عربي
Sunday 3rd of March 2024
0
نفر 0

آية الولاية -عید الغدیر -5

آية الولاية -عید الغدیر -5

الاعتراض الرابع

وهو الاعتراض المهم الذي له وجه علميّ، قالوا: بأنّ عليّاً مفرد، ولماذا جاءت الالفاظ بصيغة الجمع: (والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون) .

هذا الاشكال له وجه، ولا يختصّ هذا الاشكال والاعتراض بهذه الاية، عندنا آيات أُخرى أيضاً، وآية المباهلة نفسها التي قرأناها أيضاً بصيغة الجمع، إلاّ أنّ رسول الله جاء بعلي، مع أنّ اللفظ لفظ جمع (أنفسنا وأنفسكم) وجاء بفاطمة والحال أنّ اللفظ لفظ جمع «النساء»، هذا الاعتراض يأتي في كثير من الموارد التي تقع مورد الاستدلال، وفي سائر البحوث العلمية المختلفة لا في بحث الامامة فقط.

الزمخشري الذي هو من كبار علماء العامّة، وليس من أصحابنا الاماميّة، صاحب الكشّاف وغير الكشّاف من الكتب الكثيرة في العلوم المختلفة، يجيب عن هذا الاشكال، وتعلمون أنّ الزمخشري تفسيره تفسير للقرآن من الناحيّة الادبيّة والبلاغيّة، هذه ميزة تفسير الكشّاف للزمخشري، وهذا شيء معروف عن تفسير الزمخشري، وأهل الخبرة يعلمون بهذا.


الصفحة 34


يجيب الزمخشري عن هذا ما ملخّصه: بأنّ الفائدة في مجيء اللفظ بصيغة الجمع في مثل هذه الموارد هو ترغيب الناس في مثل فعل أمير المؤمنين، لينبّه أنّ سجيّة المؤمنين يجب أن تكون على هذا الحد من الحرص على الاحسان إلى الفقراء والمساكين، يكونون حريصين على مساعدة الفقراء وإعانة المساكين، حتّى في أثناء الصلاة، وهذا شيء مطلوب من عموم المؤمنين، ولذا جاءت الاية بصيغة الجمع. هذا جواب الزمخشري(1) .

فإذن، لا يوافق الزمخشري على هذا الاعتراض، بل يجيب عنه بوجه يرتضيه هو ويرتضيه كثير من العلماء الاخرين.

ولكن لو لم نرتض هذا الوجه ولم نوافق عليه، فقد وجدنا في القرآن الكريم وفي السنّة النبويّة الثابتة الصحيحة، وفي الاستعمالات العربيّة الصحيحة الفصيحة: أنّ اللفظ يأتي بصيغة الجمع والمقصود شخص واحد، كثير من هذا الاستعمال موجود في القرآن وفي السنّة وفي الموارد الاُخرى، وهذا شيء موجود.

مضافاً إلى جواب يجيب به بعض علمائنا وعلمائهم: أنّه في مثل هذا المورد أراد الله سبحانه وتعالى أن يعظّم هذه الفضيلة أو

____________

(1) تفسير الكشّاف 1 / 649.


الصفحة 35


هذا الفعل من علي، وجاء بلفظ الجمع إكراماً لعلي ولما فعله في هذه القضيّة.

وتبقى نظرية أُخرى، أتذكّر أنّ السيّد شرف الدين رحمة الله عليه يذكر هذه النظرية وهذا الجواب ويقول: لو أنّ الاية جاءت بصيغة المفرد، لبادر أعداء أمير المؤمنين من المنافقين إلى التصرّف في القرآن الكريم وتحريف آياته المباركات عداءً لامير المؤمنين، إذ ليست هذه الاية وحدها بل هناك آيات أُخرى أيضاً جاءت بصيغة الجمع، والمراد فيها علي فقط، فلو أنّه جاء بصيغة المفرد لبادر أُولئك وانبروا إلى التصرّف في القرآن الكريم.

إنّه في مثل هذه الحالة يكون الكناية، صيغة الجمع، أبلغ من التصريح ـ بأن يأتي اللفظ بصيغة المفرد، والذي آمن وصلّى وتصدّق بخاتمه في الصلاة في الركوع أو آتى الزكاة وهو راكع ـ والروايات تقول هو علي، فيكون اللفظ وإن لم يكن صريحاً باسمه إلاّ أنّه أدل على التصريح، أدل على المطلب من التصريح، من باب الكناية أبلغ من التصريح. يختار السيد شرف الدين هذا الوجه(1) .

