عربي
Monday 22nd of April 2024
0
نفر 0

الأغراض الاجتماعية في نهج البلاغة

الأغراض الاجتماعية في نهج البلاغة

تمهيد

  إن شخصية الإمام علي من أقوي الشخصيات التي عرفها التاريخ ولست بسبيل أن أفصّل ما فيها من نبل وقوة وخصائص تستهوي الأفئدة، وإنما سبيلي أن أبحث جانباً من جوانب هذه الشخصية الرائعة المستفيضة. هو جانب النظرة الاجتماعية فيها، تلك النظرة التي أودعها نهج البلاغة والتي بلغت من العمق والبيان درجة أغری سموها بعض أشياع الأمويين وفريقاً من الباحثين، إلی نفيها عنه والذهاب إلی أنها هدية الخلود، صاغها للجد حفيده الشريف الرضي، الشاعر الموهوب.

 

أقسام البحث

غير أن هذه الآراء كثيرة مبعثرة وكثيراً ما يتكرر الرأي الواحد أكثر من مرة، وليس «نهج البلاغة» بمقسم تقسيماً يفصل كل مجموعة متشابهة من الآراء عمَّا عداها، وهذا هو موطن الصعوبة ولكنه أيضاً مهمة الباحث، وعلی هذا فسنقسم الآراء إلی:

  1 ـ علاقة الإنسان بربه.

  2 ـ علاقة الإنسان بنفسه.

  3 ـ علاقة الإنسان بغيره.

  4 ـ ثم سياسة الدولة وهو باب متشعب كما سنری.

  وقد يعترض معترض بأن القسمين الأولين الباحثين في علاقة الإنسان بربه وعلاقته بنفسه يجب أن يستبعدا من بحث مقصور علی الأغراض الإجتماعية؛ أي علیٰ ما يقوم بين الناس من معاملات ليس منها معاملات الفرد للخالق ولا نفسه التي بين جنبيه؛ ولكن هذا الاعتراض غير وجيه، إلاّ بالنسبة للآراء الميتافيزيقية البحتة التي بحث فيها الإمام بحثاً مطولاً عن منشأ الكون وعلاقة الأجرام بعضها ببعض، وكيفية خلق الملائكة والبشر، تلك الآراء التي وجدناها خارجة عن موضوعنا فاستبعدناها، أما علاقة الإنسان بربه: فالمقصود بها هنا، الوصايا التي وجهها الإمام إلی مجتمعه ليعمل بها فيما يختص بالخالق الجليل، وبذلك تكون أعمالاً بشرية، إن لم تكن اجتماعية بالمعنی العلمي الحرفي، فهي اجتماعية لأنها مطلوب القيام بها من الجماعة ولأنها مظهر اجتماعي ومؤثر فوي في السلوك الاجتماعي البحت؛ أي في سلوك الأفراد إزاء بعضهم بعضاً. أما فيما يختص بعلاقة الإنسان مع نفسه فالمسألة أوضح، لأنا بتدريب أنفسنا علی منهج خاص نخلقها خلقاً جديداً، وهذا الخلق مؤثر أبعد التأثير في نوع تعاملنا مع الآخرين، ولأن العدوی موجودة في الخير وفي الشر، فكوننا علی هذه الحال، أو تلك؛ إغراء لمن هم دوننا ولمن هم بمعرض التأثر بمثالنا علی أن يحتذوا ذلك المثال، ولأننا نحن مكوّنوا المجتمع وكما نكون يكون.

  هذا إلی أن هذين القسمين شيء قليل بالنسبة للقسمين الآخرين.

 

1. علاقة الفرد بربه

ضم نهج البلاغة بين دفتيه صفحات نادرة في تمجيد الله وتجليل صفاته، وكثر فيه النصح بإلقاء النفس إلی الله، كما جاء في وصية الإمام لابنه وبشكره علی نعمائه وعدم الاغترار بما يوفق إليه من النجاح: «وإذ أنت هديت لقصدك، فكن أخشع ما تكون لربك».

وأوصی ابن أبي بكر بقوله: «.. ولا تسخط الله برضا أحد من خلقه فإن في الله خلفاً من غيره» وبمثل هذا كان يفتتح خطاباته إلی ولاته وقضاته: ولنستمع إلی قوله حين بعث بعض عماله إلی الصدقة: «آمره بتقوی الله في سرائر أمره وخفيات عمله حيث لا شاهد غيره ولا دليل دونه وآمره أن لا يعمل بشيء من طاعة الله فيما ظهر فيخالف إلی غيره فيما أسرّ» وليس غريباً أن يوصي بما أوصی به القرآن من الرجوع إليه وإلی الحديث عند التباس الأمور فيقول: «واردد إلی الله ورسوله ما يضلعك من الخطوب ويشتبه عليك من الأمور». وليس غريباً أيضاً أن يعتبر الشكوی من نوائب الزمان شكوی من الله فيقول: «من أصبح يشكو مصيبة نزلت به فقد أصبح يشكو ربه».

  وقد ظهرت عقيدته الراسخة في الله ودعوته إلی نصرة دينه في قوله: «لا تجعلن أكثر شغلك بأهلك وولدك فإن يكن أهلك وولدك وأولياء الله، فإن الله لا يضيع أولياءه» «وإن يكونوا أعداء الله فما همك وشغلك بأعداء الله؟».

  علی أن نغمته الزاهدة لا تفتأ تتكرر فهو يقول لنا هنا: «من رضي برزق الله لم يحزن علی ما فاته» ويقول لنا هناك أن «الرزق رزقان رزق تسعی إليه ورزق يسعی إليك» وهذا قول حكيم لأنه لا يدعو إلی الكسل وانتظار الرزق من الله، بل يقول أن السعي يزيد الرزق ولكن يجب علی المرء ألاّ يشتغل بجميع جوارحه بالسعي وراء الدنيا فيغفل عن العمل الصالح.

  سبق إيراد قوله عليه السّلام: «إن من أصبح يشكو مصيبة نزلت به فقد أصبح يشكو ربه».

  والآن نضم إلی ذلك قوله: «ولا يحمد حامد إلاّ ربه، ولا يلم لائم إلاّ نفسه». إن النص الأول يدعونا إلی عدم شكوی الزمان، لأن الزمان يجري كما قضی الله وقدر فثورتنا عليه ليست إلاّ ثورة علی قضاء الله وقدره، أما النص الثاني فإنه يدعونا إلی أن نعتقد أن الخير من الله، وأن الشر من أنفسنا أي أن الله أعطانا عقلاً نميز به بين الطريقين كما قال تعالی: (وَهَدَيْنَهُ النَّجْدَيْنِ)1 فإن سلكنا طريق الشر فلا نلم إلاّ أنفسنا. وإن سلكنا طريق الخير فلا نحمد إلاّ الله لأنه هو الذي أرشدنا.

