عربي
Thursday 25th of April 2024
0
نفر 0

محور الإستشراق الألماني يركز على نزول القرآن وتاريخه

المنامة ـ إيكنا: أكد الباحث الشيعي البحريني ورئيس رابطة «الرسالة» الإسلامية السيد «جعفر العلوي» أن محور الدراسات الإستشراقية يركز على نزول القرآن وتاريخه وتصيُّد التشابهات الظاهرية بين مضامين قرآنية وثقافة العرب وثقافة اليهود والنصارى في سبيل تأكيد البشرية.

وتطرق السيد العلوي في المقالة التي صدرت في عدد (42) مجلة «البصائر» البحرينية سنة 2008 م بعنوان «الإستشراق والعبور إلى التاريخانية» إلي جهود الاستشراق مع الحراك الثقافي الحداثي المشرقي في زاوية محددة هي تاريخية النص القرآني، مع تلمُّس منابع القراءة التاريخية للنص القرآني في علوم القرآن على نحو الإشارة.

مقدمة عن الاستشراق

واضاف: متابعة الحراك الاستشراقي له ما يبرره؛ فقد اهتم المستشرقون بالتراث العربي والإسلامي جمعاً وحفاظاً ونشراً، وكان معيناً للنُّظم السياسية الغربية في رسم سياساتها في المستعمرات، وأيضاً كانوا أساتذة لشريحة واسعة من المثقفين وأساتذة الجامعات في عالمنا العربي والإسلامي، ومن خلال هذه أصبح لحراكهم المعرفي تموج في بلادنا.

تحديد الاستشراق

واردف يقول: كلمة الاستشراق ظهرت في الغرب منذ قرنين من الزمان تقريباً، لكن البحث في لغات الشرق وأديانه وخاصة الإسلام قد ظهر قبل ذلك بكثير، ويرى «رودي بارت» أن الاستشراق هو علم يختص بفقه اللغة خاصة، وأقرب شيء إليه إذن أن نفكر في الاسم الذي أطلق عليه كلمة استشراق مشتقة من كـلمة شرق، وكلمة شرق تعني مشرق الشمس، وعلى هذا يكون الاستشراق هو علم الشرق أو عـلم العالم الشرقي. وكان الاستشراق ومازال يهتم بالشعوب الشرقية عموماً التي تضم الهند وجنوب شرق آسيا والصين واليابان وكوريا. وعند مراجعة النشاطات الاستشراقية نجد أن هذه المناطق بدأت تُخصَّص بدراسات خاصة بها مثل الدراسات الصينية أو الدراسات الهندية أو الدراسات اليابانية، أما الأصل فكانت كلها تضم تحت مصطلح واحد هو الاستشراق.

ومضي هذا الباحث البحريني يقول: ومن خلال كتابات المشتغلين بالاستشراق نتلمس مؤشرين أساسيين: 1- تطلق كلمة مستشرق بشيء من التجاوز على كل من يتخصص أكاديميًّا في أحد فروع المعرفة المتعددة كالتاريخ وعلم الاجتماع وعلم الإنسان والاقتصاد والسياسة وهكذا؛ المتصلة بالشرق. 2- الاستشراق قائم على تمييز وجودي ومعرفي بين الشرق والغرب. لكنه شرق يتلخص ويُختزل في العالم المسلم غالباً. وذلك لأن الشرق يعتبر ـ باستثناء الإسلام ـ مجرد امتداد للغرب وتابع له ومسرح لسيطرته، وكان الشرق الإسلامي والعربي هو المنطقة الوحيدة التي كانت تمثل تحدياً لأوروبا، سواء في المجالات السياسية أو الثقافية.

واستدرك قائلا: ويلاحظ أنه تم -في المؤتمر الدولي للجمعية الدولية للمستشرقين 1973م- استبدال مصطلح الاستشراق بآخر كالدراسات الشرقية، أو الشرق الأوسطية، أو الدراسات الإقليمية؛ لأن تعبير الاستشراق يتضمن إشارة إلى الجانب السلطوي للاستعمار الأوروبي في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين.

