عربي
Tuesday 16th of July 2024
0
نفر 0

دور تعاليم الانتظار في يقظة الشعوب و صحوتها

المقدمـــه:الانتظار حاجة بشرية.

العنصر الاول:مفهوم الانتظار .

العنصر الثاني:الانتظار بين الاسلام والاديان الاخرى.

العنصر الثالث:كفاح الشعوب والفكر المهدوي.

العنصر الرابع:العدالة المهدوية وعالم اليوم.

العنصر الخامس:الفكر المهدوي والوعي الانساني.

العنصر السادس :خطوات نحو الظهور.

المقدمـــــة:

ان المتامل في فلسفة الوجود والتاريخ البشري وحركة الحياة يدرك بشكل جلي ان مسار الانسان على وجه الارض أكتنفه كم هائل من المعاناة والصراع من أجل البقاء,رغم ادراكه للمدى الزمني القصير الذي يعمره في كل حياته,رغم ذلك ترى الأنسان يضحي كثيرا من أجل هذه اللحظة الزمنية التي منحه الله اياها ,ليعيشها عادلا مع أخية الأنسان ,لكن التاريخ البشري لم يكن يستجيب كثيرا بل في أغلبه للتعاليم الالهية الآمرة للتوحيد والعدالة والأخوة والمساوة ,من هنا تأتي حاجة البشر الى قائد عظيم يتجاوز الزمان والمكان حتى تعود الشريعة الالهية الرحيمة هي الدليل الوحيد والمرشد السديد للانسانية نحو ربها.
والمهدي ع ليس تجسيدا لعقيدة اسلامية ذات طابع ديني فحسب,بل هو عنوان لطموح أتجهت إليه البشرية بمختلف اديانها ومذاهبها ,وصياغة لالهام فطري أدرك الناس من خلاله _على الرغم من تنوع عقائدهم ووسائلهم الى الغيب_ أن للانسانية يوما موعودا على الارض تحقق فيه رسالات السماء بمغزاها الكبير وهدفها النهائي.وتجد فيه المسيرة المكدودة للانسان على مر التاريخ استقرارها وطمأنيتها بعد عناء طويل . بل لم يقتصر الشعور بهذا اليوم الغيبي والمستقبل المنتظر على المؤمنين دينيا بالغيب بل أمتد الى غيرهم أيضا,وأنعكس حتى على اشد الايدلوجيات والاتجاهات العقائدية ,رفضا للغيب والغيبيات ,كالمادية الجدلية التي فسرت التاريخ على اساس التناقضات ,وآمنت بيوم موعود تصفي فيه كل تلك التناقضات ويسود فيه الوئام والسلام.

(1) :مفهوم الانتظار.

ظل مفهوم الانتظار حالة نفسية صاحبت الانسان طوال حياته الاجتماعية والفكرية والعقائدية ,فنهاية المصير تجربة نفسية لهذا الشعور الذي مارسته الانسانية على مر الزمن,وهو من اوسع التجارب النفسية واكثرها عموما بين افراد الأنسان,وحينما يدعم الدين هذا الشعور النفسي العام ويؤكد ان الارض في نهاية المطاف ستمتليء قسطا وعدلا بعد ما ملئت ظلما وجورا ,يعطي لذلك الشعور قيمته الموضوعية.ويحوله الى إيمان حاسم لمستقبل المسيرة الانسانية,وهذا الايمان ليس مجرد مصدر للسلوة والعزاء فحسب,بل مصدر عطاء وقوة,فهو مصدر عطاء لان الايمان بالمهدي ع إيمان برفض الظلم والجور حتى وهو يسود الدنيا كلها ,وهو مصدر قوة ودفع لا تنضب ,لانه بصيص نور يقاوم اليأس في نفس الانسان ويحافظ على الأمل المشتعل في صدره مهما أدلهمت الخطوب,وتعملق الظلم لان اليوم الموعود يثبت أن بامكان العدل أن يواجه عالما مليئا بالظلم والجور,فيزعزع ما فيه من اركان الظلم ويقيم بنائه من جديد.

وأن الظلم مهما تجبر وامتد في ارجاء العالم وسيطر على مقدراته فهو حالة غير طبييعة,ولا بد أن ينهزم .وتلك الهزيمة الكبرى المحتومة للظلم وهو في قمة مجده تضع الامل كبيرا أمام كل فرد مظلوم وكل أمة مظلومة في القدرة على اعادة تغيير الميزان واعادة البناء.

واذا كانت فكرة الانتظار أقدم من الاسلام واوسع منه فان معالمها التفصيليه التي حددها الاسلام ,جاءت اكثر اشباعا لكل الطموحات التي انشدت الى هذه الفكرة منذ فجر التاريخ الديني,واغنى عطاءا واقوى اثارة لاحاسيس المظلومين والمعذبين ,الذين اكتووا ألماً على مر التاريخ,وذلك لان الانسان حول الفكرة من غيب الى واقع ومن مستقبل الى حاضر,ومن التطلع الى منقذ تتمخض عنه الدنيا في المستقبل البعيد المجهول الى الايمان بوجود المنقذ فعلا,وتطلعه مع المتطلعين الى اليوم الموعود ,وأكتمال كل الظروف التي تسمح له بممارسة دوره العظيم .

فلم يعد المهدي ع فكرة ننتظر ولادتها أو نبوءة نتطلع الى مصداقها,بل واقعا قائما ننتظر فاعليته وانسانا معينا يعيش بيننا بدمه ولحمه نراه ويرانا ,ويعيش مع آمالنا وآلامنا ويشاركنا أحزاننا وأفراحنا ويشهد كل ما تسخر به الساحة على وجه الارض من عذاب المعذبين وبؤس البائسين وظلم الظالمين,ويكتوي بكل ذلك من قريب أو بعيد ,وينتظر بلهفة اللحظة التي يتاح له فيها أن يمد يده الى كل مظلوم,وكل محروم ,وكل بائس ,ويقطع دابر الظالمين.

وقد قدر لهذا القائد المنتظر ان لا يعلن عن نفسه ولا يكشف للاخرين حياته على الرغم من أنه يعيش معهم أنتظارا للحظة الموعودة .ومن الواضح ان الفكر بهذه المعالم الاسلامية تقرب الهوة الغيبية بين المظلومين كل المظلومين,والمنقذ المنتظر ,وتجعل الجسر بينهم وبينه في شعورهم النفسي قصيرا مهما طال الانتظار.

(2):الانتظار بين الاسلام والاديان الاخرى.

