عربي
Tuesday 16th of July 2024
0
نفر 0

إجتناب المعاصي في الروايات

إذا دققنا النظر في الطقوس الإلهية، نجد أن أفضل العبادات و أسماها؛ هو الابتعاد عن المعاصي والذنوب.
إجتناب المعاصي في الروايات

هروب العارف من المعاصي، هو منهجه الأساس في الحياة، فليس للعارف مصيبة أكبر، من تلوثه بالذنب. فتنفّر العارف من اقتراف الذنب هو تنفّر شديد. 

من أهم ركائز الإسلام هو اجتناب الذنب والهروب منه، فتأكيد  الإسلام على الابتعاد من الذنب أو الورع هو أكثر من تأكيده على العبادة. 

إذا دققنا النظر في الطقوس الإلهية، نجد أن أفضل العبادات و أسماها؛ هو الابتعاد عن المعاصي والذنوب. 

فقد ذكر في الروايات أن التقوى والورع هما من أفضل العبادات و أعظمها. 

فالعارف عالم كمال العلم بآثار الذنب في الدنيا وعقوبته الشديدة في الآخرة، وعلى أساس هذه المعرفة، فإنه يكتسب الخوف ويعتبر هذا الخوف في وجوده من أهم العوامل وأقوى الأسباب للهرب من الذنب. 

من جملة الروايات في هذا الخصوص هي:

الآثار السيئة للذنب:

عَنْ أَبي جَعْفَر(ع) قالَ: «إِنَّ الْعَبْدَ يَسْأَلُ اللّهَ الْحاجَةَ فَيَكُونُ مِنْ شَأْنِهِ قَضاءُها إِلى أَجَل قَريب أَوْ إِلى وَقْت بَطيئ فَيَذْنِبُ الْعَبْدُ ذَنْباً فَيَقُولُ اللّهُ تَبارَكَ وَتَعالى لِلْمَلَكِ: لاتْقُضْ حاجَتَهُ وَأَحْرِمْهُ إِيّاها فَإِنَّهُ تَعَرَّضَ لِسُخْطي وَاسْتَوْجَبَ الْحِرْمانَ مِنّي»[1]. 

عَنْ أَبي عَبْدِاللّهِ(ع) قالَ:

 «إِنَّ الْرَجُلَ يُذْنِبُ الذَّنْبَ فَيُحْرَمُ صَلاةَ اللَّيْلِ وَإِنَّ الْعَمَلَ السَيِّئَ أَسْرَعُ فى صاحِبِهِ مِنَ السِّكِّينَ فى اللّحْمِ»[2]. 

قالَ أَميرُالْمُؤْمِنينَ(ع):

 «لا وَجَعَ أَوْجَعُ لِلْقُلُوبِ مِنَ الذُّنُوبِ، وَلا خَوْفَ أَشَدُّ مِنَ الْمَوْتِ، وَكَفى بِما سَلَفَ تَفَكُّراً وَكَفى بِالْمَوْتِ واعِظاً»[3]. 

عَن أَبي الْحَسَنِ(ع):

 «إِنَّ للّهِ عَزَّوَجَلَّ في كُلّ يَوْم وَلَيْلَة مُنادِياً يُنادي: مَهْلاً مَهْلاً عِبادَ اللّهِ عَنْ مَعاصي اللّهِ، فَلَوْ لا بَهائِمُ رُتَّعٌ، وَصِبْيَةٌ رُضَّعُ، وَشُيُوخٌ رُكَّعٌ لَصُبَّ عَلَيْكُمُ الْعَذابُ صَبّاً، تُرَضُّونَ بِهِ رَضّاً»[4]. 

عَنْ نُعْمانِ الرّازي قال: سَمِعْتُ أَبا عَبْدِاللّهِ(ع) يَقُولُ: 

«مَنْ زَنى خَرَجَ مِنَ الاِْيمانِ وَمَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ خَرَجَ مِنَ الاِْيمانِ، وَمَنْ أَفْطَرَ يَوْماً مِنْ شَهْرِ رَمَضانِ مُتَعَمِّداً خَرَجَ مِنَ الإِيمانِ»[5]. 