دوافع الاستشراق وأهدافه

وتابع قوله: فالاستشراق بوصفه حركة منضبطة معرفيًّا تؤرخ بدءاً من القرن الثامن عشر، ومسار كثير من الباحثين عن بدايات الاستشراق بوصفه فعلاً معرفيًّا مقصود؛ هو متأرجح بين محطتين: الحروب الصليبية، واحتلال نابليون لمصر. المحطة الأولى؛ الحروب الصليبية: كان للحركة الصليبية دور مركزي في مستوى الأحداث العالمية التي تمحورت في بداية العصر الوسيط بين: الشرق الإسلامي والغرب المسيحي، وخاصة فيما يتعلق بنوعية العلاقة التي ترافقت معها وأعقبتها ومدى تأثيراتها في الرؤية المستقبلية لكل منهما. وللحروب الصليبية دور مركزي في تعبئة المعتقدات، والعرقية أتاحت عصبية للغرب الاوروبي إبان الحروب بين الإسلام والغرب. ويرى كثير من الباحثين أن الحركة الصليبية هي الأساس الذي قامت عليه عصبية الغرب تجاه الإسلام. وملاحظة القرون الأربعة الفاصلة بين بدء الدعوة الإسلامية وقدوم الحملة الصليبية الأولى، تكشف عن انفتاح حضاري من قبل الإسلام تجاه الغرب المسيحي. ولم تكن العصبية الإسلامية المعادية للغرب وليدة تحوُّل داخلي في طبيعة الدعوة الإسلامية بقدر ما كانت وليدة الفعل السياسي للدول المسلمة، وأيضاً لم تكن موجهة إلى المسيحية بوصفها ديانة سماوية.

واضاف: المحطة الثانية؛ احتلال مصر: إن الاستشراق الحديث بدأ في أواخر القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر، حيث شهدت هذه المرحلة تزايد عدد الأستاذية للدراسات الشرقية وتأسيس جمعيات علمية مختلفة في أوروبا تعالج الشرق، ومع حلول عام 1850 أصبح لكل جامعة رئيسة في أوروبا منهج متكامل في أحد فروع الدراسات الشرقية، وصار معنى أن يكون المرء مستشرقاً هو أن يحصل على تدريب جامعي في الدراسات الشرقية. فمع احتلال نابليون لمصر عام 1798 تحوَّل الاستشراق من استشراق ناءٍ إلى استشراق مقيم، تستمد نصوصُه قوَّتَها وتأثيرها من خلال إقامة المستشرق في الشرق واتصاله به وسيطرته عليه، وأصبح الاستشراق مكتبة أو أرشيفاً من المعلومات تتقاسم الإفادة منه فرنسا وبريطانيا، فيسهل على هاتين القوتين إتقان التعامل مع الشرقيين وإدامة السيطرة عليهم.

واردف قائلا: ومن خلال ذلك يصنف معظم الباحثين الأهداف إلى ثلاثة: 1- المعرفة العلمية: ويشيرون إلى النوايا الحسنة لدى بعض المستشرقين الروس وبعض المستشرقين الأوربيين أمثال «لوي ماسينيون». والمستشرقون الألمان يتصدرون قائمة حسن الظن عند الباحثين، وربما كان إسهامهم في حفظ التراث المشرقي متميزاً جدًّا. 2- التبشير: الدراسات التي قام بها المبشرون المسيحيون والتي أرادوا فيها أن يهاجموا الإسلام بأي طريقة كانت. 3- الاستشراق السياسي: الدراسات الاستشراقية التي كتبت من وزارة الخارجية والبريطانية تحديداً أنموذج بارز، أو من دوائر المخابرات الغربية التي كانت تشرف وتمول دراسات ميدانية عن الإسلام والمسلمين.