فكرة الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه) وإن كانت تشكّل جزءاً من العقيدة الدينية فإنها من جانب آخر تعدّ الأمل الذي شدّ جميع أبناء البشر بما فيهم المنكرين لحقيقة السماء.

إن المثير حقاً أن يختلف المتدينون حول فكرة ظهور الإمام المهدي بما هي فكرة تتصل بالاعتقاد الديني من جانبه الخطير، فالإمام المهدي ليس اختصاصاً بمذهب الشيعة، ولا هو عقيدة (طارئة) قذفت بها رواية غير صحيحة السند كما هو شأن كثير من المفردات التي تحتاج إلى التثبت والفحص والتحقيق.. كلا.

الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه) بشارة تضمّنتها كل العقائد الدينية السابقة للإسلام، وجاء الإسلام ليضع يده على ملامح هذه البشارة ويؤكد وقوعها، ويشرح تفاصيلها بدقة، بحيث أصبح ما عندنا عن الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه) من أخبار متواترة يفوق كثيراً من الأجزاء العقائدية الأخرى.

فالأديان السماوية تشترك في تبنيها فكرة الخلاص للبشرية على يد مخلص من عالم الغيب، وعن طريق حدثٍ غيبي من صناعة وتدبير الخالق عز ذكره، وإن كانت تختلف من حيث تشخيص العنصر والحدث وفي تسمية الرجل الإلهي الذي سيقوم بمهمة الخلاص العظمى.

فمن هذه الاديان :المسيحية واليهودية والبوذية والهندوسية والسيخية وغيرها من الاديان .

ولقد أجريت دراسات على هذه الديانات ومدى ارتباطها بعقيدة المهدي عج والانتظار وتم التوصل إلى نتائج عدة وهي كالآتي :

1- إن عقيدة إنتظار مخلص أو منقذ أو مصلح عالمي ينشر العدل والرخاء في ظهوره، وتتطهر الأرض من الظلم والقهر، من العقائد البارزة التي تؤمن بها العقائد أو الديانات الوضعية (سواء أكانت سماوية أو فكراً إنسانيا وضعياً حيث كان للظواهر الطبيعية والظروف السياسية والاجتماعية والاقتصادية دوراً في ظهور عقيدة الانتظار، وقد اختلفت شخصية هذا المنقذ عند العقائد الوضعية، فلاحظنا مثلاً انه النيل عند المصريين القدامى، وتارة أخرى تمثلت شخصيته بالإله تموز عند العراقيين القدامى، وأخرى تمثلت في شخصية (كرشنا) و(رامى) عند الديانة الهندوسية، وبوذى عند الديانة البوذية، وزر آدشت عند ديانة الفرس القديمة، وأخرى تظهر لنا بطبقة البروليتاريا عند المفكرين الماركسيين .

2- تلتقي العقائد الوضعية مع بقية الأديان السماوية الأخرى، كالديانة اليهودية والديانة المسيحية في عقيدة انتظار منقذ، والمنتظر المنقذ عند الديانة اليهودية هو المسيح المنتظر، وهو ليس النبي عيسى بن مريم (عليهما السلام) كما تعتقد به الديانة المسيحية، بل تؤمن الديانة اليهودية بأن الذي وعد به اليهود لم يأت، لذلك هم ما زالوا ينتظرون مجيئه ليحقق منجزاته الكبرى .

3- إن انتظار منقذ ومخلص لدى اليهود كان يأخذ أبعاداً وتيارات عديدة، فهناك تيار من يفسر انتظار المنقذ لظروف قاسية التي عاشها الشعب اليهودي أثناء وبعد السبي البابلي والذي أدى إلى اضطهادهم من الشعوب الأخرى، وتيار آخر يفسر بأن الانتظار هو فكرة غير أصيلة لدى الديانة اليهودية بل مستمدة من الديانات الأخرى نتيجة لخضوعهم لها كالديانة الفارسية، أما الاتجاه الآخر وهم الأصح، هو الذي يفسر هذه الفكرة بأنها أصيلة وذلك لوجود كثير من النصوص القدسية في مصادرهم التي يعتقدون بها .

4- تعتقد الديانة المسيحية، كاليهودية، بالمسيح المنتظر أو المخلص، لكنها تختلف في مسألة المجيء، فالديانة المسيحية تؤمن بأن مجيء المنتظر قد تم على يد المسيح عيسى ابن مريم (عليهما السلام)، لكن الذي ظهر بعد ذلك اعتقاد بأن مجيء المسيح المنتظر سوف يكون المجيء الثاني، وعليه فإن الديانة المسيحية تعتقد أن المسيح هو (المخلص) للشعب والمصحح لمسيرة اليهودية، وقد أطلق على هذا المخلص اسم (يسوع المسيح) أو ابن الله، وقد ورد ذكره في العديد من التنبؤات في كتاب العهد الجديد والتي تتحدث عن مخلص آخر الزمان.

5- إن عقيدة المسيح المنتظر احتلت مكاناً بارزاً في الذهن الأميركي، وذلك من خلال ظهور العديد من الاعتقادات بالانبعاث اليهودي وبالعصر الألفي السعيد، وبظهور المسيح المنتظر في الوجدان الأميركي حيث طوي الميل إلى الاعتقاد بإن عودة اليهود إلى فلسطين وإنشاء الدولة اليهودية شرط ضروري لمجيء المسيح المنتظر .

6- إن الديانتين اليهودية والمسيحية تلتقي مع العقائد الوضعية من حيث مضمون فكرة الاعتقاد بإنتظار منقذ أو مصلح أو مخلص ينقذ البشرية من الظلم، وان اختلفت أسباب هذا الاعتقاد كما بينا سابقاً، جوهره يكمن في الاضطهاد والظلم والقهر، وقد أضافت الديانتان اليهودية والمسيحية أسباباً أخرى جعلت من مضمون فكرة الاعتقاد بالمنتظر فكرة أصيلة وذلك لوجودها في معتقداتهم وتعاليمهم ومصادرهم القدسية .

7- تلتقي العقائد الوضعية والسماوية(اليهودية والمسيحية) مع الدين الإسلامي الذي يرى بضرورة الثورة العالمية ضد الظلم الذي أرتكب بحق الإنسان، وتعد عقيدة إنتظار مخلّص أو منتظر منقذ للبشرية من الظلم واحدة من العقائد المهمة بل والأساسية عند المسلمين، والمنتظر عندهم هو الإمام المهدي (عج) .

