عربي
Tuesday 26th of September 2023
0
نفر 0

القراءات و الأحرف السبعة

القراءات و الأحرف السبعة


قد يتخيل أن الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن هي القراءات السبع، فيتمسك لإثبات كونها من القرآن بالروايات التي دلت على أن القرآن نزل على سبعة أحرف، فلا بد لنا أن ننبه على هذا الغلط، و ان ذلك شى‌ء لم يتوهمه أحد من العلماء المحققين.
هذا إذا سلمنا ورود هذه الروايات، و لم نتعرض لها بقليل و لا كثير. و سيأتي الكلام على هذه الناحية.
و الأولى أن نذكر كلام الجزائري في هذا الموضع. قال:
 «لم تكن القراءات السبع متميزة عن غيرها، حتى قام الإمام أبو بكر أحمد بن موسى بن العباس بن مجاهد- و كان على رأس الثلاثمائة ببغداد- فجمع قراءات سبعة من مشهوري أئمة الحرمين و العراقين و الشام، و هم: نافع، و عبد اللّه بن كثير، و أبو عمرو بن العلاء، و عبد اللّه بن عامر، و عاصم، و حمزة، و علي الكسائي. و قد توهم بعض الناس أن القراءات السبعة هي الأحرف السبعة، و ليس الأمر كذلك ...
و قد لام كثير من العلماء ابن مجاهد على اختياره عدد السبعة، لما فيه من الإيهام ...
قال أحمد بن عمار المهدوي: لقد فعل مسبّع هذه السبعة ما لا ينبغي له، و أشكل الأمر
__________________________________________________
 (1) الإتقان: 1/ 138، النوع 22- 27.


                        البيان في تفسير القرآن، ص: 160


على العامة بايهامه كل من قلّ نظره أن هذه القراءات هي المذكورة في الخبر، و ليته إذ اقتصر نقص عن السبعة أو زاد ليزيل الشبهة ...».
و قال الأستاذ إسماعيل بن إبراهيم بن محمد القراب في الشافي:
 «التمسك بقراءة سبعة من القرّاء دون غيرهم ليس فيه أثر و لا سنة، و إنما هو من جمع بعض المتأخرين، لم يكن قرأ بأكثر من السبع، فصنف كتابا، و سماه كتاب السبعة، فانتشر ذلك في العامة ...».
و قال الإمام أبو محمد مكي:
 «قد ذكر الناس من الأئمة في كتبهم أكثر من سبعين ممن هو أعلى رتبة، و أجل قدرا من هؤلاء السبعة ... فكيف يجوز أن يظن ظان أن هؤلاء السبعة المتأخرين، قراءة كل واحد منهم أحد الحروف السبعة المنصوص عليها- هذا تخلّف عظيم- أ كان ذلك بنص من النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أم كيف ذلك!!! و كيف يكون ذلك؟ و الكسائي إنما ألحق بالسبعة بالأمس في أيام المأمون و غيره- و كان السابع يعقوب الحضرمي- فأثبت ابن مجاهد في سنة ثلاثمائة و نحوها الكسائي موضع يعقوب» «1».
و قال الشرف المرسي:
 «و قد ظن كثير من العوام أن المراد بها- الأحرف السبعة- القراءات السبع، و هو جهل قبيح» «2».
و قال القرطبي:
 «قال كثير من علمائنا كالداودي، و ابن أبي سفرة و غيرهما: هذه القراءات السبع،
__________________________________________________
 (1) التبيان: 1/ 82.
 (2) نفس المصدر: 61.