ومضي هذا الباحث البحريني يقول: وقد حصل بعض التطور في الدراسات الاستشراقية بفضل حركات التحرر العربية والإسلامية، ولكن هذا التطور اتخذ منحى آخر، فلم تعد الدراسات تتركز على الدين الإسلامي بحد ذاته، وإنما أخذت تهتم بالحركات السياسية الإسلامية. وانصبت الدراسات الاستشراقية في محاولة تحليل هذه الحركات تحت مقولة التهديد الإسلامي.

وتابع: بحسب المستشرق الألماني «رودي باريت»، إن الهدف الرئيس من جهود المستشرقين في القرن الثاني عشر الميلادي وفي القرون التالية هو التنصير، وعرَّفه بأنه إقناع المسلمين بلغتهم ببطلان الإسلام، واجتذابهم إلى النصرانية، من هنا سيكون القرآن الكريم والسيرة النبوية وخصوص شخص النبي(ص) محط نظر الاستشراق والتركيز على القرآن واضح التبرير؛ لأنه مصدر القوة ومنبع الرؤية وهو الأصل في معرفة الإسلام. بل إن حيِّزاً من دراسة النبي (ص) هي في إطار إثبات بشرية القرآن.

القرآن الكريم في الدراسة الاستشراقية

واستدرك قائلا: ومن خلال متابعة اشتغال الدراسات القرآنية الاستشراقية سنجد أن الاهتمام ينصب على موضوعات مثل: تاريخ القرآن، وترجمة القرآن، وتحقيق وفهرسة الدراسات القرآنية، وأدب القرآن وأساليبه البلاغية، وموضوعات القرآن نفسه مثل قصص الأنبياء والوحي والأديان السماوية والعقائد الإسلامية. ويرصد «فضل عباس» من خلال الموسوعة البريطانية الموضوعات الآتية بتتبعه مادة «قرآن»: تعريف القرآن، وشكل القرآن، والسور القرآنية ومضمونه عناصر السور والكلمات، ومحتويات القرآن الموضوعات وسياق نزولها، والإنسان في القرآن مثل الحرية، والقتال، وأصول القرآن جمع القرآن، وترتيب السور والآيات، والقراءات، والتفسير ومناهجه، والترجمات.

واضاف: ومن خلال مطالعة الاستشراق الألماني الذي يُعتبر في الجملة الأكثر موضوعية عند بعض الباحثين، والأكثر خدمة للتراث الإسلامي، سنجد أن محور الدراسات الاستشراقية يتمثل في بشرية القرآن، متكئاً على نزول القرآن وتاريخه، وعلى "التناص" وتصيُّد التشابهات الظاهرية بين مضامين قرآنية وثقافة العرب وثقافة اليهود والنصارى في سبيل تأكيد البشرية.

المدرسة الألمانية ونولدكة

وقد اتصلت ألمانيا ببلاد الإسلام إثر الحملة الصليبية الثانية في عام 1147م، وخاصة بعد أن بدأ رجال الدين بترجمة الكتب العربية. فعندما تمت أول ترجمة للقرآن بين عامي 1141 - 1143م إلى اللغة اللاتينية، نجد أن «هِرمان الدلماشي» قد أسهم في هذه الترجمة إلى جانب كل من «روبرت الرتيني» وراهب إسباني عربي، وإن لم تُنشر هذه الترجمة لمعاني القرآن إلا بعد أربعة قرون. وكان «يوهان جاكوب رايسكه» 1716 - 1774 أبرز مستشرق ألماني أسس الدراسات العربية في ألمانيا، وهو أول مستشرق ألماني وقف حياته على دراسة العربية والحضارة الإسلامية، ورأى أن اللغة العربية يمكن أن تُدرس لذاتها، في فترة لم يكن أحدٌ يهتم بالدراسات العربية. وكان له اهتمام واسع بالشعر العربي. وقد اعتبر نفسه شهيد الأدب العربي. وجاء في ترجمة حياته متحدثاً عن المخطوطات ليس عندي أولاد، ولكن أولادي يتامى بدون أب؛ وأعني بهم المخطوطات وهو يرى أن ظهور النبي محمد وانتصار دينه هما من أحداث التاريخ التي لا يستطيع العقل الإنساني إدراك مداها، ويرى في ذلك برهاناً على تدبير قوة إلهية قديرة.