8- وعند متابعة الفكر الإسلامي لاحظنا أن عقيدة إنتظار المهدي (عج) هي موضع إتفاق بين غالبية المذاهب والفرق الإسلامية وذلك لأن الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الشريفة التي أوردت خبر المهدي (عج) وإنتظار الفرج في ظهوره ليملأ الأرض عدلاً وقسطاً كما ملئت ظلماً وجوراً، وردت عند كل من أئمة وعلماء السُنّة والشيعة .

9- تعد عقيدة انتظار المهدي (عج) عند أهل السنة من العقائد المهمة، وهي حلقة الوصل بين العلامات الصغرى والعلامات الكبرى، فهي عندهم شرط من أشراط الساعة الكبرى، وأن الإيمان ببعثه واجب شرعي، وهو أصل من أصول العقيدة وذلك لبلوغ الأحاديث التي ذكرت خبره حد التواتر، ومن ينكر ويجحد خبر المهدي (عج) يدخل قي دائرة الكفر ويخرج عن الملّة .

10-المهدي (عج) عند أهل السُنّة هو الإمام (الخليفة) الذي سيقود المسلمين، وهو من أهل البيت نسباً، حيث ستكون خلافته، حسب إعتقادهم،على منهاج النبوة، وهو رجل شاب من المسلمين من آل بيت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من ولد الحسين بن علي وفاطمة (عليهما السلام) وهو لم يولد بعد، أسمه محمد بن عبد الله، أي أسمه على أسم النبي (ص) وأسم أبيه على أسم والد النبي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) .

11- يؤمن المسلمون الشيعة الأثنى عشرية بعقيدة إنتظار المهدي (عج)، كما هو عند أهل السُنّة، حيث لا فرق بين الجميع في شخصيته ومواصفاته التي ذكرها الرسول (ص) ولا في علامات ظهوره ومعالم ثورته، لكن الفرق الوحيد هو في ولادته، حيث يعتقد أهل السنة انه لم يثبت انه مولود وغائب، بل سيولد ويحقق ما بشر به النبي (ص) ،بينما يعتقد الشيعة الاثنا عشرية بولادة المهدي (عج) حيث ولد في بيت أبيه الحسن بن علي العسكري (عليهما السلام) في سامراء في ليلة النصف من شعبان سنة 255 هـ

12– المهدي المنتظر (عج) عند الشيعة الاثني عشرية هو محمد بن الحسن العسكري بن علي الهادي بن محمد الجواد بن علي الرضا بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب (عليهم السلام) .

13– أن للمهدي المنتظر (عج) عند الشيعة الاثني عشرية غيبتان ،صغرى وكبرى ،وان سبب الغيبة يتمثل في ظلم الحكام وتضييقهم ومحاولاتهم في قتله، وكذلك قلة ناصريه .

14- يعتقد الشيعة الاثنى عشرية بأن الإمام المهدي (عج) تولى الإمامة بعد وفاة أبيه الحسن العسكري (ع) وهو صغير السن، وكان عمره آنذاك خمس سنين، لهذا تسمى بالإمامة المبكرة وقد برر علماء الشيعة هذه القضية بقولهم : إن الإمامة هبة يمنحها الله تعالى لمن يشاء من عباده ممن تتوفر فيهم عناصر الإمامة وشروطها، واللطف فيض الهي، فمن لطفه سبحانه وتعالى ورحمته أن يهيئ للإنسان سبيل الهداية، وكذلك إن إمامة المهدي (عج) لم تكن الحدث الوحيد من نوعه، فقد أوتي النبي يحيى (ع) الحكم صبياً، كذلك هو الحال مع النبي عيسى (ع)، وقد أضاف علماء الشيعة تبريراً آخر وهو، إن الإمامة المبكرة ظاهرة سبقه إليها عدد من آباءه (عليهم السلام)، كإمامة محمد الجواد (عليه السلام)، وإمامة علي الهادي (عليه السلام) وإمامة الحسن العسكري (عليه السلام) والد القائد المنتظر (عج).

وبغضّ النظر عن الاختلافات في الشكل، فلدى المسلمين توافق بأن رجلاً من ولد فاطمة من ولد الحسين (عليهما السلام) سوف يخرج في آخر الزمان ليملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعدما تكون قد ملئت ظلماً وجوراً. وهذا التوافق هو نتيجة تواتر الأحاديث والروايات، فضلاً عن وجود الكثير من الآيات التي تتحدث عن آخر الزمان وأن العاقبة للمتقين، وأن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده الصالحين، وأن الله سيمنّ على الذين استضعفوا في الأرض، وأنه كتب (لأغلبن أنا ورسلي).

وهذه المسألة تكاد تكون من المسلّمات لدى جميع المسلمين، أي إن هناك تحولاً عالمياً كبيراً نحو الحق والصلاح عن طريق ثورة إلهية يقوم بها إمام رباني من أحفاد محمد (صلى الله عليه وآله). لكن الموضوع الذي يجب التوقف عنده هو بمثابة التساؤل عن السياق الذي سيحدث فيه هذا التحول من التسافل إلى التسامي، ومن الباطل إلى الحق، ومن شيوع الظلم إلى حلول العدالة، ومن انتشار الفساد والرذيلة إلى سيادة القيم والفضائل، وهل هذا التحول سوف يحصل نتيجة عوامل غيبية تشبه المعجزات التي كانت تحصل مع أنبياء الله السابقين، والتي عبرت عن تدخل الغيب مباشرة في عالم الشهادة وفق رؤية إلهية اقتضت حماية الدين والحق نتيجة تعرضه للهجمة من أهل الباطل، ما يستدعي الحفاظ على الدين من أجل بقاء وديمومة الحياة.. وهذا التدخل هو غير الحضور الغيبي في عالم الشهادة، هذا الحضور الدائم الذي لا يعرف الغياب والذي هو شاهد على كل عوالم الوجود، والذي يؤثر في رعاية البشر وإنزال الرزق عليهم واللطف في أحوالهم، والذي يؤثر أيضاً في التسديد والتوفيق والتأييد للصالحين ولمسيرتهم.. فالمقصود بالتدخل إذاً هو غير الحضور المتحقق دائماً، وإنما هو تدخل ليفرض معادلة تغيّر من آثار المعادلات الطبيعية، وتفرض نتائج وآثاراً مخالفة ومعاكسة لهذه المحاولات.. هذا من جهة، أم إن التحول الكبير المنتظر سوف يحصل بشكل طبيعي نتيجة الميل الفطري للإنسان نحو الكمال المتمثل في حقيقة القيم المودعة فيه، ما يجعل الإنسان بطبيعته يتأذى من غياب هذه القيم عن ساحة الوجود، فيروح يبحث عنها في العوالم الأخرى، في التطلع نحو الغيب موطن ميلاده الأصلي ومحل كماله، فتتحول أنظار العباد تدريجاً نحو ذلك الغيب، وتبدأ القلوب تهتف له أن مدّ إلينا يدك، فتأتي اليد من ذلك العالم، ويكون ذلك مقدمة طبيعية لعودة المسيح عليه السلام وظهور الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف) أرواحنا فداه. إذاً التساؤل الكبير هو: هل تحوُّل الناس نحو الحق هو نتيجة معجزة أم نتيجة سير تكاملي للبشر؟!

