عربي
Wednesday 19th of June 2024
0
نفر 0

واجبات الأبوين تجاه أبناءهما

 ـ تهذيب وجدان الطفل:
إن الإيمان بالله المتولد في الأعماق البشرية عن معرفة صادقة بالله وعن محبته وتقواه هو: الأساس التربوي لبناء الشخصية المسلمة. لذا فواجب الوالدين نحو تهذيب وجدان أولادهما يتلخص في حرصهما على غرس الإيمان في أعماق النفوس الصغيرة الخالية من مفاتن الدنيا، وزخارفها، وأن يعملا على حماية جوارحهم المفطورة على التوحيد الخالص لله سبحانه وتعالى، كما قال (ص) في حديث: ((كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو يمجسانه أو ينصرانه)).
فالأبوان المسلمان مطالبان بتثبيت هذه الفطرة، وصيانتها من الضلال والانحراف.
ويمكنهما أن يستغلا إحدى خصائص الطفل الصغير وهي حبه للاستطلاع فيلفتان نظره إلى كل ما هو موجود حوله من أشجار، وجبال، وبحار، وحيوانات، وطيور مختلفة الأشكال والألوان، وغير ذلك مما يقع عليه سمع الطفل وبصره خلال الأربعة والعشرين ساعة التي يحياها، من الليل والنهار، ويطلبان منه لمس ما يمكن لمسه، وإنصات السمع لما له صوت، وتذوق ما يمكن أكله، وشم ما له رائحة، وتأمل ذلك بالبصر، والتفكر في عظمة الله الذي خلق هذه الأشياء على اختلافها وكثرتها.
وفي أثناء ذلك يزودان الطفل بالمعلومات الصحيحة، العلمية الخاصة بتلك الأشياء، بشكل عام، وبأسلوب يتفق مع مدارك الطفل بحيث تتكون لديه الصورة الصحيحة لتلك الأشياء، فيبني عليها المعلومات التفصيلية الموسعة، فيما بعد.
إن إشباع غريزة حب الاستطلاع لدى الطفل بهذه الطريقة، توصله إلى محبة الله حيث يوضح له الوالدان أن الله الذي خلق هذه الأشياء عظيم، وكبير، وقوي، ورحيم. فمن رحمته خلق هذا كله، ليستفيد منه الإنسان، ويحيا حياة طيبة كريمة لذلك فعلى الإنسان أن يحب الله الرحمن الرحيم.
وعندما يصل الطفل إلى هذه المرحلة، ويتقدم قليلاً في العمر يتوجب على الأبوين إشعاره بأهمية احترام الله لأنه حبيبنا، واحترام الله يتمثل في اتباع أوامره واجتناب نواهيه، وهنا يبدأ الوالدان في إعطائه معلومات مبسطة عن الكتب السماوية التي تحتوي شرع الله، وعن أرسل الذين قاموا بتبليغ تلك الأوامر والنواهي للناس، والملائكة، وأن من وظائفها النزول بالأوامر والنواهي من الله إلى الرسل، وعن اليوم الآخر، الذي سيحاسب فيه الناس كل حسب عمله، وعن القضاء والقدر، الذي يتم اختبار الناس به وامتحانهم، وعن سائر الأمور الغيبية، الدالة على عظمة الله وقدرته.
إضافة إلى ذلك فواجب الأبوين أيضاً، تدريب أبنائهما على تأدية العبادات والشعائر الإسلامية المختلفة منذ السنة السابعة.
لقوله (ص): ((مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين واضربوهم عليها وهم أبناء عشر، وفرقوا بينهم في المضاجع)).
فتدريب الطفل على العبادة منذ نعومة أظفاره، يشعره بالخشوع والخضوع لله سبحانه وتعالى، فيصبح قلبه مفعماً، بالإيمان، والحب والخالص لله.
وإذا تفتح قلب الطفل على الإيمان، وأشرقت روحه بضياء الحب الخالص لله. وخفقت جوانحه بالخوف والرهبة من عذاب الله وفهم الخطأ من الصواب، مال بطبعه إلى تقبل الأخلاق الفاضلة ورفض كل خلق غير سليم.