                        البيان في تفسير القرآن، ص: 161


التي تنسب لهؤلاء القرّاء السبعة ليست هي الأحرف السبعة التي اتسعت الصحابة في القراءة بها، و إنما هي راجعة إلى حرف واحد من تلك السبعة، و هو الذي جمع عليه عثمان المصحف. ذكره ابن النحاس و غيره و هذه القراءات المشهورة هي اختيارات أولئك الأئمة القرّاء» «1».
و تعرض ابن الجزري لإبطال توهم من زعم أن الأحرف السبعة، التي نزل بها القرآن مستمرة إلى اليوم. فقال:
 «و أنت ترى ما في هذا القول، فإن القراءات المشهورة اليوم عن السبعة و العشرة، و الثلاثة عشر بالنسبة إلى ما كان مشهورا في الاعصار الاول، قلّ من كثر، و نزر من بحر، فإن من له اطلاع على ذلك يعرف علمه العلم اليقين، و ذلك أن القرّاء الذين أخذوا عن أولئك الأئمة المتقدمين من السبعة، و غيرهم كانوا أمما لا تحصى، و طوائف لا تستقصى، و الذين أخذوا عنهم أيضا أكثر و هلم جرا. فلما كانت المائة الثالثة، و اتسع الخرق و قلّ الضّبط، و كان علم الكتاب و السنّة أوفر ما كان في ذلك العصر، تصدّى بعض الأئمة لضبط ما رواه من القراءات، فكان أول إمام معتبر جمع القراءات في كتاب أبو عبيد القاسم بن سلام، و جعلهم- فيما أحسب- خمسة و عشرين قارئا مع هؤلاء السبعة و توفي سنة 224 و كان بعده أحمد بن جبير بن محمد الكوفي نزيل أنطاكية، جمع كتابا في قراءات الخمسة، من كل مصر واحد. و توفي سنة 258 و كان بعده القاضي إسماعيل بن إسحاق المالكي صاحب قالون، ألّف كتابا في القراءات جمع فيه قراءة عشرين إماما، منهم هؤلاء السبعة. توفي سنة 282 و كان بعده الإمام أبو جعفر محمد بن جرير الطبري، جمع كتابا سماه «الجامع» فيه نيف و عشرون قراءة.
__________________________________________________
 (1) تفسير القرطبي: 1/ 46.


                        البيان في تفسير القرآن، ص: 162


توفي سنة 310 و كان بعيده أبو بكر محمد بن أحمد بن عمر الداجوني، جمع كتابا في القراءات، و أدخل معهم أبا جعفر أحد العشرة. و توفي سنة 324، و كان في أثره أبو بكر أحمد بن موسى بن العباس بن مجاهد، أول من اقتصر على قراءات هؤلاء السبعة فقط، و روى فيه عن هذا الداجوني، و عن ابن جرير أيضا. و توفي سنة 324».
ثم ذكر ابن الجزري جماعة ممن كتب في القراءة. فقال:
 «و إنما أطلنا هذا الفصل، لما بلغنا عن بعض من لا علم له أن القراءات الصحيحة هي التي عن هؤلاء السبعة، أو أن الأحرف السبعة التي أشار إليها النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم هي قراءة هؤلاء السبعة، بل غلب على كثير من الجهال أن القراءات الصحيحة هي التي في «الشاطبية و التيسير»، و أنها هي المشار إليها بقوله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أنزل القرآن على سبعة أحرف، حتى أن بعضهم يطلق على ما لم يكن في هذين الكتابين أنه شاذ، و كثير منهم يطلق على ما لم يكن عن هؤلاء السبعة شاذا، و ربما كان كثير مما لم يكن في «الشاطبية و التيسير»، و عن غير هؤلاء السبعة أصح من كثير مما فيهما، و إنما أوقع هؤلاء في الشبهة كونهم سمعوا «أنزل القرآن على سبعة أحرف» و سمعوا قراءات السبعة فظنوا أن هذه السبعة هي تلك المشار إليها، و لذلك كره كثير من الأئمة المتقدمين اقتصار ابن مجاهد على سبعة من القرّاء، و خطّأوه في ذلك، و قالوا: ألا اقتصر على دون هذا العدد أو زاده، أو بيّن مراده ليخلص من لا يعلم من هذه الشبهة. ثم نقل ابن الجزري- بعد ذلك- عن ابن عمار المهدوي، و أبي محمد مكي ما تقدم نقله عنهما آنفا» «1».
__________________________________________________
 (1) النشر في القراءات العشر: 1/ 33- 37.



                        البيان في تفسير القرآن، ص: 163


قال أبو شامة:
 «ظنّ قوم أن القراءات السبع الموجودة الآن هي التي أريدت في الحديث، و هو خلاف إجماع أهل العلم قاطبة، و إنما يظن ذلك بعض أهل الجهل» «1».
و بهذا الاستعراض قد استبان للقارى‌ء، و ظهر له ظهورا تاما أن القراءات ليست متواترة عن النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و لا عن القراء أنفسهم، من غير فرق بين السبع و غيرها، و لو سلّمنا تواترها عن القراء فهي ليست متواترة عن النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قطعا. فالقراءات إما أن تكون منقولة بالآحاد، و إما أن تكون اجتهادات من القراء أنفسهم، فلا بد لنا من البحث في موردين:
1- حجية القراءات:
ذهب جماعة إلى حجية هذه القراءات، فجوّزوا أن يستدل بها على الحكم الشرعي، كما استدل على حرمة و طى‌ء الحائض بعد نقائها من الحيض و قبل أن تغتسل، بقراءة الكوفيين- غير حفص- قوله تعالى: وَ لا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ بالتشديد.
الجواب:
و لكن الحق عدم حجية هذه القراءات، فلا يستدل بها على الحكم الشرعي.
و الدليل على ذلك أن كل واحد من هؤلاء القراء يحتمل فيه الغلط و الاشتباه، و لم يرد دليل من العقل، و لا من الشرع على وجوب اتباع قارئ منهم بالخصوص، و قد استقل العقل، و حكم الشرع بالمنع عن اتباع غير العلم. و سيأتي توضيح ذلك إن شاء اللّه تعالى.
__________________________________________________
 (1) الإتقان: 1/ 138، النوع 22- 27. [.....]


