عربي
Wednesday 17th of July 2024
0
نفر 0

عليّ عليه السلام الإنسان الكامل

عليّ عليه السلام الإنسان الكامل

إنّ معرفة الإنسان الكامل أو الإنسان النموذجيّ أو الأسمى واجبة علينا كمسلمين, لأنّه بحكم المثال والقدوة الّتي ينبغي أن يُقتدى بها، وليس بحثنا هذا مجرّد بحث علمّي بحت وإنّما له فائدة عمليّة كبيرة، إذ من خلاله نستطيع أن نشخّص الطريق الّذي أراد الإسلامُ من الإنسان والأمّة أن يسلُكاه للوصول إلى الإنسان الكامل الّذي يريده الإسلام.
ولِمعرفة الإنسان الكامل يوجد طريقان:
الأوّل: الرجوع إلى القرآن والسنّة النبويّة:
لِنرى الأوصاف الّتي ذكرها للإنسان الكامل، ولو بتعبير المسلم أو المؤمن الكامل، إذ المراد منهما هو الإنسان الّذي يصل إلى الكمال على ضوء تعاليم الإسلام. وفي المقام يوجد الكثير من النّصوص الّتي يمكن الاستفادة منها، وسنشير إلى بعضها إن شاء الله.
الثاني: البحث عن نماذج كاملة للإنسانيّة:
قد وجِدت على ضوء تعاليم الإسلام والقرآن، فنقوم بدراسة شخصيّاتها بكلّ أبعادها.
ويُعتبرُ النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم ووصيّه الإمام عليّ عليه السلام نموذجين بارزين للإنسان الكامل. ودراسة شخصيّة الإنسان الكامل لا تعني دراسة هويّته فقط، كمعرفة نسبه وتاريخ ولادته، وإنّما تعني ما هو أعمق من ذلك بكثير، تعني التعرّف على حقيقة شخصيّته لنستطيع من خلال ذلك تشخيص القدوة، ونكون بالتالي قادرين على الاقتداء بها.
وبهذا الاقتداء نكون مستحقّين للاتصاف بأنّنا أتباع محمّد صلى الله عليه وآله وسلموشيعة عليّ عليه السلام. فإنّ الّذين يشايعون عليّاً عليه السلام هم الّذين يسيرون على دربه قولاً وعملاً لا قولاً فقط.
معنى كلمة الإنسان الكامل
لعلّ الكثير لا يجد صعوبة في فهم هذه الكلمة، ولكن بالتمعّن بها نجد أنّها تحتاج إلى توضيح وشرحٍ أكثر.
يوجد في اللغة العربيّة كلمتان متقاربتان في المعنى وليستا بمعنى واحد، هما "الكمال والتمام". ويقابلهما كلمة واحدة وهي "النقصان"، تُستَعمل تارةً ضدّ الكمال وأخرى ضدّ التمام. فيُقال تارةً "هذا كامل وذاك ناقص"، وأخرى "هذا تامّ وذاك ناقص"، وقد ذكرتا معاً في القرآن الكريم في آيةٍ واحدةٍ، قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِينا﴾(1) ولم يقل "اليوم أتممت لكم دينكم" أو "وأكملت عليكم نعمتي" ولو ذكر ذلك لما صحّ لغة فما هو الفرق بينهما؟
أمّا "التمام" فيُراد به التعبير عن تحقّق جميع الأمور اللاّزمة لصيرورة الشيء غير ناقص من جهة ماهيّته وحقيقته، فلو لم يتحقّق بعض هذه الأمور وُصِف الشيء بالناقص أي أنّه لم يوجد كلُّه. فمثلاً يتألّف المسجد من قاعة للصلاة وجدرانٍ وسقف و... فإذا وُجدت جميع هذه الأشياء أمكن القول بأنّ بناء المسجد قد "تمّ" وإلّا فإنّ البناء يبقى ناقصاً.
وأمّا "الكمال" فيُراد به التعبير عن الدّرجات الّتي يمكن أن يصل إليها الشيء بعد تمامه، ولذلك فلو لم يكن الشيء كاملاً لم يعنِ ذلك أنّه غير تامّ، بل هو تامّ. وعندما يُقال أنّ فلاناً قد كمُل عقله فلا يعني أنّ عقله كان ناقصاً والآن أصبح تامّاً، بل يعني أنّ عقله تامّ إلّا أنّه قد ارتقى في سلّم الكمال.