للإجابة عن هذا السؤال لا بد من استحضار الآية القرآنية التي تتحدث عن مسار الصراع بين الحق والباطل وعن نتيجة ذلك.

يقول الله تعالى في كتابه الكريم: (أنزل من السماء ماءً فسالت أوديةٌ بقَدَرِها فاحتمل السيلُ زَبَداً رابياً وممَِّا يُوقِدون عليه في النار ابتغاءَ حِليةٍ أو متاعٍ زبدٌ مثلُهُ كذلك يضرب الله الحقَّ والباطلَ فأمَّا الزبدُ فيذهبُ جُفاءً وأما ما ينفع الناسَ فيمكُثُ في الأرض...).

إن الصراع بين الحق والباطل هو أمر حتمي، وسوف يستمر على مدى الدهور والأزمنة. وخلالها سوف يكون المشهد الظاهر هو للباطل الذي يعلو الحق، لكن علوَّه يكون بمثابة الزبد والقشرة، وتدريجاً سوف يدفع الحقُّ الذي هو الأصل المخبّأ في الإنسان الباطلَ الذي علاه، وسوف يتحول المشهد إلى إشراقة الحق من جديد، عندئذ تصبح الأرض بحاجة الى من يمثل تمامية الحق في وجوده، فتصبح الأرض كذلك جاهزة لاستقبال ذلك الوجه الحقاني لبقية الله الأعظم أرواحنا فداه، الذي يمهد له المؤمنون والحقانيون كل الظروف التي تسمح بالانقضاض على الباطل.. وعندئذ تفتح كل القلوب لإمام القلوب في ساحة الشهادة، ليحل إماماً في عالم الدنيا يملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعدما ملئت ظلماً وجوراً.. وهذا يعني أن حركة الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف) هي السياق الطبيعي لحركة البشرية التي سوف تنزع نحو العدالة والقيم بعد طغيان الأشرار والاستكبار. ويكون الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه) استجابة لصراخ الملايين من الأنفس البشرية التي تتعالى وتتضرع إلى الله لنجاتها من آثار الفساد، فيظهر الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه) ليقوم بالمهمة التاريخية العظمى التي عنوانها إزالة الفساد وآثاره، ليعم العالم السلام والأمن والطمأنينة والرخاء..

(3): كفاح الشعوب والفكر المهدوي.

لو تصفحنا تاريخ هذا الإنسان من يوم وطأت قدماه الأرض إلى يومنا هذا لما وجدنا في ذلك التاريخ الطويل صفحة واحدة تدعونا إلى الاطمئنان بأن هذا الإنسان مر عليه يوم سعادة وهناء. فصفحات تاريخ البشرية كلها مصبوغة بلون الألم مكتوبة بحروف الشقاء التي أملاها بقلم الظلم والاضطهاد والانحراف.. اللهم إلا بعض السطور القصيرة التي تتميز حروفها بالراحة والسعادة التي وفرتها الرسالات السماوية في فترات ضئيلة متباعدة لا تكاد تشكل شيئاً في سجل التاريخ الأليم.رغم أننا نعلم بأن الانسان حينما خلقه الله عز وجل رفعه الى أعلى درجات الكرامة والإجلال,قال تعالى{وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا َفْضِيلاً}.

فحينما نتصفح أوراق التاريخ القديم تطالعنا فصوله بمشاهد الألم وظروف البؤس والشقاء.. ابتداءا من قتل قابيل لهابيل ومرورا بأصحاب الاخدود الذين أحرقوا بلا ذنب وما قام به قرعون ببني أسرائيل , وانتهاءا بطواغيت العصر الاسلامي

كالحجاج بن يوسف الثقفي الذي نصب أميراً على العراق في العصر الاموي لمدة عشرين سنة، حيث يذكر لنا التاريخ انه لما مات الحجاج سنة 95 هجرية يقول المؤرخ المسعودي في مروج الذهب إنه: ( أحصي من قتله صبراً سوى من قتل في عساكره وحروبه فوجد مائة وعشرين ألفاً (120.000)، وفي حبسه خمسون ألف رجل (50.000) وثلاثون ألف امرأة (30.000) منهن ستة عشر ألفاً مجردةً -بلا ثياب (16.000).

وكان يحبس النساء والرجال في موضع واحد، ولم يكن للحبس ستر يستر الناس من الشمس في الصيف ولا من المطر والبرد في الشتاء!!

وركب يوماً يريد الجمعة، فسمع ضجة فقال: ما هذا؟ فقيل له: المحبوسون يضجون ويشكون ما هم فيه من البلاء، فالتفت إلى ناحيتهم، وقال: اخسؤوا فيها ولا تكلمون ) .

وأما لو أستقرأنا احداث تاريخنا الحديث سنجد أن سحب الشقاء تراكمت عليه, وازدادت حدة الألم، وتوالت عليه خناجر العذاب.. فقد شهدت تلك الفترة تقدماً هائلاً وتطوراً ملموساً في آلات الدمار ووسائل العذاب وأسلحة الشقاء. وكان الضحية الأولى لذلك التقدم هو هذا الإنسان الممتحن.

وإليكم بعض السطور من تاريخ الشقاء الحديث الذي عاشته الإنسانية المعذّبة:

قامت الحرب العالمية الأولى وانتهت مجازرها البشعة بعد أن بلغ عدد قتلى الإنسانية فيها (22) مليون إنسان، أما المصابون فلا عدّ لهم!

وبعد سنوات قليلة سجّرت نار الحرب العالمية الثانية التي التهمت ما يزيد على (70) مليون إنسان!