 

2. علاقة الإنسان مع نفسه

(أ) قال في وصيته إلی ابن أبي بكر: «... فأنت محقوق أن تخالف علی نفسك» أي أن تخالف هواك وتحكم عقلك. ثم قال في موضع آخر: «من كان له من نفسه واعظ، كان عليه من الله حافظ». وأوضح ذلك الرأي بموضع ثالث بقوله: «من لم يعن نفسه حتی يكون له منها واعظ وزاجر، لم يكن له من غيرها زاجر ولا واعظ».

  لقد عرف الإمام علي أن بالنفس نوازع شرو نوازع خير فدعا إلی التشديد عليها حين تأمر بالسوء واستعان عليها بالله في قوله: «والله المستعان علی نفسي وأنفسكم» ثم اعتمد علی الضمير اليقظ وأهاب بنا أن نقويه فإنه عاصمنا ومنه المزدجر. وقد زاد من عنايته بالتدريب النفسي أنه اعتقد أن الطباع كسبية فقال: «إن لم تكن حليماً فتحلّم فإنه قل ما تشبه بقوم إلاّ أوشك أن يكون منهم» وأنه اعتقد أن الإنسان مفطور علی الخير وأن الخير في عودته لفطرته فقال: «الله بعث في الناس رسله وواتر إليهم أنبياءه ليستأدوهم ميثاق فطرته» فمهمة الأنبياء عنده أعادتنا إلی الفطرة التي فطرنا عليها.

  (ب) ونلاحظ أنه أكثر من النهي عن «الإمل» لا الأمل الذي نعرفه والذي حثَّ الله عليه بل أوجبه في ذكر أقواله تعالی: (لَا يَاْيْئَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلاّ الْقَوْمُ الْكَفِرُونَ)2 وإنما الأمل بمعنی الاعتماد علی طول الأجل، وارتكاب المحرمات، وإرجاء الفراض اعتماداً علی ذلك وهذا رأي نشاركه كلنا فيه فإن كل ما بالعالم يمر في سرعة وثابة وما أنصف ولا أصاب من يبذر في صحته أو ماله اعتماداً علی وفرة صحته أو ماله ولا من يؤجل العمل انتظاراً للغد. فإن الغد يمر ونمر معه، وإذن فما أحرانا أن نعمل بنصيحة الإمام القائلة: «وبادروا أجالكم بأعمالكم» وأن نتدبر قوله: «إن أخوف ما أخافُ عليكم اتباع الهوی وطول الأمل».

  (جـ) لم أكد أبدأ الكتابة في علاقة الإنسان بربه حتی شعرت بنحولة الفاصل بين هذا القسم والقسمين الأخيرين، وها أنذا الآن أشعر بهذه النحولة أيضاً: فها هي حكم ووصايا تدخل في سلوك المرء مع نفسه وتدخل في سلوكه مع غيره كقوله: «قرنت الهيبة بالخيبة والحياء بالحرمان والفرصة تمر مر السحاب فانتهزوا فرص الخير» ومثل قوله: «امش بدائك ما مشی بك» وقوله: «الصبر صبران: صبر علی ما تكره وصبر علی ما تحب» وقوله البليغ: «أفضل الزهد إخفاء الزهد» ونهيه: «وإياك والإعجاب بنفسك والثقة بما يعجبك منها وحب الإطراء فإن ذلك من أوثق فرص الشيطان في نفسه ليمحق ما يكون من إحسان المحسنين» فإن دعوته إلی الشجاعة والجرأة وانتهاز فرص الخير وتحمل الداء وعدم الاستنامة إليه، والصبر بنوعيه، وإخفاء الزهد أي الزهد في سبيل التظاهر والزهد بالقلب مع مواصلة العمل والجهاد، ونهيه عن الإعجاب بالنفس وحب الثناء، كل هذه العهود يتناولها المرء بينه وبين نفسه وبين غيره، أما أمره: «ولا تتمن الموت إلاّ بشرط وثيق» أي لا تعرض نفسك للهلاك إلاّ أن تقضي غاية سامية وضرورة لازمة، فإنه أدخل في نطاق المعاملة النفسية.

 

3. علاقة المرء مع غيره

إذا كان علي عليه السّلام قد وضع لنا هذه القاعدة النبيلة في قياس الفضيلة والخير وهي: ألاّ نعمل في السر ما نخجل من عمله في العلن حيث قال: «واحذر كل عمل يعمل به في السر ويستحی منه في العلانية» فإنه قد حبانا أيضاً بمقياس نبيل لأعمالنا تجاه الآخرين في قوله الخالد: «يا بني اجعل نفسك میزاناً فیما بینـﻚ وبین غیرﻙ فاحبب لغیرﻙ ما تحب لنفسـﻚ واكره له ما تكره لها ولا تظلم كما لا تحب أن تُظلم» ولو اتبع البشر هاتين النصيحتين لامتنع الظلم والشر جميعاً، غير أنه يمكن أن نلاحظ ملاحظة متواضعة علی النصيحة الأولی: تلك أن نظرة المجتمع قد تتغير نحو بعض الفضائل أو الرذائل فإذا كان ما يستحی من عمله يعمل علی رؤوس الأشهاد فهل الفضائل خالدة؟ أم هي يجري عليها ناموس التطور؟ وهل يطيع نصيحة الإمام أم لا يطيعها رجل يحتسي الخمر علی قارعة الطريق غير خجل لكثرة من يحتسونها؟ أما أنا فأميل إلی القول بأن الفضائل خالدة، وأن الكذب لن يكون فضيلة لأن الناس يكذبون، بل الفضيلة فضيلة والرذيلة رذيلة ولن يزال راكبها يشعر في نفسه بالتضاؤل وبنوع من الحياء لا حين يلقی أمثاله ولكن حين يلقی الأخيار.

  وما لي أذهب بعيداً؟ إن الإمام يفسر لنا ذلك في موضع آخر حيث يقول في بيان شاف: «إن المؤمن يستحل العام ما استحل عاماً أول ويحرم العام ما حرم عاماً أول وإن ما أحدث الناس لا يحل لكم شيئاً مما حرَّم الله عليكم، ولكن الحلال ما أحلَّ الله والحرام ما حرَّم الله».

  (ب) وإذا ذكرنا تطور الفضائل وخلودها فلنستعرض رأي الإمام القائل: «اقدموا علی الله مظلومين ولا تقدموا علی الله ظالمين». إن من الناس من لا يرُيد أن يسلم بأن الانظلام فضيلة:

ومن لم يذد عن حوضه بسلاحه

يهدم ومن لا يظلم الناس يظلم

  وربما مال أيضاً إلی أن يقول مع هيغل: «إن ظفر شعب هو البرهان القوي علی حقوقه» غير أن عبارة الإمام إنما يراد بها مبالغة في التنفير من الظلم.