                        البيان في تفسير القرآن، ص: 164


و لعل أحدا يحاول أن يقول: إن القراءات- و إن لم تكن متواترة- إلا أنها منقولة عن النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فتشملها الأدلة القطعية التي أثبتت حجية الخبر الواحد، و إذا شملتها هذه الأدلة القطعية خرج الاستناد إليها عن العمل بالظن بالورود، أو الحكومة، أو التخصيص «1».
الجواب:
أولا: ان القراءات لم يتضح كونها رواية، لتشملها هذه الأدلة، فلعلها اجتهادات من القراء، و يؤيد هذا الاحتمال ما تقدم من تصريح بعض الأعلام بذلك، بل إذا لا حظنا السبب الذي من أجله اختلف القراء في قراءاتهم- و هو خلوّ المصاحف المرسلة إلى الجهات من النقط و الشكل- يقوى هذا الاحتمال جدا.
قال ابن أبي هاشم:
 «إن السبب في اختلاف القراءات السبع و غيرها. ان الجهات التي وجهت إليها المصاحف كان بها من الصحابة من حمل عنه أهل تلك الجهة و كانت المصاحف خالية من النقط و الشكل. قال: فثبت أهل كل ناحية على ما كانوا تلقوه سماعا عن الصحابة، بشرط موافقة الخط، و تركوا ما يخالف الخط ... فمن ثم نشا الاختلاف بين قراء الأمصار» «2».
و قال الزرقاني:
 «كان العلماء في الصدر الأول يرون كراهة نقط المصحف و شكله، مبالغة منهم في‌
__________________________________________________
 (1) و قد أوضحنا الفرق بين هذه المعاني في مبحث «التعادل و الترجيح» في محاضراتنا الاصولية المنتشرة.
 (المؤلف).
 (2) التبيان: ص 86.


                        البيان في تفسير القرآن، ص: 165


المحافظة على أداء القرآن كما رسمه المصحف، و خوفا من أن يؤدي ذلك إلى التغيير فيه ... و لكن الزمان تغيّر- كما علمت- فاضطر المسلمون إلى إعجام المصحف و شكله لنفس ذلك السبب، أي للمحافظة على أداء القرآن كما رسمه المصحف، و خوفا من أن يؤدي تجرّده من النقط و الشكل إلى التغيير فيه» «1».
ثانيا: ان رواة كل قراءة من هذه القراءات، لم يثبت وثاقتهم أجمع، فلا تشمل أدلة حجية خبر الثقة روايتهم. و يظهر ذلك مما قدّمناه في ترجمة أحوال القراء و رواتهم.
ثالثا: إنا لو سلمنا أن القراءات كلها تستند إلى الرواية، و أن جميع رواتها ثقات، إلا أنّا نعلم علما إجماليا أن بعض هذه القراءات لم تصدر عن النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قطعا، و من الواضح أن مثل هذا العلم يوجب التعارض بين تلك الروايات و تكون كل واحدة منها مكذبة للاخرى، فتسقط جميعها عن الحجية، فإن تخصيص بعضها بالاعتبار ترجيح بلا مرجح، فلا بد من الرجوع إلى مرجحات باب المعارضة، و بدونه لا يجوز الاحتجاج على الحكم الشرعي بواحدة من تلك القراءات.
و هذه النتيجة حاصلة أيضا إذا قلنا بتواتر القراءات. فإن تواتر القراءتين المختلفتين عن النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يورث القطع بأن كل من القراءتين قرآن منزل من اللّه، فلا يكون بينهما تعارض بحسب السند، بل يكون التعارض بينهما بحسب الدلالة. فإذا علمنا إجمالا أن أحد الظاهرين غير مراد في الواقع فلا بد من القول بتساقطهما، و الرجوع إلى الأصل اللفظي أو العملي، لأن أدلة الترجيح، أو التخيير تختص بالأدلة التي يكون سندها ظنيا، فلا تعمّ ما يكون صدوره قطعيا. و تفصيل ذلك كله في بحث «التعادل و الترجيح» من علم الأصول.
__________________________________________________
 (1) مناهل العرفان: ص 402، الطبعة الثانية.