وأكد يقول: ومنذ أواسط القرن التاسع عشر، حاول الاستشراق اكتساب صفة العلمية، وبدأ يتحلى بالموضوعية، ولو بصورة نسبية، عندما تحوَّل إلى علم قائم على النقد التاريخي، فلم تعد غايته البرهنة على وضاعة العالم العربي الإسلامي؛ وإنما حاول أن يطبق المعيار النقدي على تاريخ الإسلام كما يطبقه على تاريخ فكره الخاص. ولاحظ المستشرق الألماني «رودي باريت» أنه لم تتأتَّ له هذه العلمية إلا عندما تأكد استعداد الناس للانصراف عن الآراء المسبقة، وعن كل لون من ألوان الانعكاس الذاتي، وللاعتراف لعالَم الشرق بكيانه الخاص الذي تحكمه نظمه الخاصة، وعندما اجتهدوا في نقل صورة موضوعية له ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً.

وقد تميَّز الاستشراق الألماني بجمع المخطوطات ونشرها وفهرستها. مع اهتمام خاص بالجانب الفيلولوجي والصوفي والأدبي، وعناية بوضع معاجم في اللغة العربية، ودراسته لجوانب الفكر العربي الإسلامي في القديم خاصة. وكان الانشغال بالنص القرآني مما تميزت به جهود الألماني عن باقي جهود المستشرقين الآخرين. وذكر "عبد الرحمن بدوي» أن أقدم ترجمة ألمانية عن النص العربي مباشرة هي ترجمة «دافيد فريدرش ميجرلن»، الأستاذ في جامعة فرنكفورت، وظهرت سنة 1772. وعدد ترجمات معاني القرآن إلى الألمانية تصل إلى حوالي اثنتين وأربعين ترجمة. لعل آخرها ترجمة رودي باريت 1966، وقد اعتبرت أحسن ترجمة للقرآن الكريم ويمكن ملاحظة في هذا الشأن شيخ المستشرقين الألمان «تيودور نولدكه» 1836 - 1931، وذلك لأن حصيلة جهوده في مجال دراسة النص القرآني؛ أصبحت عمدةً ومنطلقاً للدراسات القرآنية في أوروبا، وأصبحت تنبني عليها أخطر النتائج في مجالات الدراسات الإسلامية. فقد كان أكبر متخصص في علوم القرآن في أوروبا كلها.

كان موضوع أطروحته هو أصل القرآن وترتيب سوره، قدمها سنة 1858 رسالةَ دكتوراة محدودة لا تزيد عدد صفحاتها على الـ 200 صفحة، ويحتلُّ قسماً منها نقد كتابي «غوستان فايل» و«شبرنغر» عن القرآن والنبي(ص).. وتوسع فيها لاحقاً، ونشرها بعنوان: «تاريخ النص القرآني» سنة 1860. ثم عرضت عليه دار نشر ألمانية إعادة طبعه عام 1898، ولأن نظره كان قد ضعُف؛ فقد كلَّف بذلك تلميذه «فريدريش شفاللي» الذي أضاف فيه، وصدر الجزء الأول من الكتاب مرة ثانية عام 1909. وتوفي شفاللي قبل نولدكة عام 1919 فصدر الجزء الثاني من الكتاب بتحرير تلميذ آخر من تلامذة نولدكه هو «أوغُست فيشر» عام 1920. وبإشارة من نولدكه نفسه عمل المستشرق «برغشترسّر» على إصدار الجزء الثالث؛ لكنه توفّي عام 1934؛ فأكمل تلميذه «أوتو برتزل» المخطوط وإصدره عام 1937. وفي العام 2000 أعادت دار النشر الشرقية أولمز إصدار الأجزاء الثلاثة في مجلد واحد.