  (جـ) ولقد دعاء الإمام إلی التعاون دعوة صريحة في عبارة نبيلة حيث قال يودع جنوداً ذاهبين للقتال: «وأي امریء منكم أحسّ من نفسه رباطة جأش عند اللقاء ورأی من أحد إخوانه فشلاً، فليذب عن أخيه بفضل نجدته التي فضل بها عليه كما يذب عن نفسه فلو شاء الله لجعله مثله». وما أوصی به الإمام جنود جيشه يصح أن يستوصي به جنود الحياة. إن الغني لو ذبَّ عن الفقير بفضل ماله الذي فضل به عليه والعالم لو ذب عن الجاهل بفضل علمه والحكيم لو أرشد السفيه بفضل حكمته، لو كان هذا سبيل الناس في الحياة، لانتصر جيشهم علی آلام الحياة القابلة للانهزام. إن الإمام لا يزال يلح في دعوته إلی التعاون، وأنه ليسوقها هنا في منطق واضح وحجة لازمة: «أيها الناس إنه لا يستغني الرجل وإن كان ذا مال عن عشيرته ودفاعهم عنه بأيديهم وألسنتهم» «ألا لا يعدلن أحدكم عن القرابة يری بها الخصاصة أن يسدها بالذي لا يزيده إن أمسكه ولا ينقصه إن أهلكه، ومن يقبض يده عن عشيرته فإنما تقبض منه عنهم يد واحدة، وتقبض منهم عنه أيدٍ كثيرة». إن الإنسان مدني بالطبع أو هو كما وصفه فيلسوف اليونان «حيوان اجتماعي» ولهذا دعا الإمام دعوته.

  (د) وقد تكررت دعوة الإمام هذه في صورة أخری في حثه علی الصدقة بقوله البليغ: «وإذا وجدت من أهل الفاقة من يحمل زادك إلی يوم القيامة فيوافيك به غداً حين يحتاج إليه فاغتنمه وحمّله إياه». وبوصيته: «إن اللسان الصالح ـ أي الذكری الطيبة ـ يجعله الله للمرء في الناس خير له من المال يورثه من لا يحمده». وفي تذكيره بفريضة الزكاة في قوله: «إن الله سبحانه فرض في أموال الأغنياء أقوات الفقراء فما جاع فقير إلاّ بما مُتَّع به غني والله تعالی سائلهم عن ذلك». وقد بلغ من تقريره للتعاون ولأثر الزكاة والإحسان في إسعاد إفراد المجتمع جميعاً أنه استنَّ تشريعاً طريفاً بقوله: إن الرجل إذا كان له الدين الظنون يجب عليه أن يزكيه لما مضی إذا قبضه» أي أن من كان له دين ولم يكن واثقاً أن مدينه سيرده إليه سالماً، ثم رده إليه بعد عامين مثلاً، وجب عليه أي علی صاحب المال الدائن أن يدفع للفقراء زكاة هذا المال للسنتين الماضيتين. ولست أعرف حكم الشريعة الإسلامية في هذا. ولكني ألاحظ أن رأي الإمام وجيه إذا اعتبرنا أن المال صار بالنسبة للدائن مفقوداً بوجوده عند من لا يثق به. فإذا عاد إليه فكأنما عثر علی كنز غير منتظر. وإذاً فليس كثيراً أن يدفع منه شيئاً للفقراء إن لم يكن زكاة عنه فشكراً لله عليه. «ومن كثرت نعم الله عليه كثرت حوائج الناس إليه» كما قال الإمام وكما قال شكسبير: «إن التشاريف العظيمة أحمال عظيمة».

  (هـ) لقد زهد الإمام بهذه الدنيا وأهاب بها أن تغر غيره. بل لقد زمجر منها في صرخته: «والله لو كنت شخصاً مرئياً وقالباً حسّياً لأقمت عليك حدود الله في عباد غررتهم بالأماني وألقيتهم في المهاوي» هكذا كانت نظرته الصادقة إلی الحياة فلا عجب أن يمتلأ قلبه بالعطف علی الناس وأن يدعو إلی إنقاذ الضعفاء وعدم خزن المال بكلمته الرهيبة: «يا ابن آدم ما كسبت فوق قوتك فأنت فيه خازن لغيرك».

  إن الشعور السائد علی نهج البلاغة كله هو شعور التنديد بالتهالك علی الدنيا: «وحفظ ما في يديك أحب إِلَّي من طلب ما في يد غيرك... فاخفض في الطلب وأجمل المكتسب فإنه رب طلب قد جرَّ إلی حرب.. فليس كل طالب بمرزوق ولا كل مجمل بمحروم». هذه وصاياه ولكنه لا يدعو إلی الزهد الذي ينافي الدين والحياة. فهو يعمل ويحارب. ولكن علی أرض الشرف ولغاية نبيلة.

  (و) إن ما مرَّ بنا من دعوته إلی التعاون والإحسان ووفاء الزكاة ليس إلاّ بعض دعوته إلی «الحب العام» فإن قلبه النبيل قد غمر بهذه العاطفة الشريفة وثبتها إيمانه القوي المنقطع النظير وليس غريباً ممن صادق النبي ـ والأصدقاء قليل ـ وشاطره آلامه وجهاده، فشعر بحلاوة الصداقة. ومن عانی من الحسد والحقد اللذين دفعا معاوية وغيره لمناوأته. ومن خبر تأثير التخاذل والتباغض حين خرج الخوارج وتخاذل قومه، ليس غريباً علی من هذا شأنه أن يهيب بنا: «ولا تحاسدوا فإن الحسد يأكل الإيمان كما تأكل النار الحطب ولا تباغضوا فإنها الحالقة». وأن يقول: «صحة الجسد من قلة الحسد» ذلك القول الذي تؤيده ملاحظتنا اصفرار الوجه ونحوله فيمن عرفوا بالحقد. وأن يقسم لنا: «والذي وسع سمعه الأصوات ما من أحد أودع قلباً سروراً إلاّ وخلق الله من ذلك السرور لطفاً فإذا نزل به نائبة جری إليها كالماء في انحداره حتی يطردها عنه كما تطرد غريبة الإبل» وأن يوصينا خيراً بجيرتنا قائلاً: «الله الله في جيرانكم فإنها وصية نبيكم، ما زال يوصي بهم حتی ظننا أنه سيورثهم».

  (ز) قلت أنه قد عرف الصداقة في نفسه وخبرها فلنستمع إلی وصاياه بصددها. لقد بالغ في طلب الحرص علی الصديق الوفي حتی قال: «ولا يكن علی مقاطعتك أقدر منك علی صلته» وأوصی بالبحث عن الرفيق قبل الطريق. وحمد الذين «يتواصلون بالولاية ويتلاقون بالمحبة» ودعا إلی عدم الكلفة بين الأصدقاء بقوله: «شر الأخوان من تكلف له» ولكنه نصح أيضاً بعدم الاندفاع في حب الصديق أو بغض العدو بقوله: «أحبب حبيبك هوناً ما، عسی أن يكون بغيضك يوماً ما، وابغض بغيضك هوناً ما، عسی أن يكون حبيبك يوماً ما» ولقد نتساءل كيف يشك الإنسان في صديق وفي خيره فيحتاط في صداقته وكيف تستقيم صداقة مع تحوط. ولكنا لا يصعب علينا أن نعرف ما حمل الإمام علی قول ذلك فقد عانی من تقلب الأصحاب وانشقاق الأخوان ما عانی. ولعلَّ هذا العناء هو ما دفعه ـ ولنقل ذلك ونحن بمعرض آرائه في الصداقة ـ إلی أن يقول: «الوفاء لأهل الغدر غدر عند الله والغدر بأهل الغدر وفاء عند الله» إن هذه الكلمة القوية ما كانت لتصدر من ذلك القلب الوادع المسالم لولا أن أصابته شظايا الغدر فثار.