وهنا يصبح واجب الأبوين، إرشاد الطفل إلى الأخلاق الإسلامية السامية، وقد ترك لنا نبينا محمد (ص) مجموعة من الأحاديث والوصايا القيمة التي تطالب الأبوين بالحرص على تأديب وتهذيب أولادهما وإكسابهم الأخلاق الفاضلة، ومن تلك الوصايا ما يلي:
1 ـ قال (ص): ((ما نحل والد ولداً أفضل من أدب حسن)).
2 ـ وقال (ص): ((أكرموا أولادكم وأحسنوا أدبهم)).
3 ـ وقال (ص): ((من حق الولد على الوالد أن يحسن اسمه ويحسن أدبه)).
4 ـ وقال (ص): ((لأن يؤدب أحدكم ولده خير له من أن يتصدق كل يوم بنصف صاع على المساكين)).
وبتذوق هذه الأحاديث الشريفة، نجد أن التربية المحمدية سبقت التربية الحديثة إلى تقدير أهمية الطفولة، والنظر إليها على أنها التربة الصالحة لبذر بذور الأخلاق الطيبة والسلوك الحميد.
ومما قيل في أهمية التربية والتهذيب في الصغر، من قبل أحد رجال التربية الحديثة ((إن النقص الحاصل من إهمال التهذيب أشد وطأة، وأضر بالإنسان من نقص التعليم، فإن العلم يمكن تداركه في الكبر، أما التهذيب وتحسين الخلق، فهيهات، هيهات أن يصلح شأنه بعد فوات فرصته في الصغر، إن الخطأ في تهذيب الطفل لن يصلح أمد الدهر)).
بناءً على هذه فمسؤولية الآباء والأمهات، بصفة خاصة، وجميع المربين بصفة عامة، تجاه غرس الأخلاق الفاضلة في نفس الطفل مسؤولية عظيمة تحتاج إلى جهد وصبر وتضحية.
فهذه المسؤولية تتطلب تدريب الأطفال على جميع الصفات الخلقية الفاضلة من صدق، وأمانة وإخلاص، وكرم ...
كما تتطلب القضاء على كل خلق ذميم يلاحظه الأبوان على أولادهما مثل التلفظ بالكلام القبيح، والسب، ...
إن تدريب الطفل على الأخلاق الفاضل، يستدعي وجوده داخل وسط اجتماعي يحتك بأفراده ويتعامل معهم.
فعن طريق، هذا الاحتكاك، والتعامل، يمكن الحكم على مدى تطبيق الطفل لما درب عليه من الفضائل والأخلاق، كما أن وجوده داخل الوسط الاجتماعي يساعد على اكتسابه للعديد من الأخلاق الاجتماعية، بطريقة عملية.
إضافة إلى أنه يساعد أيضاً على اكتشاف ما إذا كان لدى الطفل ميل أو اتجاه نحو خلق غير سليم، فيُقوم في الحال، ويصرف عن ذلك الخلق، قبل أن يتعود عليه، ويتمسك به. لا سيما وأن الطفل اجتماعي بطبيعته ويميل إلى الانضمام إلى جماعة وأقران.
لذا فواجب الأبوين العمل على دفع الطفل إلى الانضمام إلى أصدقائه على أن يكون هؤلاء الأصدقاء، من بيئة معروفة بالصلاح والتقوى حتى لا يكونوا قرناء سوء للطفل.
وأول ما ينبغي من الأبوين الاهتمام به من الصفات الخلقية الحميدة، وتدريب الطفل عليها، صفة التواضع، واحترام أفراد المجتمع، وفي هذا يقول الإمام الغزالي: ((ويمنع الصبيُ من أن يفتخر على أقرانه بشيء مما يملكه والده أو بشيء من مطاعمه وملابسه، أو لوحته وأدواته، بل يُعوّد التواضع، والإكرام لكل مَن عاشره، والتلطف في الكلام معهم)).
