . ولعلّ هذا هو غرض ابن عبدالبرّ من قوله: «مسندة من غير طريق مالك». فإنّ البحث عن خصوص طريق مالك إلى ما روى ، لا عن طرق الآخرين! مضافاً إلى أنّ نفس المحاولة دليل على «انقطاع البلاغ» فلو كان في نفسه متّصلاً ، لم يحتج إلى الطرق الأُخرى. مضافاً إلى أنّ تلك المحاولة إنّما تفيد من يحتاج إليها ، لكونه لا يقول بحجّيّة المرسَل والمنقطع ، كمانسب إلى ابن عبدالبرّ ، وليس مفيداً حتّى لمالك نفسه ، إذ هو يذهب إلى حجّيّة المرسَل 2 . فالمحاولة لإثبات اتّصالها عند مالك يائسة! وكذلك محاولة من قال: «إنّ بلاغات الثقات من أهل القرون الثلاثة مقبولة ، مطلقاً ، كمالك ، وأبي حنيفة ، والشافعي ، ومحمّد بن الحسن ، وأبي يوسف ، وأمثالهم» 3 . فمع كون الدعوى خارجة عن البحث؛ لأنّ قبول الحديث وعدمه شي ء ، وكونه منقطعاً شي ء آخر ، فهذه الدعوى تعود إلى قبول المنقطع ، ولا تثبت اتّصال البلاغ.



1) الموطّأ ـ المقدّمة ـ 1/دال ،
2) لاحظ: علوم الحديث ـ لابن الصلاح ـ: 55.
3) قواعد في علوم الحديث ـ للتهانوي ـ: 163.

فهي دعوى باطلة ، لا يرتضيها من قيلت في حقّه ، فقد عرفنا أنّ الشافعي ـ وهو ممّن ذُكر اسمه ـ لم يقبل بعض البلاغات ، وحكم بعدم كونه موصولاً. فهذا أشبه بتفسير الشي ء بما لا يرضى به صاحبه. ومنها: محاولة إخراج البلاغات من الحديث الضعيف وإدخالها في الحديث الصحيح: كما قال الزرقاني في شرح الموطّأ: إنّ بلاغ مالك ليس من الضعيف؛ لأنّه تُتُبِّـعَ كلّه فوُجِدَ مسنداً من غير طريقه 1 . فهذا يشبه محاولة إيصال البلاغات التي أجهد ابن عبدالبرّ به نفسه ، وقد أجبنا عنه. مع أنّ وجدان الطرق المسندة من غير طريق مالك ، لا تنفع في الحكم على طريقه . فهب أنّ طرقاً أُخرى مسندة صحيحة ، لكنّ مالكاً كيف يتّـكل على البلاغات أنفسها التي لم تصله إلّا بالطرق الضعيفة؟! وقد أوغل أخيراً الأُستاذ محمّد فؤاد عبدالباقي في التعصّب لمالك وبلاغاته في ما علّقه على قول مالك: «وقد بلغني أنّ رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم أراد العكوف...» ، فقال: هو الحديث الذي أسنده أوّلاً صحيحاً ، فمن هنا ونحوه يُعلَم أنّه لا يطلق «البلاغ» إلّا على الصحيح ، ولذا قال الأئمّة: «بلاغات مالك صحيحة» 2 . أقول: أمّا هذا البلاغ فهو مرسَل مقطوع ، قطعاً؛ لأنّ بين مالك وبين رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم



1) قواعد في علوم الحديث: 164.
2) الموطّأ 1/317. وسائط ، ليست مذكورة في سند هذا البلاغ ، فهو ليس مسنداً هنا؛ حتّى لو قيل بكون البلاغات المعنعنة متّصلة. وأمّا الحديث الأوّل المسنَد فهو ليس بلاغاً ، وتطابُق البلاغ هنا مع المسند الأوّل في المعنى والمتن ، لا يدلّ بوجهٍ على اتّصال سند البلاغ الذي جاء بلا طريق مسند إلى المتن. مع أنّك قد عرفت أنّ صحّة المتن من طرق أُخرى لا تعني صحّة البلاغ المرسَل أو المنقطع أو المعضل ، ولا يصحّ تسميته «صحيحاً» لذاته. وقد عرفت أنّ وجود هذه البلاغات المرسَلة في «الموطّأ» هو الذي سبّب الإعراض عن عدّ «الموطّأ» من الصحاح. وأمّا ما نسبه إلى الأئمّة ، فقد عرفت أنّ منهم مَن حكم بإرسال بلاغات مالك ، أو انقطاعها ، بل إعضالها ، ومنهم الشافعيّ إمام المذهب ، وابن حزم ، فالنسبة المذكورة ـ بلا ريب ـ باطلة. ومن الطريف أنّ ابن الصلاح قال ـ في نهاية بحثه عن الحديث الضعيف ـ مانصّه: إذا أردت رواية الحديث الضعيف ـ بغير إسنادٍ ـ فلا تقل فيه: «قال رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم ... وإنّما تقول فيه: رُوي عن رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم ... ، أو: بلغنا عنه... ، أو: ورد عنه ، أو: جاء عنه...» 1 . فليكن عمل مالك على هذا في بلاغاته. كما قد قيل: إنّه أخذها من ابن إدريس 2 الذي لم يجر له ذِكر في أسانيد بلاغاته إطلاقاً ؟؟!



1) علوم الحديث: 103 ـ 104.
2) تهذيب التهذيب 5/145.