(حـ) دعا الإمام إلی القصد في الحب والبغض، وهذه الدعوة تذكرنا بدعوات له أُخر تحثّ كلها علی الاعتدال وعدم الاندفاع، وليس أبلغ من قوله في الحدة أنها: «ضرب من الجنون مستحكم» وقوله الذي يذكرنا بنظرية الأوساط، وبالمثل الفرنسي:.les deux extremes se touchent

  وهو: «اليمين والشمال مضلة، والطريق الوسطی هي الجادة» وقد أنذر بأنه سيهلك فيه صنفان: «محب مفرط يذهب به الحب إلی غير الحق ومبغض مفرط يذهب به البغض إلی غير الحق»، وهذه الكلمات هي، بجانب دعوتها إلی القصد، دعوة إلی الخصومة الشريفة ونزع الهوی الشخصي عند مناقشة أعمال الحكام والسواس.

  (ط) ما كان نهج البلاغة وقد ضمَّ بين دفتيه هذه الآراء الاجتماعية الكثيرة ليغفل «المرأة» وشأنها في المجتمع. ولقد عبَّر الإمام عن رأيه فيها بوضوح، فإذا به رأي قاس لا يقل قسوة وعنفاً عن رأي «شوبنهور» فيها وذلك الرأي يتلخص في قوله: «المرأة شرٌّ كلها وشرٌّ ما فيها أنه لا بدَّ منها» وهكذا ذهب في موضوع آخر إلی أن «خيار خصال النساء شرار خصال الرجال» وهذا القول قد يحمل علی أن ما يستحب في النساء لا يستحب في الرجال. ولكن هذا الاحتمال لا يؤثر في الموضوع، فرأي الإمام في المرأة واضح وقد نعتها في موضع ثالث بأنها: «عقرب حلوة اللبسة». ثم دعا الناس إلی أن يتقوا شرار النساء ويكونوا من خيارهن علی حذر وألاّ يطيعوهن في المعروف حتی لا يطمعن في المنكر، وبمثل هذا نهی في موضع آخر عن التمكين لهن والسماح لهن بالتشفع والرجاء في أمور الناس. والذي نلاحظه أنه علیه السلام قد سلَّم بأن بين النساء خياراً بدليل قوله: «وكونوا من خيارهن علی حذر» فهويتهم الطبيعة النسوية علی العموم ويخشی أن تتغلب علی خيار النساء فيصبحن شريرات.

  (ي) لم يكن رأي الإمام في النساء صادراً عن تعصب جنسي، فإن المعركة لم تكن قد نشبت بعد بين النساء والرجال، وما كان علي ليتعصب وهو الذي ذم العصبیة في الخطبة «القاصعة» وردَّ أصلها إلی تعصب إبليس للنار ضد الطين: «أما إبليس فتعصب علی آدم لأصله وطعن عليه في خلقه» فقال: «أنا ناري وأنت طيني» وأما الأغنياء من مترفة الأمم فتعصبوا لآثار مواقع النعم فقالوا: «نحن أكثر أموالاً وأولاداً وما نحن بمعذبين» «فإن كان لا بدَّ من العصبیة فليكن تعصبكم لمكارم الخصال ومحامد الفعال». وليست الدعوة ضد العصبية دعوة هينة فالعصبية سبب لمصائب كثيرة كان منها حروب كثيرة أثارها التعصب للجنس أو الدين أو اللون أو المذهب أو الوطن. ولعلَّ مما يبين كراهيته علیه السلام  للتعصب، وهو حقيق أن يكره التعصب لما ذاق من تعصب أهل الشام لمعاوية، قوله: «ليس بلد بأحق منك من بلد، خير البلاد ما حملك».

  (ك) وقد نهی علیه السلام عن الغش في المكاييل، وعن احتكار التجارة وقبح الغيبة بتحليل بديع قائلاً: «وإنما ينبغي لأهل العصمة والمصنوع إليهم في السلامة أن يرحموا أهل الذنوب والمعصية ويكون الشكر هو الغالب عليهم والحاجز لهم عنهم، فكيف بالعائب الذي عاب أخاه وعيره ببلواه.. وأيم الله لئن لم يكن عصاه «عصی الله» في الكبير وعصاه في الصغير لجرأته علی عيب الناس أكبر.. فليكفف من علم منکم عيب غيره لما يعلم من عيب نفسه وليكن الشكر شاغلاً له عن معافاته مما باتلي به غيره».

  وكذلك دعا إلی الاتحاد قائلاً: «وإياكم والفرقة فإن الشاذ من الناس للشيطان كما أن الشاذ من الغنم للذئب»، ونهی عن البدعة في قوله: «وما أحدثت بدعة إلاّ ترك بها سنة فاتقوا البدع، والزموا المهيع، وحذَّر من تعلم النجوم: «إلاّ ما يهتدی به في بر أو بحر فإنها تدعو إلی الكهانة، والمنجم كالكاهن والكاهن كالساحر والساحر كالكافر والكافر في النار».

  (ل) إن من تحصيل الحاصل أن نقول أن الإمام دعا إلی اتباع الحق، وإنما الذي نريد هو أن نری فهمه للحق كيف كان، وأن نری نسبة هذا الفهم إلی نظريات أخری في الحق.

  يقول «اهرنغ» وغيره من متشرعي الألمان الذين تأثروا بمبدأ فناء الفرد في الدولة: إن الحق هو ما جعلته الدولة حقاً، ويقول الواقعيون: إن الحق ليس إلاّ من وضع الإنسان ولم يخرج تكييفه عن إرادته وهواه ويقول اهرنغ أيضاً: «إن أساس الحق ليس فكرة منطقية وإنما هو القوة ويقول هيغل: «إن ظفر شعب هو البرهان القوي علی حقوقه».

  هذا هو رأي فريق من العلماء في الحق ومقياسه وهو رأي خطر وقد اتهمه الفرنسيون بأنه سبب الحرب العالمية، واتهموا الألمان لأنهم أنصاره ومروجوه. وهو رأي يعارضه فريق كبير من العلماء والناس، وقد كان «قوبيه» لسان هذه المعارضة في قوله: «الحق فكرة تتوجه نحو المستقبل وأساسها الضمير الإنساني والشعور بالمساواة والحرية للجميع، ورأي «باسكال» أن القوة يجب ألا تستعمل إلاّ لخدمة الحق: «علينا أن نحمل العدالة والقوة معاً وإنما «لا نقصد إلاّ ما كان حقاً، ولا نستعمل القوة إلاّ لتوطيد الحق».