عَنْ عُبَيْدَةِ بنِ زُرارة قالَ: سَأَلْتُ أَبا عَبْدِاللّهِ(ع) عَنِ الْكَبائِرِ: 

«فَقالَ هُنَّ في كِتابِ عَلى سَبْعٌ: الْكُفْرُ بِاللّهِ، وَقَتْلُ النَّفْسِ، وَعُقُوقُ الْوالِدَيْنِ، وَأَكْلُ الرِّبا بَعْدَ الْبَيِّنَةِ وَأَكْلُ مالِ الْيَتيمِ ظُلماً، وَالْفِرارُ مِنَ الزَّحْفِ، وَالْتَّعَرُّبُ بَعْدَ الْهِجْرَةِ، قالَ: فَقُلْتُ: فَهذا أَكْبَرُ الْمَعاصي; قالَ نَعَمْ قُلْتُ: فَأَكْلُ درهَم مِن مالِ الْيَتيمِ ظُلْماً أَكْبَرُ أَمْ تَرْكُ الصَّلاةِ قالَ: تَرْكُ الصَّلاةِ قُلْتُ: فَما عَدَدْتَ تَرْكَ الصَّلاةِ في الْكَبائِرِ فَقالَ: أَىُّ شَيء أَوَّلُ ما قُلْتُ لَكَ قالَ: قُلْتُ الْكُفْرُ قالَ: فَإِنَّ تارِكَ الصَّلاةِ كافِرٌ يَعْني مِنْ غَيْرِ عِلَّة»[6]. 

ويعتقد العلامة المجلسي ان الجملة «مِنْ غَيْرِ عِلَّة» هو من كلام المرحوم الكليني أو الرواة. 

كبائر الذنوب لدی العظماء:

يذكر المرحوم المجلسي(ره) عن الشيخ البهائي في تعريف كبائر الذنوب هذه الاقوال:

1ـ كل ذنب هدّد به الله سبحانه وتعالى الإنسان في قرآنه الكريم بأن يعذبه عليه. 

2ـ كل معصية وضع الشرع له حدّاً، وهدّد به القرآن الكريم. 

3ـ كل ذنب يكون ارتكابه دليلاً على عدم اهتمام الإنسان بالدين. 

4ـ كل ذنب تم اثبات تحريمه بالأدلة القطعية. 

5ـ كل معصية في كتابه وسنة رسوله(ص) هُدّد مرتكبها بأشد العقاب. 

6ـ يقول ابن مسعود:

الذنوب من أول سورة النساء إلى هذه الآية {إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ}[7] تعتبر من الكبائر. 

7ـ كل ذنب يرتكبه الإنسان يعتبر من الكبائر، لأن كل معصية دليل على مخالفة الله سبحانه وتعالى وكبر وصغر الذنب يختلف في صعوده ونزوله، فمثلاً تقبيل المرأة بالنسبة إلى الزنا يعتبر صغيرة، وكبيرة بالنظر إليها. 

ثم يقول العلامة الفاضل المرحوم المجلسي(ره):

ربما قصد البعض أن جميع الذنوب هي من الكبائر، ان لا نتهاون بالذنب ولا نعتبره صغيراً ولاشيء، كما جاء في الروايات والآخبار:

من كلام له(ص): «لا تنظروا إلى صغير الذنب، ولكن انظروا إلى ما اجترأتم»[8]. 

لكن هذا لا يتنافى مع ان بعض الذنوب بالنسبة لبعضها الآخر تعتبر كبيرة وأن نقسمها إلى صغائر وكبائر، فإذا ابتعد الإنسان عن الكبائر فإنه ستغفر له الصغائر، ولكن ارتكاب الكبائر والاصرار على الصغائر يتنافى مع العدالة. 

أما بخصوص عدد الكبائر؛ فقد عدها البعض سبعاً:

1ـ الشرك بالله. 2ـ القتل. 3ـ قذف المؤمنة. 4ـ أكل مال اليتيم ظلماً. 5ـ الزنا. 6ـ الفرار من الزحف. 7ـ عقوق الوالدين. 