ومن أروع الوصايا والمواعظ التي وعظ بها الآباء أبناءهم، والتي يجب على كل أب مسلم أن يعيها ويوصي بها أولاده، ما ذكره الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم، على لسان لقمان الحكيم حيث قال تعالى: (وإذ قال لقمان لابنه وهو يعظه يا بُني لا تشرك بالله، إن الشرك لظلم عظيم، ووصينا الإنسان بوالديه، حملته أمه وهناً على وهن وفصاله في عامين أن أشكر لي ولوالديك، إلي المصير، وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعمهما وصاحبهما في الدنيا معروفاً، واتبع سبيل مَن أناب إلي ثم إلي مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون، يا بني إنها إن تلك مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة أو في السماوات أو في الأرض يأت بها الله، إن الله لطيف خبير، يا بني أقم الصلاة، وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك، إن ذلك من عزم الأمور ولا تصعر خدك للناس، ولا تمش في الأرض مرحاً إن الله لا يحب كل مختال فخور، واقصد في مشيك واغضض من صوتك، إن أنكر الأصوات لصوت الحمير).
ومن الأخلاق الاجتماعية التي يجب على الوالدين تدريب أبنائهما عليها، إكرام الجيران والضيوف، والسلام.
ومن الأمور البالغة الأهمية التي ينبغي للأبوين المسلمين تدريب الطفل عليها منذ الصغر، الجرأة الأدبية في قول الحق، والنقد الاجتماعي البنّاء والدفاع عن آرائه المبنية على أهداف الشريعة الإسلامية وتعليماتها، وإقناعه بأن الله سبحانه وتعالى خلق الإنسان من أجل العبادة ومجاهدة العصاة ومُرتكبي المنكر، وكل مَن يحارب الله ورسوله.
وينبغي أيضاً الاهتمام بتدريبه على الإصلاح بين الناس منذ الصغر ليصبح قادراً على فك الخصومات والمنازعات بين المسلمين عندما يكبر.
إضافة إلى تدريبه على المحافظة على الممتلكات العامة، مثل أثاث الحدائق والمدارس ـ كما يحافظ على ألعابه وأدواته الخاصة ـ وتدريبه على احترام ولي الأمر، سواء كان، أب أو أخ، أو حاكم ...
2 ـ تدريب الطفل على العادات الصحية الإسلامية:
يقول الإمام الغزالي في تعليم الطفل آداب الطعام ((وأول ما يغلب عليه من الصفات شره الطعام، فينبغي أن يؤدب فيه، مثل أن لا يأخذ الطعام إلا بيمينه وأن يقول عليه بسم الله عند أخذه، وأن يأكل مما يليه، وأن لا يبادر إلى الطعام قبل غيره، وأن لا يحدق النظر إليه، ولا إلى مَن يأكل، وأن لا يسرع في الأكل، وأن يجيد المضغ، وأن لا يوالي بين اللقم ولا يلطخ يده، ولا ثوبه، وأن يعود الخبز القفار في بعض الأوقات حتى لا يصير بحيث يرى الأدم حتماً، ويقبح عنده كثرة الأكل، بأن يشبه كل مَن يكثر الأكل بالبهائم، وبأن يذم بين يديه الصبي الذي يكثر الأكل، ويمدح عنده الصبي المتأدب القليل الأكل، وأن يحبب إليه الإيثار بالطعام، وقلة المبالاة به، والقناعة بالطعام الخشن أي طعام كان))، ويقول الغزالي أيضاً في تعليم الصبي آداب اللباس ((وأن يحبب إليه من الثياب البيض دون الملون وإلا بريسم، ويقرر عنده أن ذلك شأن النساء والمخنثين، وأن الرجال يستنكفون منه، ويكرر ذلك عليه)).
هذا بالنسبة للصبي ((الذكر)) أما بالنسبة للبنت فعلى الوالدين ترغيبها في اللباس الساتر لجميع أجزاء بدنها، فيكون كاسياً لتلك الأجزاء سميكاً لا ترى البشرة من خلفه، فضفاضاً، حتى لا يجسد أعضاء الجسم. فإذا تعودت البنت على هذا اللباس منذ الصغر ألفته ولم تلتفت إلى غيره في الكبر.
وبالنسبة لتعويد الطفل على الرياضة يقول الغزالي: ((ويعود في بعض النهار المشي والحركة والرياضة، حتى لا يغلب عليه الكسل ويعود ألا يكشف أطرافه، ولا يسرع المشي، ولا يرخي يديه، بل يضمهما إلى صدره)).
الأبوان المسلمان مطالبان أيضاً بتعويد الطفل على النظافة، والترتيب والطهارة والاهتمام بحسن المظهر، بحيث يكون الطفل دائماً في صورة حسنة.