وأما أضرار التدمير فلا يزال الإنسان يعاني منها إلى الآن وبعد مرور أكثر من ثلاثين سنة؛ فقد أصدرت السلطات المختصة في مدينة هيروشيما اليابانية إحصاءات تقول فيها: إن (19) ألف شخص لا يزالون مسجلين لديها بأنهم متضررون من القنبلة التي ألقيت فوق المدينة عام 1945.

والسبب في ذلك يعود إلى المطر الأسود الذي هطل فوق المدينة بعد مرور (45) دقيقة فقط على إلقاء القنبلة، وهو مطر مشحون بالشعاع الذري! إلا أن هؤلاء غير محسوبين رسمياً من المتضررين، لأنهم كانوا يقيمون في ضاحية هيروشيما عند إلقاء القنبلة عليها. والأمراض التي يشكو منها هؤلاء منذ 29 سنة هي الضعف الجسدي العام، والشعور بالدوار، وكذلك التقيؤ الدوري.

كما ألقى الطيران الأميركي من سنة 1961 إلى سنة 1972م زهاء ستة ملايين وسبعمائة وسبعة وعشرين ألف طن من القنابل (6.727.000) على منطقة الهند الصينية!

وألقت الطائرات الأميركية واحد وسبعين مليون لتراً (000 ,000 ,71) من المواد الكيمياوية السامة على منطقة في جنوب فيتنام توازي مساحة إيرلندا الشمالية!

وأما عن واقع الانسان المعاصر فهو واقع البؤس والدمار، فكم من شعب يعيش الاستعمار والتشريد والحرمان على مسمع العالم ومرآه؟

فهذا الشعب الفلسطيني المضطهد، وقد تواطأت الدول الكبرى على سلب أرضه وتشريده من وطنه، وإحلال فلول الصهيونية مكانه، ليبنوا لهم دولة الحلم والأمل في فلسطين المقدسة , فمنذ سنة 1948 وإلى الآن لا زال هذا الشعب يقدم الضجايا والشهداء والقرابين!

ولما نأتي الى العراق ,عراق الرافدين والحضارات,عراق الائمة سنقف بالحقيقة على اطلال صنعتها قوى معادية له .فمن جهة الاحتلال الامريكي ومن جهة اخرى افراد حزب الطاغية المقبور ومن جهة ثالثة طائفة تكفيرية تقتل وتذبح وتمثل بكل من خالفها الفكر والرأي .وهكذا فالشعب العراقي راح ضحية مطرقة وسندان تسحق به الى ان اصبح هشيما تذروه الرياح.فلم يعد العراق بعراق الرافدين والحضارات بل عراق الارامل واليتامى والثكالى والمشردين.

وهكذا الامر مع لبنان ومع الصومال وافغانستان وباقي الشعوب المعذبة.

ولما نأتي الى المعتقلين والأسارى في سجون هذا العالم,سنجد أعدادا لا حد لها ولا حصر حتى في الدول الكبرى ,فالولايات المتحدة الأمريكية تقول صحفها:

إن السجون مكتظة بالنزلاء الذي يصل عددهم إلى نحو (35) ألف شخص. وقبل أيام قليلة احتفلت إحدى الدول التي لا يزيد عدد سكانها عن (7) ملايين نسمة، احتفلت بأحد أعيادها وذكرت أنها أصدرت العفو عن (7) آلاف سجين من معتقلاتها بتلك المناسبة. ترى كم سجين تضم تلك الدولة الصغيرة؟

ثم هل تعرفون الأوضاع التي يعيشها المساجين والمعتقلون، إنها أوضاع قاسية بشعة مؤلمة إلى أبعد الحدود، في أكثر سجون العالم.

فمع التقدم العلمي والصناعي حدث تقدم وتطور فظيع في أساليب تعذيب الإنسان وسحق كرامته وتحطيم أعصابه.

فمن الضرب بالسياط إلى حد الإدماء والإغماء، إلى التعذيب بتعليق الإنسان المعتقل كالشاة من يديه ورجليه، ثم الانهيال عليه بالسياط والكرباج إلى أن تتفجر كل أنحاء جسمه بالدمن إلى إجباره على شرب الماء المالح جداً ومياه القذارات والبالوعات!وإلى ما هنالك من الوسائل الجهنمية البشعة التي يعاني منها الإنسان المعاصر في معتقلات العالم.

وأما ما يتعلق بمستقبل الإنسانية فأن أنباء التنافس الحادّ على إنتاج الأسلحة الفتاكة المدمرة وأخبار التجارب النووية الرهيبة وتقليعات القنابل الذرية والهيدروجينية والنيترونية الحديثة..

هذه الأنباء تعصف أي بارقة أمل يزرعها التفاؤل في النفس بمستقبل السعادة والهناء.. وتنسف كل ذرة اطمئنان تلوح في أفق الضمير.. وتقضي على أي نسمة ارتياح تهب على شاطئ الخيال..

فأي تفاؤل تقبله النفس ويرتاح إليه الضمير الإنساني في ظل أبناء الرعب التي سننقل بعضاً منها:

تمتلك البشرية اليوم من القنابل الذرية والهيدروجينية ما يكفي لتدمير الأرض كلها (12) مرة ونصف!.

عدا الكم الهائل من الاسلحة الفتاكة.ولا أدري لمن تعد هذه الأسلحة الفتاكة وضد من ستوجه هذه الصورايخ؟ هل إلا إلى قلب حياة هذا الإنسان المعذب، وإلى صميم سعادته وجوده؟!

ويقول معهد الدراسات الاستراتيجية بلندن، في دراسة نشرها عام 1972م: إن المخزون النووي لكل شخص على وجه الأرض يبلغ خمسة عشر طناً من مادة (ت. ن. ت.) في حين أن مخزون المواد الغذائية لا يزيد عن نصف طن للشخص الواحد!!

ويضيف التقرير: إن حجم الإنفاقات العسكرية في العالم يساوي الدخل القومي لدول العالم الثالث، وأن الدول المتخلفة تنفق ما بين 30 و 60 بالمائة من مزانيتها على السلاح.

والأبشع والأغرب من كل ذلك هو هذا الاختراع الجديد: (قنبلة النيترون) والتي لا تصيب العمارات والمصانع والآلات بأي سوء يذكر، ولكنها تفني الإنسان والأحياء وتسلبهم الحياة في لحظات قصيرة.

أرأيتم مدى عذاب الإنسان ومعاناته في هذا العالم!