والبعض الآخر أضاف إليها 13 ذنباً آخر:

1ـ اللواط. 2ـ السحر. 3ـ أكل الربا. 4ـ الغيبة. 5ـ اليمين الكاذبة. 6ـ شهادة الزور. 7ـ شرب المسكر. 8 ـ هتك حرمة الكعبة. 9ـ السرقة. 10ـ نقض العهد. 11ـ التعرّب بعد الهجرة. 12ـ اليأس من رحمة الله. 13ـ الأمن من مكر الله. 

وقد أضاف بعض العلماء والفضلاء 14 ذنباً آخر لما ذكرناه في الأعلى:

1ـ أكل الميتة. 2ـ شرب الدم. 3ـ أكل الخنزير. 4ـ أكل الذبيحة دون تذکية 5ـ أكل السحت كالرشوة. 6ـ لعب القمار. 7ـ التطفيف. 8ـ إعانة الظالم. 9ـ منع المؤمن حقه مع اليسر. 10 ـ الإسراف. 11 ـ التبذير. 12ـ الخيانة. 13ـ إضاعة الوقت بالأعمال غير النافعة. 14ـ الإصرار على الذنوب الصغيرة. 

وبعد ذلك يقول العلامة المجلسي(ره) عليه:

فكل هذه الأقوال والتعاريف وعدد الذنوب لا يوجد لها دليل مؤکد. وربما في اخفاء الله للكبائر أو لعددها مصلحة، مثلما هنالك لإخفاء ليلة القدر والصلاة الوسطى[9]. 

ويقول بعض أهل المعرفة والبصيرة:

إن المصلحة من إخفاء الكبائر وعددها، هو اجتناب الإنسان كل ذنب؛ فربّما تكون كبيرة ويكون موضع غضب الله وسخطه في تلك اللحظة، وتصعب توبته، و قد جاء في الروايات:

عن رسول الله أنه قال: «إن الله كتم ثلاثة في ثلاثة: كتم رضاه في طاعته، وكتم سخطه في معصيته، وكتم وليّه في خلقه، فلا يستخفّن أحدكم شيئاً من الطاعات، فإنّه لا يدري أيّها رضا الله، ولا يستقلنّ أحدكم شيئاً من المعاصي فإنّه لا يدري في أيّها سخط الله، ولا يزرين أحدكم بأحد من خلق الله فإنّه لا يدري أيّهم ولي الله»[10]. 

عَنْ أَبي عَبْدِاللّهِ(ع) قالَ: قالَ النَّبِيُّ(ص): 

«أَرْكانُ الْكُفْرِ أَرْبَعَةٌ: الرَّغْبَةُ وَالرَّهْبَةُ وَالسَّخَطُ وَالْغَضَبُ»[11]. 

عَنْ أَبي عَبْدِاللّهِ(ع) قالَ: قالَ رَسُولُ اللّهِ(ص):

 «إِنَّ أَوَّلَ مَا عُصِيَ اللّهُ عَزَّوَجَلَّ بِهِ سِتّ: حُبُّ الدُّنْيا، وَحُبُّ الرِئاسَةِ، وَحُبُّ الطَّعامِ، وَحُبُّ النَّوْمِ، وَحُبُّ الرَّاحَةِ، وَحُبُّ النِّساءِ»[12]. 

فالآثار السيئة لهذه الأمور الست التي ذُكرت في الرواية، هي في حالة الإفراط والتفريط. بعبارة أخرى، ان الإسلام لا يحب الإفراط أو التفريط، بل إن الاعتدال هو من أهم صفات هذا الدين الإلهي، الذي أوصى به حتى في العبادات. 

عَنْ أَبي عَبْدِاللّهِ(ع) قالَ: قالَ رَسُولُ اللّهِ(ص):

«مِنْ عَلاماتِ الشِّقاءِ جُمُودُ الْعَيْنِ وَقَسْوَةُ القَلْبِ وَشِدَّةُ الْحِرْصِ في طَلَبِ الدُّنْيا (الرِّزق) وَالإِصْرارِ عَلَى الذَّنْبِ»[13]. 