  هذان هما الرأيان المتعارضان فإلی أيهما ينتمي رأي الإمام علي؟ لسنا محتاجين إلی أقل تفكير للقول أن رأيه هو الثاني. قال الإمام علي: «حق وباطل ولكل أهل، فلئن أمر الحق لقديماً فعل، ولئن كثر الباطل فربما ولعل، ولعل ما أدبر شيء فأقبل» وهذا النص واضح صريح في أن الإمام لا يری كثرة الباطل تجعله حقاً، بل ينتظر أن تزول دولته قائلاً أن الشيء قد يدبر فيقبل، أي أنه مؤمن بخلود الحق وهو القائل في غير نهج البلاغة: «دولة الظلم ساعة ودولة العدل إلی قيام الساعة» وقد تروی «دول الباطل ودولة الحق» لأنهم لم يفرقوا كثيراً بين العدل والحق.

  أما نظرية الحق والدولة فهي منافية لرأي الإمام بالطبع ما دام يعتبر الحق خالداً، وهو لا يفتأ ينهی الولاة عن ظلم الرعية ويدعوا إلی المساواة والشوری والتمسك بكتاب الله وسنة رسوله. أي أنه لا يری للحاكم حق اختراع الحقوق ولا يری الحق كما رآه الواقعيون من وضع الإنسان. ولا يری انتصار شعب برهاناً علی حقوقه بل يقول: «إن الله لم يقصم جباري دهر قط إلاّ بعد تمهيل ورخاء. ولم يجبر عظم أحد من الأمم إلاّ بعد ذل وبلاء».

  وإذا كان اتفق مع القائلين بأن الحق أزلي وبأنه تراعی فيه مصلحة الفرد ومصلحة الجماعة. فإنه اتفق مع رأي باسكال القائل باستعمال القوة لتوطيد الحق فالإمام يقول: «وإني لراضٍ بحجة الله عليهم وعلمه فيهم فإن أبوا أعطيتهم حد السيف وكفی به شافياً من الباطل وناصراً للحق». وخاطبه قوم في عقاب قاتلي عثمان، فقال إن الحكمة تقضي بالتريث حتی يستتب الأمر «وإذا لم أجد بداً فآخر الدواء الكي» أي القتل والحرب يستعملهما حين تفشل وسائل السلم، وحين يرفض خصومه الاحتكام إلی الله.

  يقول فريق من الناس أن الحق قد يتعدد، فأنا أظن الأمر وأنت تظن نقيضه، ولكني محق وأنت مثلي محق، ويقول آخرون أن الحق واحد لا يتعدد، وقد أخذ الإمام بهذا الرأي الأخير فقال: «ما اختلفت دعوتان إلاّ كانت إحداهما ضلالة».

 

4. سياسة الدولة

إن للإمام آراء قيمة محكمة في طبيعة الحكم، وسياسته، ومهمة الحاكم، وكيفية انتقاء القضاة، وتقسيم العمل، ومهمة العلماء إلی غير ذلك، وقد جمعت رسالته إلی الأشتر النخعي كثيراً من الأمور، ولكنها ليست الوعاء الوحيد الذي ننشد فيه ذلك الحكم فنقصر بحثنا عليها.

(أ) قال: «لا بدَّ للناس من أمير برٍ أو فاجر يعمل في أمرته المؤمن، ويستمتع فيها الكافر ويبلغ الله فيها الأجل ويجمع به الفيء ويقاتل به العدو وتؤمن به السبل ويؤخذ به للضعيف من القوي حتی يستريح بر ويستراح من فاجر» وهذا كما نری رأي يعاكسه الفوضويون اليوم وقد عاكسه الخوارج بالأمس، ولكن ما كان لعلي الحكيم الذي اعتنق دين النظام صبياً أن يدعو بدعوتهم لقد عرف أن النظام هو كفيل النجاح، وتألم وشكا قومه لأن: «المعروف عندهم ما عرفوا والمنكر عندهم ما أنكروا، مفزعهم في المعضلات إلی أنفسهم وتعويلهم في المهمات علی آرائهم، كأن كل امریء منهم إمام نفسه قد أخذ منها فيما يری بعری ثقات وأسباب محكمات».

  (ب) وإذا كان قد مقت الخروج عما يمكن أن نسميه «الشرعية» فإنه كذلك قد مقت أيضاً الاختلاف بين الفقهاء والمفسرين في الفتيا قائلاً: «ترد علی أحدهم القضية في حكم من الأحكام فيحكم فيها برأيه، ثم ترد تلك القضية بعينها علی غيره فيحكم فيها بخلافه ثم يجتمع القضاة بذلك عند الإمام الذي استقضاهم فيصوب آراءهم جميعاً وإلههم واحد ونبيهم واحد وكتابهم واحد».

وليس يصعب علينا أن نلمح أن الذي استفزه إلی هذا الانتقاد هو رغبته في النظام وفي توحيد القضاء.

(ج) وإذا كان قد دعا إلی «الشرعية» وعدم تشعب الآراء واستقلال كل برأيه، فليس معنی هذا أنه دعا إلی الاستبداد والحكم المطلق، بل علی العكس لا نزال نسمعه يلح بالدعوة إلی الشوری، فيقول لنا: «من استبدَّ برأيه هلك ومن شاور الرجال شاركها في عقولها» ويكرر ذلك في أماكن أخری وبألفاظ كثيرة.

وقال في كتاب لأحد ولاته: «وإن ظنت الرعية بك حيفاً فاصحر لهم بعذرك واعدل عنك ظنونهم بأصحارك فإن في ذلك رياضة منك لنفسك ورفقاً برعيتك وأعذاراً تبلغ به حاجتك من تقويمهم علی الحق».

وهذه الكلمات كبيرة حكيمة، فيها نوع من المسؤولية الوزارية كما نعرفها ونسميها وفيها أيضاً بيان لحكمتها فهي تزيل شكوك الرعية ثم هي رياضة للنفس علی تقبل النقد وعدم الإزورار منه، وعلی التدقيق في الأعمال علماً بأن هناك من سيحاسب عنها.

إن النزعة الديمقراطية في نهج البلاغة أبين من أن تحتاج إلی بيان: فها هو يأمر الوالي بأن يجلس لذوي الحاجات دون جند أو حرس لكيلا یتعتعوا في توضيح مسائلهم.

بل قد فضل العامة علی الخاصة وإن سخط الخاصة فقال: «إن سخط العامة يجحف برضی الخاصة، وإن سخط الخاصة يغتفر مع رضا العامة، وليس أحد من أثقل علی الوالي الرعية مؤونة في الرخاء وأقل معونة له في البلاء، وأكره للإنصاف وأسأل بالإلحاف وأقل شكراً علی الإعطاء، وأبطأ عذراً عند المنع، وأضعف صبراً عند ملمات الدهر من أهل الخاصة وإنما عماد الدين وجماع المسلمين والعدة للأعداء، العامة من الأمة فليكن صغوك لهم وميلك معهم». وهذا كلام صريح في تفضيلهم والاعتماد عليهم، وأنا شخصياً أميل إلی الظن بأن هذا الكلام كان له تأثير في سلوك بعض زعمائنا الذين عرفوا بميلهم إلی الإمام علي والتشبه بكلامه في أكثر من موضع. ولن أطيل في تفصيل هذه الديمقراطية، ولنردد في سرور قول الإمام الجامع: «إن أعظم الخيانة خيانة الأمة وأفظع الغش غش الأئمة» وقوله الذي يذكرنا بالقول السائر: صوت الشعب من صوت الله «إنما يستدل علی الصالحين بما يجري الله لهم علی ألسن عباده».