فوجوده بكل صراحة غير مهم ولا قيمة له ولكن المهم هو سلامة العمارات والمصانع!! وهناك سلاح سام رهيب كيماوي بيولوجي، يستخرج من جرثومة اسمها: Ghlostridium Botulinus، وهي تسبب عادة تسمماً غذائياً مميتاً، ويكفي ما مقداره 8 أونس أي حوالي (225) غراماً لقتل كل سكان العالم.

أما مادة (ال - اس - دي L. S. D.) فيكفي أن نضع منها كيلوغراماً واحداً في خزان مياه لتعطيل سكان مدينة بأسرها بالتأثير على الأجسام والعقول معاً. ويقول الدكتور (جرودن تيلور) البريطاني:

( لقد أوصى الجنرالات الأميركان باستعمال (L. S. D.) في الحرب لأنها تؤثر على عزيمة وإرادة المقاومة عند الأعداء مدعين -أي الجنرالات الأميركان- أن هذا السلاح هو سلاح إنساني!! لا يسبب إراقة الدماء!!! ) .

وتقول بعض المصادر: إن الولايات المتحدة الأميركية تملك كمية مخزون من غازات الأعصاب القاتلة تكفي لإبادة سكان العالم جميعاً.. حتى ولو كان عددهم أكثر مما هو الآن بثلاثين مرة. وأن روسيا تملك قدرة تفوق قدرة العالم الغربي بسبع أو ثمان مرات في مجال الأسلحة الكيماوية والجرثومية .

فباللّه عليكم في ظل هذه الأوضاع المأساوية والأنباء المؤلمة كيف يمكن للأمل أن ينمو وللتفاؤل أن يمكث في النفس..

(4):العدالة المهدوية وعالم اليوم

لم يكد العالم ان يستريح من ويلات الحروب والدمار الشامل الذي أحدثته الحرب الكونية الاولى والثانية التي كان الانسان حطبها الاول حتى أنفتحت البشرية مرة أخرى في القرن العشرين على صراعات دولية وأقليمية لم تكن اقل دموية من الحرب العالمية,فقد شهد العالم أنقساما حادا بين قوتين عظميين :المعسكر الرأسمالي بقيادة أمريكا وأوربا والمعكسر الشرقي بقيادة الاتحاد السوفيتي والصين,اذ لم تكن الفكرتين الرأسمالية والشيوعية الا تعبيرا عن أخفاق الانسان في الوصول الى العدالة الحقيقية القائمة على أحترام الانسان كقيمة وجودية ,فقد تجردت الرأسمالية مثلا من أي حس أنساني حيث اباحت استعمار الشعوب واستعبادها واذلالها وقتلها من اجل الوصول الى الاسواق العالمية وضمان مدخراتها ,فرغم شعارات الحرية واحترام الانسان التي تدعيها الرأسمالية فأنها عملياً لم تكن تعني الا الانسان الغربي فقط .وهذا ان دل على شيء فانه يدل على مدى أنفصال القيمة عن الفكر ,ومدى تغلغل النموذج الفلسفي الدارويني في شرايين الفكر اليبيرالي الرأسمالي المتوحش .

في المقابل لم تكن الفكرة الاشتراكية والشيوعية أقل دموية من سابقاتها حينما اختزلت مشروعها الشمولي المطلق في فلسفة التناقض والصراع,ومنطق الجدليه الجامد الذي وضع حتميات قاسية ,كقانون أساسي لفهم قانون البشرية,في رؤية حلولية مادية شمولية مجهولة الاهداف حيث أضحى الانسان فيها أداة استعمالية لا يختلف عن الادوات المادية الاخرى.

وقد شهد العالم باكملة فضيحة انتصار هذا الغول الشيوعي وتساقطه على رؤوس صانعيه كاشفا عن مدى فداحة الفكر الانساني عندما يفقد القيمة ,والرشد الالهي .وهكذا تحول العالم مرة أخرى من جحيم إلى جحيم بحيث سعت الامبريالية الجديدة بافكارها المسمومة في الانفراد بالعالم ,طارحة اساليبها الجديدة القديمة في ابادة البشرية مرة أخرى. فبأسم العولمة وكسر الحدود والحواجز بين العالم والثقافات وسرعة التواصل بين الشعوب تسعى الرأسمالية الجديدة الى استيعاب الدرس والانفتاح على العدل الالهي ,وانما تمادت في صنع الهتها المادية المتمثلة في التقنية والاسواق.فالحداثة ليس الا أمتداد للفلسفات المادية الحلولية النيتشوية التي اضاعت الانسان كقيمة مضافة .

وهذا يتضح لنا جلياً في جنون القوى لدى الامريكان والصهاينة في اعادة استعباد الشعوب وتمزيق اواصرها واللعب بمصير ثقافاتها,عوض الحوار والتعايش وبناء الاسرة الانسانية الواحدة .

(5):الفكر المهدوي والوعي الانساني.

أن الأمل لا يمكن أن يوجد في فراغ من التصوير والتفكير.. والتفاؤل ما لم تدعمه مبررات واحتمالات تجعله شيئاً وارداً ومقبولاً في فكر الإنسان.

فهل هناك تصور متكامل لتحقيق حلم الإنسانية السعيد ببناء حياة الأمن والاستقرار والسلام؟

هل توجد فكرة شاملة يمكن للإنسان أن يؤمن بأن تطبيقها سيوفر له ما حرمته منه سنون التاريخ وعصوره من السعادة والكرامة والارتياح؟

وبعبارة أخرى: ما هي الخطة المستقبلية المحتملة التي يمكن للإنسان أن يعلق عليها آمال الخلاص والإنقاذ؟؟

لفترة خلت كانت أنظار الإنسانية متجهة صوب المؤسسات الدولية التي تبنت الدفاع عن قضايا الإنسانية ورفعت شعارات حقوق الإنسان وأمن الإنسان واستقلاليته: كالأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي أو كتلة عدم الانحياز أو منظمة العفو الدولية التي استقطبت أنظار الناس المعذبين المضطهدين فترة طويلة من الوقت.. ولكن هل استطاعت هذه المؤسسات أن تكنس الألم والحروب والاستعمار والمشاكل من حياة الإنسان؟ وهل بقي للإنسان فيها شيء من الأمل أم أصبح أمام طريق مسدود من اليأس؟

يكفي أن نقول: إن الإنسان قد تأكد وتوفرت لديه القناعة الكافية بأن هذه المؤسسات لم تفلح في توفير السعادة والأمن والاستقرار لشعوب العالم.. وقد انقطع ظنه منها وخاب أمله فيها!!