نولدكة وتاريخ القرآن

وتابع: قسّم نولدكه وتلامذته من بعده الكتاب بأجزائه الثلاثة إلى ثلاثة أقسام كبرى؛ القسم الأول عنوانه: في أصل القرآن، والقسم الثاني عنوانه: جمع القرآن، والقسم الثالث عنوانه: تاريخ نصّ القرآن. وفي القسم الأول يُعنى نولدكه وشفاللي بأصل القرآن نبوة النبي(ص)، وطرائق تلقّيه الوحي، وبدايات الرسالة، وما يتصل بأمية النبي(ص)، ووسائل كتابة القرآن، والتوازن والتوتُّر بين الشفوي والكتابي، ومسألة المكي والمدني ومعناها وأهميتها. ويناقش نولدكة أثناء ترتيبه الآخر للسُّور المكية وهي ثلثا القرآن تقريباً آراء السابقين عليه: فايل وشبرنغر وهرشفلد الألمان، وميور البريطاني. وهو يبدو شديد الموضوعية والاعتدال في آرائه تجاه القرآن والنبي(ص)؛ وبخاصةٍ مقارنةً بشبرنغر وميور. لكنه ينطلق، شأنه في ذلك شأن سائر المستشرقين حتى الثلاثينات من القرن العشرين، إلى أنّ نبوة النبي(ص) والقرآن على حدٍّ سواء، مستمدان من التراث الإسرائيلي.

واضاف: في القسم الثاني المسمَّى «جمع القرآن» يعمد نولدكه وتلميذه شفاللي وبرغشتراسّر لقراءة مسألتين رئيستين؛ مسألة التعامل مع الوحي حفظاً وتدويناً، ومسألة جمع القرآن أيام عثمان. ولا يقبل نولدكه الروايات التقليدية الإسلامية على علاّتها لكنه بخلاف غالب المستشرقين كان يرى أنّ النبي(ص) كان أميًّا فعلاً، كما أنبياء بني إسرائيل. ثم إنّ القرآن ذا الطابع الشفوي والشعائري، كان مخططاً له منذ البداية أن يُدوَّن؛ بحيث يجري الحفاظُ على الأمرين: الشفوية الضرورية في التلاوة، الحفظ وسلامة النص والأمن من التغيير أو النسيان بالتدوين. ويطيل نولدكه في مناقشة قصة جمع عثمان للقرآن، ولا يقبل كثيراً من التفاصيل، لكنه يقبل أنّ القرآن كان مدوَّناً منذ أيام النبي، لكنه كُتب في مصاحف أيام عثمان. ويرى نولدكه في هذا القسم أن القرآن مرتبط بسيرة النبي في المدينة، فقارن بين الآيات وأحداث السيرة بصورة واسعة.

واردف قائلا: أمّا القسم الثالث وعنوانه: تاريخ نصّ القرآن فيتحدث عن رسم المصحف، وأيضاً عن المخطوطات القرآنية، لكن أكثره محوره القراءات القرآنية. والنظرة الرسمية السنية السائدة الذين يرون شرعية القراءات ويعللون القراءات بأنها بتأثير لهجات القبائل والأمصار، وتخلق حالة من التنوع المفكري!... أمّا نولدكه وتلامذته فيذكرون عدة أسباب: المرحلة الشفوية، وأخطاء الرسم والإعجام، والتوسع في التفسير والتأويل، وبقايا المرحلة الشفوية المبكّرة.

ومضي يقول: وهنا يمكن أن نتوقف عند بعض الملاحظات؛ الأولى: أهمية مدرسة نولدكة: يعتبر الكثير من الباحثين هذا الكتاب أخطر كتاب أنتجه الغرب في تاريخه مع تعامله مع النص القرآني، ويكفي هذا الكتاب شهرة ومكانه أنه أصبح عمدة في فرع تخصص «قرآن»، وأنه أصبح ملاذاً للمستشرقين ومرجعهم المعرفي. ويذكر «ميشال جحا» أنه أصبح راسخ القدم في العلوم القرآنية، وأنه وضع أسس البحث العلمي للدراسات القرآنية التي جاءت من بعده. وكتاب نولدكه يعتبره «أبو عبد الله الزنجاني» في كتابه «تاريخ القرآن» من أهم ما ألفه الإفرنج في تاريخ القرآن؛ إذ بحث فيه صاحبه بتضلع عميق. وحاول أن يكون موضوعيًّا قدر الإمكان.