(هـ) وإذا كان الإمام قد أخذ بالديمقراطية كما وضح فمن الطبيعي أن نراه نصير الحرية يهيب بابنه «ولا تكن عبد غيرك وقد خلقك الله حراً» وأن نراه رفع لواء المساواة لا يزال يذكرها ويوصي بها ويقول لمن يوليه «وآس ـ وساو ـ بينهم في اللحظة والنظرة حتی لا يطمع العظماء في حيفك لهم ولا ييأس الضعفاء من عدلك عليهم». ويقول في موضع آخر: إن المال لو كان ماله لساوی بين الناس فكيف والمال مال الأمة؟.

(و) ولكن للجمهور سيئاته كما أن له حسناته فلنسمع كلمة الإمام في الغوغاء. قال: «الناس ثلاثة فعالم رباني، ومتعلم علی سبيل نجاة، وهمج رعاع اتباع كل ناعق يميلون مع كل ريح، لم يستضيئوا بنور العلم ولم يلجأوا إلی ركن وثيق». ووصف الغوغاء في موضع آخر من أنهم من إذا اجتمعوا غلبوا وإذا تفرقوا نفعوا لأن كل صانع ينصرف إلی عمله فيحصل النفع، وقد وضع الإمام اصبعه علی آفة وطبيعة من آفات وطبائع الجماهير هي سرعة التقلب، تلك الخاصة الجماهيرية التي وضحها شكسبير أبلغ إيضاح في «يوليوس قيصر» وكذلك أصاب في أن اجتماعها غلبة وتفرقها ضياء وفي أن اجتماعها قد يكون في بعض الأحايين مجلبة للضرر، كما أن تفرقها مجلبة للنفع لانصراف كل عامل إلی عمله، وهذه النظرة إلی الجماهير قد تبدو متعارضة بعض التعارض مع ما سبق من رأيه فيهم ولكن بيان نقص الغوغاء لا يستلزم استبعاد رأيهم.

(ز) عرض عليه السّلام الصفات الواجب توفرها في الإمام فقال: «من نصب نفسه للناس إماماً فليبدأ بتعليم نفسه قبل تعليم غيره وليكن تأديبه بسيرته قبل تأديبه بلسانه» وذم العلماء الذين لا يعملون بعلمهم في أكثر من موضع. وحدد العلاقة بين الراعي والرعية فقال:

«أيها الناس إن لكم علَّي حقاً ولي عليكم حق، فأما حقكم علَّي فالنصيحة لكم وتوفير فيئكم عليكم وتعليمكم كيلا تجهلوا تأديبكم كيما تعلموا، وأما حقي عليكم بالوفاء بالبيعة والنصحية في المشهد والمغيب والإجابة حين أدعوكم والطاعة حين آمركم». ولنلاحظ هنا أنه يجعل من حقه علی الشعب أن ينصحه الشعب وهذا مبالغه في السعي وراء الكمال وكم هو نبيل قوله لقومه رداً علی من أثنی عليه: «فلا تكلموني بما تكلمون به الجبابرة، ولا تتحفظوا مني بما يتحفظ به عند أهل البادرة ولا تخالطوني بالمصانعة ولا تظنوا بي استثقالاً في حق قيل لي ولا التماس إعظام لنفسي فإنه من استثقل الحق أن يقال له والعدل أن يعرض عليه كان العمل بهما أثقل عليه، فلا تكفوا عن مقالة بحق أو مشورة بعدل فإني لست بنفسي بفوق أن أخطیء».

وذم خلة الغدر فقال: «والله ما معاوية بأدهی مني ولكنه يغدر ويفجر ولولا كراهية الغدر لكنت من أدهی الناس، ولكن لكل غدرة فجرة ولكل فجرة كفرة ولكل غادر لواء يعرف به يوم القيامة». فأمير المؤمنين إذن علی خلاف مع «أمير» مكيافلي.

وأدلی علي بآراء قيمة فيما يجب في الولاة فقال إنهم ملزمون بأن يعيشوا عيشة جمهور الشعب «لكيلا يتبيغ بالفقير فقره» أي ليكلا يسخط الفقير لفقره وليتعزی بحال أميره: «أأقنع من نفسي بأن يقال أمير المؤمنين ولا أشاركهم مكاره الدهر أو أكون لهم أسوة في جشوبة العيش؟‌».

ونصح علي الولاة بقوله مؤكداً لأحدهم: «ولا يطولن احتجابك عن رعيتك» وتلك نصيحة حق فإن كثرة ظهور الحاكم بين الرعية استئلاف لقلوبها وإشهار لها بأن الحاكم مهتم بمصالحها، ثم هو منير للحاكم سبيل حكمه ومعطيه الصورة الواضحة لحال شعبه فيعمل علی نورها.

وقال: «إنه ليس شيء أدعی إلی حسن ظن راع برعيته من إحسانه إليهم» أي أن الراعي حين يحسن لرعيته يطمئن قلبه ويأمن خيانتهم.

وأمر باحترام التقاليد الشعبية فكان حكيماً بعيد النظر «ولا تنقض سنة صالحة عمل بها صدور هذه الأمة واجتمعت بها الألفة وصلحت عليها الرعية».

ووجه علي نصيحة غالية كل الغلو صادقة كل الصدق في قوله: «إن شر وزرائك من كان للأشرار قبلك وزيراً ومن شاركهم في الآثام فلا يكونن لك بطانة فإنهم أعوان الأثمة وإخوان الظلمة وأنت واجد منهم خير الخلف ممن له مثل آرائهم ونفاذهم وليس عليه مثل آصارهم وأوزارهم... ثم ليكن آثرهم عندك أقولهم بمر الحق لك» ونظرية علي صحيحة تماماً فإن من أثم فيما مضی لا يؤمن إثمه فيما حضر، ومن اتصل بالظلمة بالأمس لا يؤمن اتصاله بهم اليوم وأعانتهم علی كيدهم بماله من سلطة الوزارة. وكان حكيماً في قوله: «فالبس لهم جلباباً من اللين تشوبه بطرف من الشدة وداولهم بين القسوة والرأفة».

وأمر الوالي أن لا يرغب عن رعيته «تفضيلاً بالإمارة عليهم فإنهم الأخوان في الدين والأعوان علی استخراج الحقوق» ثم قال له: «وإنا موفوك حقك فوفهم حقوقهم وإلاّ فإنك من أكثر الناس خصوماً يوم القيامة بؤساً لمن خصمه عند الله الفقراء والمساكين». ودعاه إلی أن يساوي نفسه بهم فيما الناس فيه سواء وهذا القيد يظهر بعد نظره وفهمه لحقيقة المساواة الممكنة.