إذن فما هي الخطة المحتملة لإصلاح العالم وإنقاذ الإنسانية؟ وإلا فهل كتب على الإنسان أن يعيش حياة الفناء والألم من أول يوم وطأ فيه أرض هذا الكوكب وإلى أن يرحل منه عند قيام الساعة؟

أسوف لا يسعد الإنسان بلحظات سعادة وهناء على سطح الكرة الأرضية؟

إننا نتحدى أي إنسان معاصر يعلن تفاؤله وأمله في مستقبل الإنسانية أن يقنعنا بخطة ممكنة وفكرة محتملة للإصلاح العالمي والتغيير الشامل.

والمنبع الوحيد لروافد الأمل والتفاؤل هو الإسلام والذي يؤكد في نصوصه وتعاليمه ضرورة انبثاق فجر السعادة في تاريخ الإنسانية، ويصر على حتمية انتصار واقع العدالة والأمن والاستقرار على جحافل الظلم والشقاء والألم الذي يؤطر حياة الإنسان عبر التاريخ.

الإسلام وجده يحمل للإنسان رسالة أمل وفكرة تفاؤل تنقذ الإنسان من قلق اليأس القاتل تدعمها خطة إصلاحية شاملة وتصور تغييري متكامل.
مجموعة كبيرة من آيات القرآن الحكيم تؤكد هذه الحقيقة، وتبشر بعهد سعيد، لابد وأن يسود العالم وتنعم البشرية بالأمن والرخاء والعدالة والحرية وجميع مستلزمات الحياة الكريمة.

يقول القرآن الحكيم:

{وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ}(18).

فالإسلام ما هو إلا امتداد للرسالات السماوية السابقة والتي تبشر كلها بمستقبل سعيد للإنسانية فلابد وأن يكون حكم الأرض وسيادة العالم للطليعة المؤمنة الصالحة.. وحينما يكون الحكم بيد طليعة مؤمنة صالحة فتلك هي فرصة السعادة وعهد الرخاء.

ويقول تعالى:

{إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ}(19).

فالرسل هم دعاة السعادة والعدالة والحرية وأتباعهم الذين نذروا أنفسهم لخدمة تلك الأهداف المقدسة.

هؤلاء الرسل وأتباع الرسل كم عانوا من الأذى والألم والاضطهاد!

إن معاناة الرسل والأتباع أشد من معاناة سائر الناس، لأن الرسل وأتباعهم كانوا يتزعمون جبهة النضال والجهاد من أجل سعادة البشرية وكرامتها، ولذلك فقد اتجهت حراب الظلم والطغيان نحو صدورهم السامية، مما صيّر حياة الأنبياء وأتباعهم قطعة من الألم والعذاب في سبيل اللّه. ولكن اللَّه تعالى يتعهد لجميع الرسل والمؤمنين بأهدافهم النبيلة.. يتعهد لهم بإتاحة الفرصة لهم في هذه الحياة ليقطفوا ثمار جهادهم وليتذوقوا حلاوة النصر العاجلة في الدنيا بالإضافة إلى ثواب اللَّه الآجل في الآخرة.

ويقول اللَّه سبحانه وتعالى:

{هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ}(20).

وقد تكررت هذه الآية ثلاث مرات في القرآن الكريم لتؤكد وعد اللَّه بسيطرة الدين الإسلامي على ربوع المعمورة وظهوره الفعلي والتطبيقي بعد فشل جميع المبادئ والأديان الأخرى.

ويقول تبارك وتعالى:

{وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ}(21).

فالفئات المضطهدة المستضعفة المحرومة في الأرض والتي من أظهر مصاديقها أئمة الحق أهل بيت محمد صلوات اللَّه عليهم أجمعين… سيمن اللَّه عليهم وسيتيح لهم المجال ليكونوا أئمة العالم وقادته عملياً وليرثوا مكاسب وثروات الكون في ظل دولة العدالة والإيمان.

إنها لآيات صريحة كلها تؤكد انتصار الحق أخيراً، وأخذه بزمان العالم إلى شاطئ الأمن والإيمان.

ولاشك أن هذه الوعود لم تتحقق فيما مضى من تاريخ الإنسان وليس هي الآن متحققة في واقع الإنسان. فليس أمامنا إذن إلا التشكيك بصدق هذه الوعود -والعياذ باللّه- أو الإيمان بأنها ستحقق في المستقبل. وإذا كان لا يمكننا التشكيك في صحة هذه الوعود وصدقها لأنها {وَعْدَ اللَّهِ لاَ يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ}(22)، و {إِنَّ اللّهَ لاَ يُخْلِفُ الْمِيعَادَ}(23) فلابد لنا إذن من الاطمئنان بأن هذه الوعود ستصبح حقيقة واقعة في مستقبل الحياة وإن طال الأمد.

ولكن كيف يتحقق ذلك الأمل العظيم الذي تشرئب إليه أعناق البشرية وخاصة كلما لسعتها سياط الظلم ونالت منها حراب الجور والطغيان؟

ومتى يتحقق؟ وما هي خطة الإصلاح والتغيير المرتقبة؟ وعلى يد من تكون؟

هذه أسئلة ملحة تشغل بال الإنسانية منذ عصور وعصور.. ولأهمية هذه الأسئلة وخطورتها في حياة الإنسان لتعلقها بمصير الإنسانية ككل، فقد تكفلت السنة الشريفة عبر أحاديث الرسول محمد صلى اللَّه عليه وآله والقادة من أهل بيته المعصومين تكفلت بوضع الإجابات المفصلة الكاملة على جميع الأسئلة الخطيرة. حتى بلغت الأحاديث الواردة حول هذه القضية أكثر من (6000) حديث. وقلّ أن يتوفر في قضية إسلامية مثل هذا العدد الضخم من الأحاديث.

فماذا تقول تلك الأحاديث؟

إنها تؤكد بإصرار شديد ذلك الوعد القرآني المقدس ببناء مجتمع العدالة والإيمان والتقدم في هذه الحياة وبإشادة دولة الحق العالمية في ربوع الكرة الأرضية.

وخطة الإصلاح والتغيير هي شريعة الإسلام المجيدة، وتوقيتها نهاية هذه الحياة وقبيل قيام الساعة وحلول القيامة. فهي نهاية مطاف البشرية وآخر خطوة في مسيرة الإنسان في هذه الحياة.

أما رائد هذه الثورة العالمية، وقائد عملية الإنقاذ والتغيير الشامل فهو رجل من ذرية رسول الإسلام محمد صلى اللَّه عليه وآله لا يفصل بينه وبين الرسول الأعظم إلا اثنا عشر أب.