ومن أهم الأمور التي يجب على الوالدين مراعاتها لتنمية جسم الطفل والحفاظ عليه من التعرض للأمراض والعاهات، الاهتمام بالتطعيم أو ما يسمى (اللقاح) ضد الأمراض التي تصيب الإنسان في طفولته الباركة، وتسبب له الكثير من العاهات والتشوهات والمشاكل الصحية المتعددة، مثل الشلل والسل وغير ذلك.
3 ـ تنمية فكره وصقل مواهبه:
إن تدريب الطفل على التفكير والتأمل باستمرار، بالإضافة إلى تزويده بالمعلومات والمعارف، هو السبيل إلى نموه العقلي، ونضجه الفكري ولا سيما وأن الطفل لديه قابلية شديدة، للتعلم في الصغر.
وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه (قلب الحدث كالأراضي الخالية ما ألقي فيها من شيء قبلته، وإنما كان ذلك لأن الصغير أفرغ قلباً، وأقل شغلاً، وأيسر تبدلاً، وأكثر تواضعاً).
وأول ما ينبغي تعليمه للأولاد، القرآن الكريم.
قال ابن خلدون: ((إعلم أن تعليم الولدان للقرآن، شعار الدين أخذ به أهل الملة ودرجوا عليه في جميع أمصارهم، لم يسبق فيه إلى القلوب من رسوخ الإيمان وعقائده من آيات القرآن وبعض متون الأحاديث، وصار القرآن اصل التعليم الذي يبني عليه ما يحصل بعد من الملكات، وسبب ذلك أن التعلم في الصغر أشد رسوخاً وهو أصل لما بعده لأن السابق الأول للقلوب كالأساس للملكات، وعلى الأساس وأساليبه يكون حال من يبنى عليه)).
((ولقد نصح ابن سينا في كتاب السياسة بالبدء بتعليم الولد القرآن الكريم بمجرد استعداده جسمياً وعقلياً لهذا التعليم، ليرضع منذ الصغر اللغة العربية الأصيلة، وترسخ في نفسه معالم الإيمان)).
ويقول الغزالي: ((ثم يشغل في المكتب، فيتعلم القرآن، وأحاديث الأخبار، وحكايات الأبرار وأحوالهم، لينغرس في نفسه حب الصالحين، ويحفظ من الأشعار التي فيها ذكر العشق وأهله، ويحفظ من مخالطة الأدباء الذين يزعمون أن ذلك من الظرف ورقة الطبع، فإن ذلك يغرس في نفوس الصبيان بذور الفساد))، هنا يوضح الغزالي العلوم التي يجب تعليمها للطفل، والعلوم التي يجب إبعاده عنها، وكما تلاحظ فإنه جعل أول ما ينبغي تعليمه، للطفل هو القرآن الكريم.
والوالدان مكلفان بتعليم أولادهما، ما يعرفان من العلوم والمعارف بنفسيهما، بالإضافة إلى أن الأب مكلف شرعاً بالإنفاق على تعليم أولاده سواء بإحضار معلم فاضل لهم، أو إرسالهم إلى المدارس ودور العلم، قال رسول الله (ص): ((حق الولد على الوالد أن يعلمه الكتابة والسباحة وألا يرزقه إلا طيباً)).
قال ابن القيم: ((فمن أهمل تعليم ولده ما ينفعه، وتركه سدى، فقد أساء إليه غاية الإساءة، وأكثر الأولاد إنما جاء فسادهم من قبل الآباء وإهمالهم لهم، وترك تعليمهم فرائض الدين وسننه، فأضاعوهم صغاراً، فلم ينتفعوا بأنفسهم ولم ينفعوا آباءهم كباراً)).
هذا وبالنظر إلى هناك فروق فردية بين الأطفال تجعل كلاً منهم يختلف عن الآخر في جميع جوانب شخصيته، فكل طفل لديه قدرات خاصة، وطاقة معينة، وميول مختلفة.
وعلى الوالدين. أخذ ذلك كله في الاعتبار، أثناء عملية التعليم، والتوجيه للمهنة والعمل مستقبلاً.
قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ((قيمة كل امرئ ما يحسن)).
