عربي
Wednesday 17th of July 2024
0
نفر 0

الرغبة للعيش المشترك

الرغبة للعيش المشترك

إنّ الرغبة للعيش المشترك وغريزة الصداقة كانت دوماً قضية حيوية من لدن أول نبيٍّ إلى‌ لحظة بزوغ فجر الاسلام، ومن هنا اهتم بها الاسلام- وهو الممثل للثقافة الربانية الوحيدة منذ يوم خلق الانسان إلى‌ يوم البعث- وفي هذا المجال قام الاسلام بترشيد هذه الغريزة وهذا النزوع الانساني من خلال سن قوانين وضوابط غاية في النفع والفائدة لكي تأتي شجرة الصداقة والعِشرة- ببركة ذلك الترشيد- بثمار اساسية تتطلبها قوام الحياة في الدنيا والآخرة.
فإنّ آيات الكتاب العزيز والروايات الشريفة جعلت قضية العِشرة دوماً وفي كل زمان موضع اهتمام المنهج الحق، كما أنها اسدت في هذا الشأن توجيهات في منتهى‌ الاهمية.
إن القرآن الكريم وصف المعاشر والقرين السي‌ء في سلوكه المتلوث بالرذائل الاخلاقية- من الذين تؤدي صحبتهم إلى الضلال والضياع وانهيار البناء الانساني- بالشيطان وعدّ مثل هذا المعاشر رادعاً لصاحبه عن سبيل اللَّه على‌ مر التاريخ واعتبره خطراً على‌ سعادة الانسان في دنياه وآخرته وعاملًا للتلوث والتدنس وعرفه بانه يوقع رفاق دربه وجلسائه‌
نظام العشره فى المنظور الاسلامى، ص: 37
في التوهم والابتعاد عن الواقع ويرى‌ ان مصير مثل هذه العِشرة والصحبة هو الحسرة والندم الابديان فهو يقول:
 [وَ إِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ* حَتَّى إِذا جاءَنا قالَ يا لَيْتَ بَيْنِي وَ بَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ‌] «1».
بُعد العِشرة
إنّ العِشرة والصُحبة والصداقة من المنظور اسلامي إمّا أن تكون ممهدة لخير الانسان بكلّ ما تعني الكلمة من معنى أو تكون ممهدة للشر كذلك.
احياناً يكون الفلاح والسعادة ثمرة العِشرة السليمة، واحياناً يكون الشقاء وسوء الحظ نابعان من العِشرة المغلوطة والضارة.
إن بعض الأمور خيرها وحسنها طفيف لم يكن معتداً به ومن الأمور ما يكون شره وسوءه قليل بحيث لم يكن مُلفتاً، الا أنّ كثيراً من الأمور خيرها وافر وعظيم كما أنّ كثيراً من الأمور شرها شامل بحيث يؤدي إلى‌ سقوط الانسان وهلاكه.
إن العِشرة وصحبة الآخرين والصداقة والاقتران بالناس هي من الأمور التي إن كانت ايجابية وتم انتقاء موردها انتقاء صحيحاً، لكانت خيراً عميماً لدنيا الانسان واخرته، وإن كانت سلبية وتافهة ولم يتم انتقاءها بشكل لائق صحيح، فان شرها سيصيب دنيا الانسان وآخرته.
قد يذهب الانسان بسوء سريرته وسلوكه المنبوذ وتصرفاته الشيطانية
______________________________
 (1)- زخرف (43): 37- 38.
نظام العشره فى المنظور الاسلامى، ص: 38
إلى‌ أن يصبح جهنّمياً ولكن بسبب مصاحبته لصديق طيب، حنون، مؤمن، خيّر، يغير وجهته، وبانطباعاته من هذا الصديق الطاهر النفس المؤدب، تصبح عاقبته إلى‌ خير وينتهي به الطريق الى الجنة والى الصراط الرباني المستقيم.
وقد يكون الانسان جميل الباطن ومحمود السلوك رباني التصرف، فيمكن أن يستحث خطاه إلى‌ الامام حتى‌ يصبح من أهل الجنة فيضمن سلامة دنياه وآخرته بيد أنّه يخطو خطاه في طريق جهنم وفي سبيل الباطل بفعل ارتباطه بصديق حسن الظاهر، سيى‌ء الباطن، عديم الدين والأدب؛ يبدّل اتجاهه بما يحمله هذا الصديق من مصدر شر وفساد.
إن هذين المعنيين قد تكررا بكثرة على‌ امتداد التاريخ بحيث أشار القرآن الكريم إلى‌ كلا الموردين مراراً وذلك في آيات كثيرة وقد اعتبر كلا التوجهين مصدراً للعبر والعظمة لمن كان يرغب في العِشرة.
إنّ ابناً مثل ابن نبي اللَّه نوح عليه السلام وهو من أولي العزم من الرسل الذي يعد منصباً ربّانياً عظيماً، اعتزل اباه البار وانحاز إلى الجاحدين للحق والحقيقة المنغمسين في الشهوات من اولئك الذين لا حَسَب لهم ولا نسب، الضالين المضلين، وذلك لعشرته وصداقته لهم ولتطبّعه بسلوكهم إلى‌ ان انهدت أركان شخصيته الانسانية- الربانية، فاصابه عذاب الاستئصال وهو الغرق في أمواج الماء المحطّمة ولم يشفع له دعاء أبيه لانقاذه من غضب اللَّه سبحانه.
قال اللَّه جلّ وعلا:
نظام العشره فى المنظور الاسلامى، ص: 39
 [... وَ نادى‌ نُوحٌ ابْنَهُ وَ كانَ فِي مَعْزِلٍ يا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنا وَ لا تَكُنْ مَعَ الْكافِرِينَ قالَ سَآوِي إِلى‌ جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْماءِ قالَ لا عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ وَ حالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ* وَ قِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَ يا سَماءُ أَقْلِعِي وَ غِيضَ الْماءُ وَ قُضِيَ الْأَمْرُ وَ اسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَ قِيلَ بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ* وَ نادى‌ نُوحٌ رَبَّهُ فَقالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَ إِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَ أَنْتَ أَحْكَمُ الْحاكِمِينَ* قالَ يا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ فَلا تَسْئَلْنِ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ‌] «1».
يقول الشاعر سعدي الشيرازي في هذا المقام:
 