ودعا إلی تشجيع المحسن وعقاب المسيء قائلاً: «ولا يكونن المحسن والمسيء عندك بمنزلة سواء». ولفت نظر جباة الضرائب إلی الرفق بالأهلين وعدم بيع شيء ضروري ـ وهذا ما فعلته القوانين الحديثة إذ منعت الحجز علی لملابس ومرتبات الموظفين ـ وبالغ في الرفق الحكيم فقال: «فإن شكوا ثقلاً أو علة أو انقطاع شرب أو بالة أو إحالة أرض اغتمرها غرق أو أجحف بها عطش، خففت عنهم بما ترجو أن يصلح به أمرهم، ولا يثقلن عليك شيء خففت به المؤونة عنهم فإنه ذخر يعودون به عليك في عمارة بلادك وتزيين ولايتك مع استجلابك حسن ثنائهم» وهذا بعد نظر حكيم وسياسة مالية محكمة تزيد وضوحاً في قوله: «وليكن نظرك في عمارة الأرض أبلغ من نظرك في استجلاب الخراج لأن ذلك لا يدرك إلاّ بالعمارة ومن طلب الخراج بغير عمارة أخرب البلاد وأهلك العباد»، وإذا تذكرنا ما جرَّ التعسف في جبي الضرائب في فرنسا وولايات تركيا وغيرها عرفنا قيمة هذه النصيحة التي يؤيدها المنطق ويسندها التاريخ.

(حـ) وقد أدی بعد نظر الإمام به إلی أن يدعو إلی تقسيم العمل، ذلك المبدأ الذي لم نعرفه إلاّ حديثاً فقد قال ناصحاً: «واجعل لكل إنسان من خدمك عملاً تأخذ به فإنه أحری ألا يتواكلوا في خدمتك» وقال من رسالة إلی الأشتر النخعي أيضاً: «واعلم أن الرعية طبقات لا يصلح بعضها إلاّ ببعض ولا غنی ببعضها عن بعض فمنها جنود الله ومنها كتاب العامة والخاصة ومنها قضاة العدل ومنها عمال الإنصاف والرفق ومنها أخل الجزية والخراج من أهل الذمة ومسلمة الناس ومنها التجار وأهل الصناعات ومنها الطبقة السفلی من ذوي الحاجة والمسكنة، وكلاً قد سمی الله سهمه» ثم فصل بعد ذلك وظيفة كل فرقة.

وتمشياً مع قاعدته في تقسيم العمل واختصاص كل بما يحسنه ردَّ علی من قال له: إنك تأمرنا بالسير إلی القتال فلم لا تسير معنا؟ إنه لا يجوز أن يترك مهماته من قضاء وإدارة وجباية ضرائب، وكذلك نصح عمر بألاّ يخرج للقاء الفرس بنفسه «لأن الأمير كالنظام من الخرز يجمعه» ولأنه إن خرج انتقضت عليه العرب من أطرافها.

(ط) إن هذا الإمام المجرب ما كان ليغفل الدعوة علی الاتعاظ بالتجارب في الحكم فها هو ذا يقول «إن الأمور إذا اشتبهت اعتبر آخرها بأولها» ويقول في مكان آخر: «استدل علی ما لم يكن بما كان» ثم يقول أيضاً: «العقل حفظ التجارب» ولست أحمل هذا القول الأخير أكثر مما يحتمل إذا قلت: أنه هو الرأي الفلسفي المعارض للرأي القائل بأن العقل يتفاوت عند الأشخاص بطبيعته. والذاهب علی العكس إلی أن العقل ليس إلاّ عمل التجارب والتهذيب. والدافع لحجة الرأي الأول القائلة بأنا لو ربينا أشخاصاً ذوي أعمار واحدة تربية واحدة في بيئة واحدة لنشأوا رغم ذلك مختلفي العقليات، بأنهم إنما يختلفون لسبق تأثرهم بمزاج وراثي مختلف.

(ي) وتكلم الإمام في رسالته إلی الأشتر (1) عن القضاة كلاماً قال عنه الأستاذ العشماري أستاذ القانون الدستوري بكلية حقوق القاهرة أن كلاماً غيره في أي دستور من دساتير العالم لم يفصل مهمة القضاة وطرق اختيارهم مثل ما فعل. قال الإمام: «ثم اختر للحكم بين الناس أفضل رعيتك في نفسك ممن لا تضيق به الأمور ولا تمحكه الخصوم ولا يتمادی في الزلة ولا يحصر من الفيء إلی الحق إذا عرفه ولا تشرف نفسه علی طمع ولا يكتفي بأدنی فهم دون أقصاه، وأوقفهم في الشبهات، وآخذهم بالحجج وأقلهم تبرماً بمراجعة الخصم وأصبرهم علی تكشف الأمور وأصرحهم عند اتضاح الحكم، ممن لا يزدهيه إطراء ولا يستميله إغراء، وأولئك قليل. ثم أكثر تعاهد قضائه وافسح له في البذل ما يزيل علته وتقل معه حاجته إلی الناس، واعطه من المنزلة لديك ما لا يطمع فيه غيره من خاصتك ليأمن بذلك اغتيال الرجال له عندك» وهذا دستور حكيم بل هو أحكم ما نعرفه وحسبه أنه انتبه إلی وجوب إجزال العطاء المالي للقضاة ليستغنوا بذلك عن الارتشاء وأنه شدد في إعطائهم منزلة قريبة من الوالي ليقطع بذلك الطريق علی الوشاة وليعمل القضاة في جو هادیء.

وفي غير هذه الرسالة ذم من يتصدی للحكم وليس أهلاً له قائلاً: «جلس بين الناس قاضياً ضامناً لتخليص ما التبس علی غيره فإن نزلت به إحدی المبهمات هيأ لها حشواً من رأيه ثم قطع به، جاهل خباط جهالات عاش ركاب عشوات تصرخ من جور قضائه الدماء وتعج منه المواريث إلی الله» وفي موضع آخر يقول: «لولا حضور الحاضر وقيام الحجة بوجود الناصر وما أخذ الله علی العلماء ألاّ يقاروا علی كظة ظالم ولا سغب مظلوم لألقيت حبلها علی غاربها» ومعنی هذا أن علی الخواص مهمة هي عدم الصبر علی الظلم بل مجاهدته ولو لم يقع عليهم.

(ك) وتكلم في سياسة الجند وأمر جيشه ألا يتتبع عند الفوز فاراً ولا يهين امرأة وإن سبته فإن النساء ضعيفات. وهذا دليل الخصومة الشريفة ونبل الخلق. وقال في عهده إلی الأشتر: «وليكن آثر رؤوس جندك عندك من واساهم في معونته وأفضل عليهم من جدته بما يسعهم ويسع من وراءهم من خلوف أهليهم حتی يكون همهم هماً واحداً في جهاد العدو فإن عطفك عليهم يعطف قلوبهم عليك، وإن أفضل قرة عين الولاة استقامة العدل في البلاد وظهور مودة الرعية. وإنه لا تظهر مودتهم إلاّ بسلامة صدورهم ولا تصح نصيحتهم إلاّ بحيطتهم علی ولاة أمورهم وقلة استثقال دولهم وترك استبطاء انقطاع مودتهم فأفسخ في آمالهم وواصل في حسن الثناء عليهم وتعديد ما أبلی ذوو البلاء منهم، فإن كثرة الذكر لحسن أفعالهم تهز الشجاع وتحرض الناكل إن شاء الله ثم اعرف لكل امریء منهم ما أبلی ولا تضيفن بلاء امریء إلی غيره ولا تقصرن به دون غاية بلائه ولا يدعونك شرف امریء إلی أن تعظم من بلائه ما كان ضعيفاً ولا ضعة امریء إلی أن تستصغر من بلائه ما كان عظيماً».