‌عَنْ أَبي عَبْداللّهِ(ع) قالَ: قالَ رَسُولُ اللّهِ(ص): 

«ثَلاثٌ مَنْ كُنَّ فيهِ كانَ مُنافِقاً وَإِنْ صامَ وَصَلّى وَزَعَمَ أَنَّهُ مُسْلِمٌ: مَنْ إِذَا ائْتُمِنَ خانَ وَإِذا حَدَّثَ كَذِبَ وَإِذا وَعَدَ خَلَفَ، إِنَّ اللّهَ عَزَّوَجَلَّ قالَ في كِتابِهِ: {اِنَّ اللّهَ لا يُحِبُّ الْخائِنينَ}[14]. وَقالَ: {أَنَّ لَعْنَةَ اللّهِ عَلَيْهِ اِنْ كانَ مِنَ الْكاذِبينَ}[15] وفي قَوْلِهِ عَزَّوَجَلَّ {وَاذْكُرْ في الْكِتابِ اِسْماعيلَ إِنَّهُ كانَ صادِقَ الْوَعْدِ وَكانَ رَسُولاً نَبِيّاً}[16]. 

كل ما ذكرناه هو نماذج من صفات العارفين الخائفين من الله سبحانه وتعالى ومن عذاب الآخرة. 

فالذي لا يريد ان يعرف المحرّمات، ويعرفها ولا يجتنبها، فليس بمسلم والذي يجتنب المعاصي والمذنبين، ويهرب من العاصين والمذنبين المعاندين؛ كما تهرب الشاة من الذئب، فإنه عارف قد مُلئ قلبه بخوف الله سبحانه وتعالى، فخوفه وهروبه من المعاصي وأهلها، دليل على معنى كلام الإمام الصادق(ع) الذي قال: فَدَليلُ الْخَوْفِ الْهَرَبُ. 

 


[1]- الكافي: 2/271، باب الذنوب، حديث 14 . 
[2]- الكافي: 2/272، باب الذنوب، حديث 16 . 
[3]- الكافي: 2/272، باب الذنوب، حديث 28 . 
[4]- الكافي: 2/272، باب الذنوب، حديث 31 . 
[5]- الكافي: 2/278، باب الكبائر، حديث 5 . 
[6]- الكافي: 2/278، باب الكبائر، حديث 8 . 
[7]- النساء 4: 31. 
[8]- وسائل الشيعة: 15/313، باب 43، حديث 5/206. 
[9]- يراجع الهامش في كتاب الكافي وكتاب مرآة العقول للعلامة المجلسي. 
[10]- وسائل الشيعة: 15/313، باب 43، حديث 4/206. 
[11]- أمالي الشيخ الصدوق: 419، المجلس الخامس والستون، حديث 8. 
[12]- مجموعة ورّام: 2/205; الكافي: 2/289، باب في اصول الكفر، حديث 3. 
[13]- الخصال: 243، اربع من علامات الشقاء، حديث 96; تحف العقول: 47 . 
[14]- الانفال 8: 58 . 
[15]- النور 24: 7 . 
[16]- مريم 19: 54 . الكافي: 2/290، باب في اصول الكفر واركانه، حديث 8 . 

0
0% (نفر 0)
 
نظر شما در مورد این مطلب ؟
 
امتیاز شما به این مطلب ؟
اشتراک گذاری در شبکه های اجتماعی:

آخر المقالات

وصايا الإمام الصادق(ع) للمفضل
العرفان من لسان الإمام علي(ع)
الحجاب النوراني والحجاب الظلماني
الأمل بالله سبحانه وتعالى
الحب في الروايات
توبة «وحشي»
الله سبحانه وتعالى والمذنبين التائبين
جمال القلب
حقيقة شرح الصدر
الأمل في القرآن الكريم و الروایات

 
user comment