وقال ابن سينا: ((لكل إنسان باب من المعارف، أو فن من الصناعات قد سمح له به طبعه، ونادته إياه غريزته، فصار لديه كالسجية التي لا حيلة في تركها)).
بناءً على هذا فواجب الوالدين، يقتضي حرصهما على تعليم جميع أولادهما القرآن الكريم، وعلوم الشريعة الإسلامية، التي هي فرض عين على كل مسلم، لتكون عوناً لهم على فهم مقاصد الإسلام، وتطبيق أوامر الله سبحانه وتعالى، وبعد ذلك يوجهان كل ولد إلى الفرع الدراسي الذي يلائم طبعه، ويوافق ميوله، وليس فيه مخالفة للشرع (مثل علوم السحر، والموسيقى ... ).
وليس عيباً أن تتجه ميول الولد، إلى تعلم الحرف، مثل (الحدادة، والنجارة ... ) فهذه الحرف وأمثالها من مقتضيات عمارة الكون ومن الصناعات التي لا يستغني عنها أي مجتمع من المجتمعات.
ولكن العيب يكمن في دفع الولد إلى اختيار ما يخالف ميوله واتجاهاته من العلوم والمعارف، لأن النتيجة غالباً هي الفشل في الدراسة. فيخسر الوالدان ما دفعاه في تعليم الولد من جهد ومال، ويعيش الولد في قلق وتوتر، وضياع، نتيجة لقضاء سنوات طويلة من عمره في جهد لم يفلح فيه، وربما كان ذلك عائقاً له عن الاستقرار الاقتصادي والوظيفي مستقبلاً.
كما يخسر المجتمع الإسلامي، شخصية إسلامية، كان من الممكن أنت كون عضواً نافعاً من أعضاء الأمة الإسلامية، لو وجهت الوجهة الصحيحة.
إذاً فالمهم هو التوجيه السليم للولد ليختار ما يناسب ميوله من التخصصات وفروع العلم والمعرفة، مع تدريبه على الإتقان والإبداع في مجال تخصصه، وإقناعه بأهمية ذلك الإتقان والإبداع، وإقناعه أيضاً بأهمية التخصص الذي اختاره، وحاجة الأمة الإسلامية إليه، وذلك ليزرع الثقة في نفسه، ففي هذا تحفيز له على الرضا بما منحه الله من قدرات وطاقات، وبما يسره له من فروع العلم والعمل، وهذا يدفعه بالتالي إلى إتقان علمه وعمله ويجعله عضواً صالحاً لعمارة الكون.
وهكذا يتضح لنا أن لكل من الأبوين دوره الفعال في تربية الطفل وإعداده للحياة، وفي الواقع ليس هناك ما يفصل العناية بتهذيب وجدان الطفل عن الاهتمام بتنمية جسده وتوعية عقله.
فالطفل وحدة واحدة، مكونة من جسم، وعقل وروح. وهذه الوحدة تنمو بشكل مطرد ومترابط، والعناية بأحد جوانب هذه الوحدة، يؤثر تأثيراً مباشراً في جوانبها الأخرى.
فالعناية بصحة الطفل والاهتمام بجسده يشعره بالسعادة النفسية، فتشرق روحه، وتصفو نفسه فيصبح مستعداً لتقبل ما يبذر في تلك النفوس من البذور، فإذا كانت البذور، هي بذور الإيمان، والخلق القويم، ازدادت إشراقة نفسه، وانفتحت مداركه، واندفع إلى التفكير في عجائب الكون، وهذا التفكير يقوده بالتالي، وعن طريق التوجيه إلى التعرف على ما حوله من العجائب، فيزداد إيمانه بالله،وينقاد لأوامره ويجتنب نواهيه، فيزداد صحة جسمية ونفسية وعقلية، وهكذا ...
بقي أن نشير إلى نقطة مهمة جداً وهي: مراعاة الوالدين لمطالب كل مرحلة ـ من مراحل النمو ـ والعمل على إشباع تلك المطالب بما يتفق مع الهدف التربوي الإسلامي، ومراعاة الفروق الفردية بين أولادهما، والمساواة في معاملتهم وعدم تفضيل الذكور على الإناث، لأنهم جميعاً هبة من الله سبحانه وتعالى، كما قال تعالى: (يهب لمن يشاء إناثاً، ويهب لمن يشاء الذكور، أو يزوجهم ذكراناً وإناثاً، ويجعل مَن يشاء عقيماً).