                        البيان في تفسير القرآن، ص: 166


2- جواز القراءة بها في الصلاة:
ذهب الجمهور من علماء الفريقين إلى جواز القراءة بكل واحدة من القراءات السبع في الصلاة، بل ادعي على ذلك الإجماع في كلمات غير واحد منهم، و جوّز بعضهم القراءة بكل واحدة من العشر، و قال بعضهم بجواز القراءة بكل قراءة وافقت العربية و لو بوجه، و وافقت أحد المصاحف العثمانية و لو احتمالا، و صحّ سندها، و لم يحصرها في عدد معين.
و الحق: ان الذي تقتضيه القاعدة الأولية، هو عدم جواز القراءة في الصلاة بكل قراءة لم تثبت القراءة بها من النبي الأكرم صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أو من أحد أوصيائه المعصومين عليهم السّلام لأن الواجب في الصلاة هو قراءة القرآن فلا يكفي قراءة شى‌ء لم يحرز كونه قرآنا، و قد استقلّ العقل بوجوب إحراز الفراغ اليقيني بعد العلم باشتغال الذمة، و على ذلك فلا بدّ من تكرار الصلاة بعدد القراءات المختلفة أو تكرار مورد الاختلاف في الصلاة الواحدة، لإحراز الامتثال القطعي، ففي سورة الفاتحة يجب الجمع بين قراءة «مالك»، و قراءة «ملك». أما السورة التامة التي تجب قراءتها بعد الحمد- بناء على الأظهر- فيجب لها إما اختيار سورة ليس فيها اختلاف في القراءة، و إما التكرار على النحو المتقدم.
و أما بالنظر إلى ما ثبت قطعيا من تقرير المعصومين- عليهم السّلام- شيعتهم على القراءة، بأيّة واحدة من القراءات المعروفة في زمانهم، فلا شك في كفاية كل واحدة منها. فقد كانت هذه القراءات معروفة في زمانهم، و لم يرد عنهم أنهم ردعوا عن بعضها، و لو ثبت الردع لوصل إلينا بالتواتر، و لا أقل من نقله بالآحاد، بل ورد                        البيان في تفسير القرآن، ص: 167
 عنهم عليهم السّلام إمضاء هذه القراءات بقولهم: «اقرأ كما يقرأ الناس» «1». «اقرؤوا كما علّمتم» «2». و على ذلك فلا معنى لتخصيص الجواز بالقراءات السبع أو العشر، نعم يعتبر في الجواز أن لا تكون القراءة شاذة، غير ثابتة بنقل الثقات عند علماء أهل السنة، و لا موضوعة، أما الشاذة فمثالها قراءة، ملك يوم الدين بصيغة الماضي و نصب يوم، و أما الموضوعة فمثالها قراءة إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ برفع كلمة اللّه و نصب كلمة العلماء على قراءة الخزاعي عن أبي حنيفة.
و صفوة القول: أنه تجوز القراءة في الصلاة بكل قراءة كانت متعارفة في زمان أهل البيت عليهم السّلام.
__________________________________________________
 (1) الكافي: 2/ 633، باب النوادر، الحديث: 23.
 (2) الكافي: 2/ 631، كتاب فضل القرآن، باب النوادر، الحديث: 15.


                        البيان في تفسير القرآن للخویی ره ، ص: 169




source : دارالعرفان
0
0% (نفر 0)
 
نظر شما در مورد این مطلب ؟
 
امتیاز شما به این مطلب ؟
اشتراک گذاری در شبکه های اجتماعی:

آخر المقالات

أقسام القاعدة المقصدية من حيث موضوعها
الصبر في القرآن الكريم
باب ما روي عن الرضا علي بن موسى عليه السلام في ...
فکر الزهراء عليها السلام
الجدال اسوأ الافعال
الخطابة الحسينية في الإحساء .. تاريخ من العطاء-2
فاطمة الزهراء العلة الغائية
الإشباع العاطفي
صلاة ابي بكر
لماذا فرض الله صيام 30 يوما على الامه؟؟

 
user comment