ويؤيّد هذا الوجه رواية واردة عن إمامنا الصادق (عليه السلام) بسند

____________

(1) المراجعات: 263.


الصفحة 36


معتبر، يقول الراوي للامام: لماذا لم يأت اسم علي في القرآن بصراحة بتعبيري أنا، لماذا لم يصرّح الله سبحانه وتعالى باسم علي في القرآن الكريم ؟ فأجاب الامام (عليه السلام): لو جاء اسمه بصراحة وبكلّ وضوح في القرآن الكريم لحذف المنافقون اسمه ووقع التصرّف في القرآن، وقد شاء الله سبحانه وتعالى أن يحفظ القرآن (وإنّا له لحافظون) .

وهذه وجوه تذكر جواباً عن السؤال: لماذا جاءت الكلمة أو الكلمات بصيغة الجمع ؟

ولعلّ أوفق الوجوه في أنظار عموم الناس وأقربها إلى الفهم: أنّ هذا الاستعمال له نظائر كثيرة في القرآن الكريم، وفي السنّة النبويّة، وفي الاستعمالات الصحيحة الفصيحة، ثم إن الروايات المعتبرة المتّفق عليها دلّت على أنّ المراد هنا خصوص علي (عليه السلام).

إذن، مجيء اللفظ بصيغة الجمع لابدّ وأن يكون لنكتة، تلك النكتة ذكرها الزمخشري بشكل، والطبرسي بنحو آخر، والسيد شرف الدين بنحو ثالث، وهكذا.

وإذا راجعتم كتاب الغدير لوجدتم الشيخ الاميني رحمة الله عليه يذكر قسماً من الايات التي جاءت بصيغة الجمع وأُريد منها الشخص الواحد، ويذكر الروايات والمصادر التي يُستند إليها في


الصفحة 37


شأن نزول تلك الايات الواردة بصيغة الجمع والمراد منها المفرد.

فإذن، لا غرابة في هذه الجهة.

هذه عمدة الاعتراضات المطروحة حول هذه الاية المباركة.

إذن، بيّنّا شأن نزول الاية، وبيّنّا وجه الاستدلال بالاية، وتعرّضنا لعمدة المناقشات في هذا الاستدلال، وحينئذ لا يبقى شيء آخر نحتاج إلى ذكره.

نعم، هناك بعض الاحاديث أيضاً ـ كما أشرت من قبل ـ هي مؤيّدة لاستدلالنا بهذه الاية المباركة على إمامة أمير المؤمنين، منها حديث الغدير، ومنها حديث الولاية الذي أشرت إليه من قبل.

فحينئذ، لا أظنّ أنّ الباحث الحر المنصف يبقى متردّداً في قبول استدلال أصحابنا بهذه الاية المباركة على إمامة أمير المؤمنين، فتكون الاية من جملة أدلّة إمامته عن طريق ثبوت الاولويّة له، تلك الاولويّة الثابتة لله ولرسوله، فيكون علي وليّاً للمؤمنين، كما أنّ النبي وليّ المؤمنين، وهذه المنقبة والفضيلة لم تثبت لغير علي، وقد ذكرنا منذ اليوم الاوّل أنّ طرف النزاع أبو بكر، وليس لابي بكر مثل هذه المنقبة والمنزلة عند الله ورسوله.

وصلّى الله على محمّد وآله الطاهرين.

0
0% (نفر 0)
 
نظر شما در مورد این مطلب ؟
 
امتیاز شما به این مطلب ؟
اشتراک گذاری در شبکه های اجتماعی:

آخر المقالات

الايه التي ذكرت فيها مصيبة الحسين عليه السلام
أسرار الحج‌ و أعماله‌ الباطنة‌ من‌ شرح‌ نهج‌ ...
ولادة الإمام السجاد ( عليه السلام )
رجب ،أفضل أوقات العمرة‏
زيارة فاطمة الزهراء (س)عند قبر النبي (ص)
تقريب الافهام في تفسير آيات الاحكام
فقه اهل البيت عليهم السلام
الأغراض الاجتماعية في نهج البلاغة
مراحل ما بعد الدنيا
النزعة الانطباعية في التفسير

 
user comment