وعلى الوالدين أيضاً، مراعاة التدرج في تربية الطفل وتعليمه، حسب سنه وكيفما يتفق مع مداركه، وقدرته على الفهم والاستيعاب.
وهذه قصة طريفة تبين مدى اهتمام السلف الصالح باتباع التدرج في تهذيب وتعليم الأطفال ((قال سهل بن عبدالله التستري، كنت وأنا ابن ثلاث سنوات، أقوم بالليل فأنظر إلى صلاة خالي محمد بن سوار فقال لي يوماً: ألا تذكر الله الذي خلقك؟ فقلت: كيف أذكره، قال: قل بقلبك عند تقلبك في ثيابك ثلاث مرات، من غير أن تحرك به لسانك الله معي، الله ناظر إليّ، الله شاهد، فقلت: ذلك ليالي، ثم أعلمته فقال: قل في كل ليلة سبع مرات، فقلت ذلك ثم أعلمته، فقال: قل ذلك كل ليلة إحدى عشر مرة، فقلته، فوقع في قلبي حلاوته، فلما كان بعد سنة، قال لي خالي، احفظ ما علمتك، ودم عليه إلى أن تدخل القبر، فإنه ينفعك في الدنيا والآخرة.
فلم أزل على ذلك سنين، فوجدت لذلك حلاوة في سري، ثم قال لي خالي يوماً: يا سهل مَن كان الله معه، وناظر إليه، وشاهد، أيعصيه، إياك والمعصية، فكنت أخلو بنفسي، فبعثوا بي إلى المكتب، فقلت: إني لأخشى، أن يتفرق علي همي، ولكن شارطوا المعلم، أني أذهب إليه ساعة فأتعلم، ثم أرجع، فمضيت إلى الكتاب، فتعلمت القرآن وحفظته وأنا ابن ست سنين، أو سبع سنين)).
ففي هذه القصة نلاحظ، أن خال سهل، ألقى ببذور الإيمان في قلبه منذ حداثته، ثم ترك تلك البذور تنمو مع ملاحظتها، وتدعيم نموها، بالتدرج إلى أن أينعت وقطف سهل الثمار الشهية، حيث استقرت حلاوة الإيمان في قلبه، وحفظ القرآن الكريم، وأصب من عباد الله الصالحين المتقين. لذلك حثت التربية الإسلامية الآباء والأمهات والمربين عموماً، على الرحمة والمحبة والعطف، والشفقة، فتعليم الأطفال وتهذيبهم، بهذا الأسلوب هو الضمان بإذن الله لنجاح الجهود التربوية.
وفيما يلي نذكر حديثين لرسول الله (ص) والتي تبين مدى اهتمامه (ص) بالشفقة والرحمة والعطف على الأطفال.
1 ـ عن أبي هريرة (رض): ((قبّل رسول الله (ص) الحسن بن علي، وعنده الأقرع بن حابس التميمي جالس فقال: (إن لي عشرة من الولد ما قبلت منهم أحداً)، فنظر إليه رسول الله (ص) ثم قال: مَن لا يَرحم لا يُرحم)).
2 ـ قال أسامة بن زيد (رض): (كان رسول الله (ص) يأخذني فيقعدني على فخذه، ويقعد الحسن على فخذه الأخرى، ثم يضمهما ثم يقول: ((أللهم ارحمهما فإني أرحمهما)) ).
ولكي يتمكن الوالدان من تأدية دورهما في تربية الأولاد، وتهذيب أخلاقهم بنجاح، لابد أن يكونا قدوة صالحة لهم.
فالطفل وخاصة في مراحل طفولته الأولى يرهف سمعه لكل كلمة يقولها الأبوان، ويترصد كل حركة تصدر عنهما، ثم يقلدهما في كل ما سمع ورأى. ومن الأبيان الشعرية الطريفة التي كتبت بهذا الخصوص ما يلي:
مشى السرطان يوماً باعوجاج فقلد شكل مشيته بنوه
فقال: علام تنحرفون؟ قالوا: بدأتَ به ونحن مقلدوه
ويـنشأ ناشئ الفـتيان منّا على ما كان عوده أبوه
ونظراً لأهمية القدوة الحسنة فقد أمر الله تعالى الآباء بإصلاح أنفسهم قبل تربيتهم لأولادهم فقال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم ناراً وقودها الناس والحجارة).