 لم يفده فضل النبوة شيئاً         ابن نوح لصحبة الأشرار       
وتعالى‌ عن جنسه كلب اهل ال         مكهف صيتاً لصحبة الأخيار    

إن الآثار العجيبة للعشرة، سواءٌ في جانبها الايجابي أو السلبي؛ لا تنكر أبداً.
عند ما ينبهر الشخص بانسان ايجابي فينتفع بسيرته وخلقه الطاهر المفيد فيصادقه ويصاحبه ويجالسه، لاسيما في أيام شبيبته التي هي ذروة العواطف والاحساس والنزعات والغرائز؛ فان طهارته ونبله ستأثر فيه قطعاً.
كذلك عند ما يصاحب الانسان شخصاً ضالًا غير مهذب وعديم الأدب- وذلك عند ما لا يقوى‌ على‌ اصلاحه- فينجذب إليه عاطفياً، فإنّ خلقه وسيرته المنكرة ستؤثر فيه وتلقيه في مستنقع الشقاء فيحرم من فرصة تفتق قابلياته الانسانية.
______________________________
 (1)- هود (11): 42- 46.
نظام العشره فى المنظور الاسلامى، ص: 40


source : دارالعرفان
0
0% (نفر 0)
 
نظر شما در مورد این مطلب ؟
 
امتیاز شما به این مطلب ؟
اشتراک گذاری در شبکه های اجتماعی:

آخر المقالات

هل تعلم لمن تدعو في يوم عرفة ؟
بكاء النبي (ص) على الحسين بسند صحيح
مفهوم‌ البيعة‌
من معاجز الإمام الباقر عليه السّلام
السيدة زينب في الكوفة
انتقال الخلافة إلى الأمويين
ويروي البخاري عن ابن عباس قوله: إني لواقف في قوم ...
الحائر الحسيني
لعن وتكفير يزيد من كتب السنه
ما هي حقيقة آيه الرجم ؟

 
user comment