وتابع: وأما «بلاشير» المستشرق الفرنسي 1900 - 1973 فيرى أنه بفضل نولدكه ومدرسته أصبح ممكناً من الآن فصاعداً أن نوضِّح للقارئ غير المطلع ما يجب أن يعرفه عن القرآن؛ ليفهمه بوعي، وليتخطى القلق الذي ينتابه عند اطلاعه على نص يغلب عليه الغموض ويبدو أن عناية نولدكه بالنص القرآني كانت وراء شهرته، ولا شك أن جهوده في حقل الدراسات القرآنية ظلت معلمة بارزة في أعمال المستشرقين على الإطلاق. لكن ملاحظة عدم توافر الترجمة العربية إلا مؤخراً يجعل من تأثيره المباشر في الكتابات العربية محدوداً، وإنما يتم التواصل معه من خلال أبحاث الأوروبيين والموسوعات الأوروبية. فالقارئ لدائرة المعارف الإسلامية يثير انتباهه مكانة نولدكه عند كتابها؛ إذ تراهم يعتبرونه عمدة في كل ما يتعلق بقضايا النص القرآن. وبعبارة: إن تأثير نولدكة هو عبر تلامذته وعبر تداعيات دراساته في الأبحاث الاستشراقية.

واضاف: ومن جانب آخر اشتملت أبحاث نولدكة على قدح في القرآن، فقد ألمح إلى وجود التحريف في القرآن في كتابه «تاريخ النص القرآني»، وذلك حين كتب فصلاً بعنوان: «الوحي الذي نزل على محمد(ص) ولم يُحفَظ في القرآن»، ثم صرَّح بالتحريف في مادة «قرآن» بدائرة المعارف الإسلامية، حين يقول: «إنه مما لا شك فيه أن هناك فقرات في القرآن ضاعت»، وفي مادة «قرآن» في دائرة المعارف البريطانية يُقرر مسألة التحريف في القرآن فيقول: «إن القرآن غير كامل الأجزاء» ويبدو أن نولدكه أسهم قويا في ترسيخ مسألة التحريف في الفكر الاستشراقي؛ فقد فتح الطريق أمام تحريف القرآن.

وختم هذا الباحث البحريني يقول: الموقف المسبق الذي يتبناه المستشرقون من بشرية القرآن خلق مساراً قسريًّا لأبحاثهم نحو تفسير نمطي للوحي ولمنابع القرآن المفترضة، إن تتبع مسار المنهج التاريخي الاستشراقي يكشف عن امتداده في الحداثة المشرقية مع تطوير أكثر عمقاً في المنهج وأكثر فاعلية في تقويض بنية تعالي القرآن وهيمنته، وتقويض النظام المعرفي والأخلاقي والقانوني المتولد من المرجعية القرآنية.


source : www.iqna.ir
0
0% (نفر 0)
 
نظر شما در مورد این مطلب ؟
 
امتیاز شما به این مطلب ؟
اشتراک گذاری در شبکه های اجتماعی:

آخر المقالات

إطلاق مركز ثقافي فني للجالية المسلمة ببلجيكا
نقد كتاب "التفسير الموضوعي للقرآن الكريم" في ...
زوّار المسجد النبوي يتسابقون على قراءة القرآن في ...
عضو الهيئة العليا في المجمع العالمي لاهل البيت ...
الجيش السوري يطرد داعش من بلدة صوران ويصبح أقرب ...
حبّ اهل البيت (ع) من أبرز جوانب شخصية العلامة ...
مصرع وإصابة 20 شخصا في هجوم مسلح بولاية النيل ...
آية الله خامنئي: الصحوة الإسلامية بالمنطقة آخذة ...
استهداف الاحتلال الصهيوني لوسائل الإعلام قمة ...
آیة الله العظمى صافي: لقد أثلجت الوهابیة صدور ...

 
user comment