تتميم
وقد وقفتُ على كلامٍ لبعض أعلام الزيديّة حول البلاغ نصّوا فيه على هذه النتيجة : قال الإمام صارمُ الدين: والظاهرُ في صيغتي التمريض والبلاغ ونحوهما الإرسالُ ، وهي صيغةُ ما لم يُسَمَّ فاعله كيُروَى و يُذكَرُ ورُوِيَ 1 . وعلّق عليه السيّد مجدُ الدين : صيغةُ التمريض نحو (رُوِيَ) والبلاغُ نحو (بَلَغَنا) ونحوهما كـ (نُقِلَ) ممّا يفيدُ عدمَ الاتصال 2



1) الفلك الدوّار (ص 197).
2) لوامع الأنوار (2 / 323).

المصادر و المراجع
1 ـ الباعث الحثيث شرح اختصار علوم الحديث لابن كثير ، للشيخ أحمد محمّد شاكر ، طبع صبيح ـ القاهرة 1370 هـ . 2 ـ تهذيب التهذيب ، لابن حجر العسقلاني (ت 852 هـ ) طبعة حيدر آباد ـ الهند 1325 هـ . 3 ـ الجوهر النقـي على سـنن البيهقي ، لعلاء الدين المارديني (ت 745 هـ ) دار الفكر ـ بيروت. 4 ـ حجيّة الحديث المعنعن ، وما يُثار حوله شبهة في قبال البديهة ، للسيد محمد رضا الحسيني الجلالي ، نشر في مجلة «علوم الحديث» السنة الثانية محرم 1419هـ . العدد الثالث: ص55 ـ 174. 5 ـ السنن الكبرى للبيهقي ، المطبوع مع «الجوهر النقي» دار الفكر ـ بيروت. 6 ـ صيغ التحمّل والأداء للحديث الشريف ، للسيّد محمّد رضا الحسيني الجلالي ، نشر في مجلّة «علوم الحديث» السنة الأُولى ، العدد الأوّل ، ص 84 ـ 182 ، تصدر من كلّية علوم الحديث ـ طهران 1418 هـ . 7 ـ علوم الحديث ، لابن الصلاح الشهرزوري ، تحقيق الدكتور نور الدين عتر ، دار الفكر ـ دمشق 1404 هـ . 8 ـ علوم الحديث ، مجلّة نصف سنويّة تصدّرها كليّة علوم الحديث ـ طهران ، صدر العدد الأول محرّم 1418هـ . 9 ـ الفلك الدوّار في علوم الحديث والفقه والآثار ، للسيد صارم الدين إبراهيم بن محمد الوزير ، حققه محمد يحيى سالم عزان ، مكتبة التراث اليمنى ، صعدة - اليمن 1415هـ . 10 ـ فهرس الفهارس والأثبات ، للكتّاني محمّـد عبد الحيّ المغربي (ت1380هـ ) تحقيق

الدكتور إحسان عبّاس ـ دار الغرب الإسلامي ـ بيروت 1402هـ . 11 ـ قواعد في علوم الحديث ، للتهانوي الهندي ، تحقيق أبي غدّة ، المطبوعات الإسلامية ـ حلب 1392 هـ . 12 ـ لسان العرب ، لابن منظور الأنصاري جمال الدين ، دار المعارف ، مصر ،في 6 مجلّدات. 13 ـ لسان الميزان ، لابن حجر العسقلاني (ت 852 هـ ) طبعة حيدر آباد ـ الهند 1329 هـ . 14 ـ لوامع الأنوار في جوامع العلوم والآثار للسيد مجد الدين بن محمد بن منصور الحسني المؤيدي دام عمره ، مكتبة التراث الاسلامي صعدة - اليمن 1414هـ . 15 ـ المؤمن ، للمحدّث الأقدم الحسين بن سعيد الأهوازي (ق3هـ ) طبع مدرسة الإمام المهديّ عليه السّلام ـ قم. 16 ـ المجموع ، شرح المهذّب ، للنووي. 17 ـ المحاسن ، للبرقي ، تحقيق الأُرموي ، دار الكتب الإسلامية ـ قم. 18 ـ المحلّى بالآثار ، لابن حزم الأندلسي. 19 ـ المصطلح الرجالي «أسند عنه» ، للسيّد محمّـد رضا الحسيني الجلالي ، مجلّة «تراثنا» العدد الثالث من السنة الأُولى ، 1406 هـ . 20 ـ معجم ما استعجم ، للبكري. 21 ـ منهج النقد في علوم الحديث ، للدكتور نور الدين عتر ، دار الفكر ـ بيروت 1401 هـ . 22 ـ الموطّـأ ، لمالك بن أنس الأصبحي ، رئيس المذهب (ت 179 هـ ). تحقيق محمد فؤاد عبدالباقي ، دار احياء التراث العربي ـ 1370هـ . 23 ـ ينابيع المودّة ، للقندوزي ، طبع تركيا.

0
0% (نفر 0)
 
نظر شما در مورد این مطلب ؟
 
امتیاز شما به این مطلب ؟
اشتراک گذاری در شبکه های اجتماعی:

آخر المقالات

تغيير الأخلاق
الهدوء النفسي
يومي المباهلة والتصدق بالخاتم وإطعام الطعام 24 و ...
صلاة الجماعة
المرأة، مهمّاتها و حقوقها
مباني ولاية الفقيه
من شهد واقعة الطف
غايات النية
معادن علوم القرآن-2
الملامح الشخصية للامام المهدي عليه السلام

 
user comment