عربي
Saturday 25th of May 2024
0
نفر 0

الخوف من ضآلة النفس امام عظمة الخالق

فالإنسان مع صغر جرمه، إذا لم يكن ارتباطه بالحق سبحانه وتعالى، فهو ليس إلا عبارة عن لحم وجلد وعظام نخرة، فهل من المناسب له أن يدّعي العظمة؟ فالإنسان البصير، عندما ينظر إلى ضآلته امام عظمة الله، ينتابه خوف و وحشة شديدة، فلا يرى علاج لهذا الخوف؛ غير التمسك بحبل الله المتين.
 الخوف من ضآلة النفس امام عظمة الخالق

الإنسان هو محدود من ناحية الجسم والروح والعقل، وليس جميلاً للموجود المحدود ادّعاء العظمة والتكبّر. سبب ادّعاء العظمة هو النسيان، فعزة الإنسان وعظمته تكون فقط باتصاله بمقام الحق الذي هو الارتباط بأوامر الله عز وجل، بالاخص التقوى. فهذه العزة والعظمة ليست من ذات الإنسان، بل هو مقام يحصل عليه بواسطة السير في طريق الله. فبدون هذا الارتباط والاتصال فإن الإنسان حاله كحال ذرة من ذرات الأرض. الأرض التي هي لا شيء أمام المنظومة الشمسية والمنظومة امام هذه المجرات الكونية العظيمة هي أيضاً لا شيء، والمجرات امام السماء الاولى ليست أكثر من ذرة من الذرات، والسماء الاولى بالنسبة إلى السماء الثانية فإنها أصغر، وهكذا فالسماوات السبع امام العرش لا شيء. 

سمعت أن لكل كوكب عالم، فيه أرض وسماء مستقلة. 

والأرض في مقابل هذه الأفلاك، كنبتة في عمق البحار. 

فانظر ما قيمة نفسك أمام هذه النبتة، ثم بعد ستضحك من غرورك.[1]

فالإنسان مع صغر جرمه، إذا لم يكن ارتباطه بالحق سبحانه وتعالى، فهو ليس إلا عبارة عن لحم وجلد وعظام نخرة، فهل من المناسب له أن يدّعي العظمة؟ فالإنسان البصير، عندما ينظر إلى ضآلته امام عظمة الله، ينتابه خوف و وحشة شديدة، فلا يرى علاج لهذا الخوف؛ غير التمسك بحبل الله المتين. 

نعم، كما قال الإمام الحسين في مناجاته ربّه يوم  عرفة:

«ابْتَدَعْتَ خَلْقِي مِنْ مَنِيٍّ يُمْنى وَأَسْكَنْتَنِي فِي ظُلُماتٍ ثَلاثٍ بَيْنَ لَحْمٍ وَدَمٍ وَجِلْدٍ لَمْ تُشْهِدْنِي خَلْقِي، وَلَمْ تَجْعَلْ إِلَيَّ شَيْئاً مِنْ أَمْرِي ثُمَّ أَخْرَجْتَنِي لِلَّذِي سَبَقَ لِي مِنَ الهُدى إِلى الدُّنْيا تامّاًَ سَوِيّاً وَحَفَظْتَنِي فِي المَهْدِ طِفْلاً صَبِيّاً». 

نعم، تعالوا نطالع بدقة الآيات البينّات في القرآن الكريم حول صفات الله سبحانه وتعالى التي لا نهاية لها مثل الإرادة، العلم، القدرة، الامر والخلق. . . ، تعالوا، لنشاهد عظمة الخلق التي هي نموذج صغير من اشعة نور عظمة الخالق. تعالوا ننظر إلى صغر أنفسنا حتى نرى كيف ينتابنا الخوف والتوجس، ولكي نعوّض صغرنا المخوف هذا، فإننا نتحرك لكي نتّصل بالله ونحرر أنفسنا من هذا الخوف، ويصبح حالنا من الذلة إلى العظمة ومن الخوف إلى الأنس. 

وبالطبع فإن هذا الخوف، أو بتعبير ألطف؛ «الخشية» إنما تحصل للإنسان عن طريق المعرفة؛ بجلال وجمال وكبرياء وعظمة الله سبحانه وتعالى التي لا حدود لها. 

لاحظوا تاريخ الأنبياء والأولياء وعباد الله الموقنين، اولئك الکرام الذين لم يخطر على بالهم ـ طوال حياتهم ـ لحظةً لارتكاب ذنب، كيف أنهم امام عظمة الله يبكون ويستغيثون؛ مع كل تلك العبادة فإنهم لا يعتبرون أنفسهم شيئاً. 

يقال انه: بعد ان هبط آدم إلى الأرض وخروجه من الجنة؛ بكى كثيراً، ونوح ـ الذي اسمه يدل على معناه ـ كان يبكي كثيراً وطويلاً[2]. 

تصوّروا أن ابراهيم النبي(ع) مع ما له من مقام سامٍ؛ وما وصفه الله في قرآنه المجيد، ماذا كان يخاطب الله سبحانه وتعالى في دعائه، حتى جاءه الخطاب عن طريق امين الوحي قائلاً له: هل رأيت الصديق يورّط محبوبه بالعذاب والتعب؟ فقال لجبرائيل: لا ولكني كلما تذكرت ذنوبي، انسى الصداقة. هذا في وقت دل القرآن الكريم على عصمة وطهارة الانبياء(ع)، فماذا يعني هذا الخطاب في كلام ابراهيم(ع)؟ انه ذلك الإحساس بصغر النفس امام عظمة وجلالة الله سبحانه وتعالى. 

انظروا إلى الادعية الواردة من الرسول الأعظم(ص)، والأئمة المعصومين، خصوصاً دعاء كميل، والمناجاة الشعبانية، وكذلك المناجاة الخمسة عشر، ودعاء عرفة، ودعاء أبي حمزة الثمالي ـ الذي هو من إنشاء الإمام السجاد(ع) ـ حتى تروا أن الإنسان بمعرفة عظمة الخالق وذلک في المخلوق، كيف ينتابه هذا الخوف الشديد، وكيف أنه من أجل أن يعوّض صغره نفسه، يقدم على العبادة الخالصة لله سبحانه وتعالى؟

 


[1]- «نظامي». 
[2]- روى المرحوم المجلسي(ره): أن اسم النبي نوح كان «عبدالغفار»; لكنّه بسب بكائه الشديد والطويل اشتهر باسم «نوح». «عن ابي عبداللّه(ع) قال: كان اسمُ نوح(ع) عَبْدَ الْغَفّارِ وانَّما سُمِّىَ نُوْحاً لاَِنَّه كانَ يَنُوحُ عَلى نَفْسِهِ» . 

0
0% (نفر 0)
 
نظر شما در مورد این مطلب ؟
 
امتیاز شما به این مطلب ؟
اشتراک گذاری در شبکه های اجتماعی:

آخر المقالات

الأمل في القرآن الكريم و الروایات
الذكر
الخوف الممدوح
من العبودية إلى الربوبية
نبع العرفان
الخوف من ضآلة النفس امام عظمة الخالق
النبّاش؛ سارق الأكفان
صفات الله في الأدعية
وصايا الإمام الصادق(ع) للمفضل
العرفان من لسان الإمام علي(ع)

 
user comment