فهو الإمام محمد المهدي بن الإمام الحسن العسكري بن الإمام علي بن محمد الهادي بن الإمام محمد بن علي الجواد بن الإمام علي بن موسى الرضا بن الإمام موسى بن جعفر الكاظم بن الإمام جعفر بن محمد الصادق بن الإمام محمد بن علي الباقر بن الإمام علي بن الحسين السجاد بن الإمام الحسين بن علي الشهيد بن الإمام علي بن أبي طالب أمير المؤمنين عليهم السلام جميعاً أفضل الصلاة والسلام.

لأهمية القضية وخطورتها فقد اهتمت بها أجيال الأمة من العلماء ورواة الأحاديث منذ كشف الرسول الكريم صلى اللَّه عليه وآله النقاب عن تفاصيلها وإلى الآن.

فعشرات من صحابة الرسول محمد صلى اللَّه عليه وآله نقلت ما سمعته عن النبي القائد حول خروج الإمام المهدي وإنقاذ العالم على يديه. ومئات من التابعين تلقوا تلك الأحاديث من الصحابة الكرام ونقلوها إلى الأجيال التي بعدهم. وجميع أئمة الحديث والمهتمين بحفظ السنة المقدسة خرجوا تلك الأحاديث وأثبتوها في صحاحهم وكتبهم..

ومجموعة كبيرة من علماء الأمة كتبت دراسات خاصة وكتباً قيّمة في تحقيق هذه القضية وإثباتها وذكر تفصيلاتها، كل ذلك يدلنا على أهمية القضية وخطورتها، ويسد الطريق على أي محاولة تريد التنكر لهذه القضية الإسلامية، لتسلب من الإنسانية أملها العظيم، وتلفها برداء اليأس الأسود القاتل. حتى قال الأستاذ أبو الأعلى المودودي في كتابه البيانات:

( إنها -روايات خروج المهدي- تحمل حقيقة أساسية هي القدر المشترك فيها، وهي أن النبي صلى اللَّه عليه وآله أخبر أنه سيظهر في آخر الزمان زعيم عامل بالسنة يملأ الأرض عدلاً، ويمحو عن وجهها أسباب الظلم والعدوان، ويعلن فيها كلمة الإسلام، ويعم الرفاه في خلق اللَّه).

وقد ذكرت أحاديث حول المهدي ع فيها بالصراحة، وأحاديث إنما أخبر فيها بظهور خليفة عادل بدون تصريح المهدي.

(6): خطوات نحو الظهور.

لكي نخطوا خطوات الى الامام ,يجب علينا ان نفهم معنى الانتظار لاننا نعيش بالفعل لحظاته , رغم كل الرواسب السلبية التي شابت الفكرة,مما يستدعي أعادة بناء مفهوم الانتظار على اسس ايمانية ,قرآنية, فلسفية ,عقلانية تربط البعد الغيبي للانتظار بالواقع الزمني وحركة التاريخ,حتى يستطيع الأنسان ان يقف على أسس حقيقية لوعي جديد يفتحه على أدراك مصيره من منطلق يتجاوز النظرة المجهولة للتاريخ والمصير.

فالانتظار حالة أنسانية لازمت حياته لكنها ظلت غير واضحة لديه لطغيان الخرافة التي عانى منها التاريخ البشري وخصوصا الديني منه فالاسرائليات والروايات المنحرفة القائمة على أساس خرافي التصقت بكثير من العقائد الدينية ,مستهدفة تحويلها الى خرافات او في أحسن الاحوال عقائد مائعة مجهولة المعالم,والاسلام لم يكن بعيدا عن هذا الخطر اليهودي التلمودي الذي استهدف النيل من العقيدة الاسلامية الصحيحة منذ فجر الاسلام.

ففكرة الامام المهدي ع لم تكن لتغيب عن العقول المتامرة لاستغلالها كمنطلق لضرب أسسس الاسلام وتحريف رأه بل وتمييع الفكرة نفسها,وذلك للبعد الغيبي الذي تكتسيه كونها فكرة شبه اعجازية ,الشيء الذي جعلها عند كثير من المسلمين انفسهم فكرة غامضة او في أحسن الاحوال لا دور لها في حياتهم.اما الطائفة الاكثر ايماناً بها وهم الشيعة فهم أنفسهم لم تتجاوز الفكرة عندهم الى حالة نفسية وشعارتية لا تحمل اي انعكاس حقيقي في حركاتهم ونضالهم التاريخي المضطرب,الا في حالات نادرة امتدت فيها فكرة الامام الى واقع الامر لتصنع جيلاً مهدوياً,حسينياً,حول فكرة الانتظار الى حالة حية عملية على الواقع.وهنا لا بد من ذكر قول الامام الراحل الخميني الكبير (ره) عندما قال في بداية الثورة الاسلامية :أن كل ما عندنا من الحسين ع وبرعاية المهدي(ع) .

فالجمهورية الاسلامية هي تلك الخطوة الحقيقية الرشيدة نحو الامام ,وهي الخطوة الشرط ,بل هي الخطوة الشرط نحو بناء دولة المهدي عج كما لا تغيب عنا خطوة أخرى نحو الامام لا تقل عن الاولى بل هي وليدتها ونعني هنا أمة حزب الله في لبنان التي أختارت ان تتأطر بشكل ايجابي وحي وفعال بفكر المهدي عج سائرة في خط العدل والمقاومة تمهيدا للعدالة الكبرى التي سيقودها المهدي ع .

أننا مدعوون جميعاً قيادات ,وعلماء ,وشعوب أن نعيش الوعي المهدوي الحقيقي وذلك بالتزام العدل أساس الدولة المهدوية الشريفة.

نسأله تعالى ان يجعلنا من المنتظرين لقائم آل محمد ومن جنوده المخلصين بحق محمد وآله الطاهرين .

0
0% (نفر 0)
 
نظر شما در مورد این مطلب ؟
 
امتیاز شما به این مطلب ؟
اشتراک گذاری در شبکه های اجتماعی:

آخر المقالات

السيدة زينب في الكوفة
انتقال الخلافة إلى الأمويين
ويروي البخاري عن ابن عباس قوله: إني لواقف في قوم ...
الحائر الحسيني
لعن وتكفير يزيد من كتب السنه
ما هي حقيقة آيه الرجم ؟
من هي رقية بنت الإمام الحسين (ع)، وماذا جرى عليها؟
ألفاظ وظواهر القرآن
عمر بن سعد
أدلة نفاة الإحباط

 
user comment