ففي هذه الآية أمر من الله سبحانه وتعالى للمؤمنين بأن يقوا أنفسهم أولاً وأهليهم ثانياً، من النار، وذلك بتطبيق شرع الله، وحث الأهل بما فيهم الأولاد والزوجة على التطبيق السليم.
وهكذا نرى أنه ((إذا كانت القدوة حسنة، فهناك أمل راجح في صلاح الطفل، وإن كانت القدوة سيئة فهناك احتمال أرجح بفساده.
وقدوة الطفل على الالتقاط ـ الواعي وغير الواعي ـ ، كبيرة جداً أكبر مما نظن عادة، ونحن ننظر إليه على أنه كائن صغير لا يدرك ولا يعي.
نعم، حتى وهو لا يدرك، كل ما يراه، فإنه يتأثر به كله، فهناك جهازان شديدا الحساسية في نفسه هما: جهاز الالتقاط، وجهاز المحاكاة، وقد يتأخر الوعي قليلاً أو كثيراً، ولكن هذا لا يغير شيئاً من الأمر، فهو يلتقط بغير وعي، أو بغير وعي كامل، وهو يقلد بغير وعي أو بغير وعي كامل كل ما يراه أو يسمعه)).
((إن حاجة الناس إلى القدوة نابعة من غريزة تكمن في نفوس البشر أجمع وهي: التقليد، وهي رغبة ملحة تدفع الطفل الضعيف والمرؤوس إلى محاكاة سلوك الرجل القوي والرئيس، كما تدفع غريزة الانقياد في القطيع، جميع أفراده إلى اتباعه واقتفاء أثره)).
إذاً على الوالدين أن يكونا على فهم تام بحقيقة دورهما، وضخامة مسؤوليتهما تجاه أولادهما، فليست المسؤولية، تنحصر في توفير الغذاء، واللباس والعناية بالجسم فقط، بل هذا جزء من المسؤولية، وهي التي تتمثل في تربية وتنمية جميع جوانب شخصية الطفل الجسمية والعقلية، والروحية.
إن الطفل نعمة من نعم الله لوالديه، وزينة لهما، يدخل وجوده على حياتهما البهجة والسرور، كما قال تعالى: (المال والبنون زينة الحياة الدنيا).
لكنه في نفس الوقت امتحان من الله لوالديه، كما قال تعالى: (إنما أموالكم وأولادكم فتنة).
فإذا أحسن الوالدان تربية أولادهما، حصلا على سعادة الدنيا والآخرة، واجتازا الامتحان بنجاح بإذن الله، وإن أصلا هذه التربية كان لهما سوء العاقبة في الدنيا والآخرة.
ففي الدنيا يخسران أولادهما، حيث ينشأ أولئك الأولاد، نشأة غير صالحة، فيكونون عناصر هدامة في المجتمع، ضرهم أكثر من نفعهم، فيسببون للوالدين المشاكل التي لا تنتهي، فكثير من الأولاد الذين لا يحسن الوالدان تربيتهم يسيئون إلى والديهم بالعقوق والعصيان والتمرد.
أما سوء العاقبة في الآخرة، فهو عقاب الله ومحاسبته على التفريط، وإضاعة الأمانة، وقد قال (ص): ((كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، الرجل راع في أهل بيته ومسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها وهي مسؤولة عن رعيتها)).

0
0% (نفر 0)
 
نظر شما در مورد این مطلب ؟
 
امتیاز شما به این مطلب ؟
اشتراک گذاری در شبکه های اجتماعی:

آخر المقالات

ذكرى استشهاد السيدة أم البنين (عليها السلام)
طبيبٌ دَوَّارٌ بطبه
أصحاب الجمل
أن حدیثَهم ع صعب مستصعب
الغلاة وفرقهم
الدعاء السادس و الاربعون من أدعية الصحيفة في ...
الامام محمد الباقر علیه السلام
أولاد السيدة زينب (ع)
مرقد السيدة زينب الكبرى (س)
اللعن في القرآن الكريم

 
user comment