 

ختام

والآن وقد سرنا في نهج البلاغة شوطاً يغرينا بالاستزادة فلنقف، وإذا كان الإمام علي قد نهی قومه عن أن يمدحوه فلا يخافن اليوم اغتراراً وهو بعيد عن حياة الغرور، إن نحن انحنينا أمام عبقريته، لقد حبانا نهج البلاغة فأحسن ما حبانا، فلنطبق عليه قوله: «قيمة كل امریء ما يحسنه».

 

المصدر: دائرة المعارف الاسلامية الشيعية؛ السيد حسن الامين/ ج 1، صص: 278 ـ 269.

 

 

    1. عهد الإمام علي بن أبي طالب علیه السلام لمالك الأشتر يرسي بكل وضوح المعالم الأساسية لمهمات الحاكم وحقوق الرعية، وهي من المستمسكات التي قل التعامل معها وعرضها لجمهور المسلمين، وهذا ما يدفعنا لعرض بعض فقرات العهد.

  ولّی الإمام علي مالك الأشتر النخعي مصر عام 39 هجرية، وكتب له عهداً طرح فيه النظرية الإسلامية في كيفية إدارة البلاد وحكمها مبنية علی القواعد الإسلامية الأربع: الحرية والمساواة والعدل والشوری، وتضمن حوالي 94 بنداً تبين المرتكزات الأساسية للعهد، مثل واجبات الحاكم ومفهوم الأكثرية عند الأمام، والتجارة والصناعة والتنمية، وحقوق الفقراء، ومعاهدات السلام. إضافة لما تضمنه من القواعد التشريعية السياسية والإدارية والقضائية والمالية والنظريات الدستورية التي تضاهي أحدث القواعد حالياً، فقد عالج الإمام أنظمة حفظ التوازن الاجتماعي بين طبقات المجتمع الإسلامي التعددي خصوصاً في البلدان المفتوحة.

  يحدد الإمام علي في أول العهد السلطات الرئيسية التي يجب أن يضطلع بها الحاكم وهي مالية الدولة، الشؤون العسكرية، جهاز الدولة وملاكها الوظيفي، وأخيراً عمران البلاد، فيقول في بداية العهد: «هذا ما أمر به عبد الله علي أمير المؤمنين مالك بن الحارث الأشتر في عهده إليه حين ولاه مصر: جباية خراجها، وجهاد عدوها، واستصلاح أهلها، وعمارة بلادها».

  ثم يحدد علاقة الحاكم بالرعية عبر النص الآتي: «واشعر قلبك الرحمة للرعية والمحبة لهم واللطف فيهم ولا تكونن عليهم سبعاً ضارياً تغتنم أكلهم. فإنهم صنفان إما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق، يفرط منهم الزلل وتعرض لهم العلل ويؤتی علی أيديهم في العمد والخطأ فاعطهم من عفوك وصفحك الذي تحب أن يعطيك الله من عفوه وصفحه، فإنك فوقهم وولي الأمر عليك والله فوق من ولاك». ولتنظيم العلاقات بين السلطات والرعية كتب الإمام في عهده «فليكن منك في ذلك أمر يجتمع لك به حسن الظن برعيتك، فإن حسن الظن يقطع عنك نصباً طويلاً. ولا تنقض سُنّة صالحة عمل بها صدور هذه الأمة واجتمعت بها الألفة وصلحت عليها الرعية، ولا تحدثن سنّة تضر بشيء من ماضي تلك السنن. وأكثر مدارسة العلماء ومنافثة الحكماء في تثبيت ما صلح عليه أمر بلادك وإقامة ما استقام به الناس قبلك».

  أما أسس النظام القضائي وطرق اختيار الحكام والقضاة واستقلالية وعدل الحكم، فقد وردت في العهد كما يلي: «ثم اختر للحكم بين الناس أفضل رعيتك في نفسك، ممن لا تضيق به الأمور ولا تمحكه الخصوم ولا يتمادی في الزلة ولا يحصر من الفيء إلی الحق إذا عرفه». ويجدر بنا أن نتوقف عند مفهوم الإمام للأكثرية في الأمة (كآلية ديمو قراطية) وأهمية حصول رضاها باعتبارها صاحبة المصلحة الحقيقية. والأكثرية المقياس الذي ينبغي أن يصنع القرار السياسي، الذي هو ثمرة تفاعل بين كل قوی المجتمع، مع التزام الأقلية بالقبول وعمد التعسف ضدها. ورضا الأكثرية يعطي الشرعية للحكم، ويستمد الحاكم منه سلطته باعتباره الوكيل المؤتمن علی الأمة، فهو ممثل لها في السلطة لا مالك لها، والساهر علی توفير حاجات الأمة والممتنع عن إلحاق الجور والظلم بالرعية، فيذكر في العهد: «أنصف الله وأنصف الناس من نفسك، ومن خاصة أهلك، وليكن أحب الأمور إليك أوسطها في الحق، وأعمها في العدل واجمعها لرضی العامة، فإن سخط العامة يجحف برضی الخاصة، وإن سخط الخاصة يغتفر مع رضی العامة».

  كما يشدد الإمام علي في معاملته للرعية علی الدقة في عدم ارتكاب خطأ قد يؤدي إلی إراقة الدماء في البلد، وينهي العهد بالتركيز علی الابتعاد عن الغرور والعجب بالنفس والمن علی الرعية والتمادي في السلطة، الذي يقود إلی الاستبداد والديكتاتورية والدمار للبلاد والعباد: «وإياك والإعجاب بنفسك، والثقة بما يعجبك منها وحب الإطراء فإن ذلك من أوثق فرص الشيطان في نفسه».


source : http://www.darolhadith.com
0
0% (نفر 0)
 
نظر شما در مورد این مطلب ؟
 
امتیاز شما به این مطلب ؟
اشتراک گذاری در شبکه های اجتماعی:

آخر المقالات

في حسن الظن بالله تعالى
فن التشبيه في بلاغة أمير المؤمنين عليه السلام
الاسرة والغزو الثقافي
فوائد و أضرار طلع النخل
الاحتفال بمولد النبي (ص)... بدعة أم سنة
ويروي البخاري عن ابن عباس قوله: إني لواقف في قوم ...
ما هي حقيقة الموت؟
أدعية فاطمة الزهراء ( عليها السلام ) في أيام ...
المصادر الشيعية لحديث (فاطمة بضعة مِنِّي)
السيدة المعصومة في رحاب العلم والمعرفة

 
user comment