وعليه، فالإنسان الكامل هو الإنسان الّذي وصل إلى أرقى درجات الإنسانيّة، ذلك الحدُّ الّذي لا يكون فوقه إنسان.
الكمال والنقصان في الصفات الأخلاقية
يوجَد إنسان "سالم" تامّ وآخر "معيوب" ناقص، وهذان المصطلحان يُنسَبان لجنبةٍ في كيان الإنسان وهي الجسم.
فالإنسان المعيوب هو المصاب بإحدى الآفات كالعمى أو الشّلل و... وهذه جميعاً إنّما تصيب الجسم لا النّفس، ولذلك فإنّها لا تُنقِص من شخصيّة الإنسانِ شيئاً. فمثلاً طه حسين الضرير أو سقراط الفيلسوف المعروف كان من أقبح الناس وجهاً ومع ذلك لم يجدْ أحد في قبحه نقصاً في إنسانيّته وشخصيّته.
ويُستنتج من ذلك أنّ للإنسان بُعدَين: جسميّ وروحيّ. وهما وإن كانا معاً إلّا أنّ أحدهما غير الآخر. فقد يكون الإنسان سليماً من ناحية الروح إلّا أنّه مريض من الناحية الجسديّة. وقد يكون سليماً من الناحية الجسديّة إلّا أنّه مريض من الناحية النفسانيّة كالمتكبّر والحسود وغيرها من الرذائل الأخلاقيّة الّتي لا علاج لها بين العقاقير.
إنّ الحسود عندما يرى نعمةً عند الآخرين يتمنّى أن تزول عنهم بكلّ جوارحه بغضّ النظر عن إرادتها لنفسه، بل يصل الأمرُ به أحياناً أن يتمنّى لنفسه أن يصاب بمائة مصيبةٍ لو أُصيب من يحسده بخمسين.
إنّ الحسد مرض يصيب نفس الإنسان، وليس للإنسان سبيل لدفعه إلّا بتزكية نفسه، قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا ء وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾(2). .
المنهج القرانيّ في بناء الإنسان الكامل
أوّل خطوةٍ في المنهج القرآنيّ في بناء الإنسان الكامل،هي تزكية النفس وتنميتها وتطهيرها مِن الأمراض الباطنية والعُقد والظلمات أي صيرورة الإنسان إنساناً حقيقةً يلائم مظهره الخارجيّ واقعه الباطنيّ لا أن يكون إنساناً من خارج ومسخاً من داخل.
إنّ مادّة "مَسَخَ" وردت في العديد من آيات القرآن الكريم الّتي تحدّثت عن أقوامٍ مسخوا إلى قردةٍ وخنازير بسبب طغيانهم وكفرهم وصدّهم لأنبياء الله تعالى.
ولو فرضنا أنّ الإنسان لا يمسخ جسديّاً فإنّه مما لا شكّ فيه أنه يُمسَخ روحيّاً ونفسيّاً فيتحوّل إلى حيوانٍ بل إلى ما هو أدون منه، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنّ‌ وَالْأِنْسِ لَهُمْ قُلُوب لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُن لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ اذَان لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلّ‌ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُون﴾(3).
المسخ الروحيّ
إنّ شخصيّة الإنسان تتجلّى في صفاته الأخلاقيّة والنفسيّة، فإذا اعتدلت هذه الصفات كانت شخصيّة الإنسان متلائمةً مع مظهره الإنسانيّ، وأمّا إذا انحدرت وخرجت عن طور الإنسانيّة واتسمت بصفات حيوانٍ مفترس، لم يعد صاحب هذه الصفات إنساناً وإنّما يصبح حيواناً مفترساً، أي إنّ شخصيّته قد مُسِخَت وأصبحت في الباطن والحقيقة بهيمةً. وهذا هو الإنسان الناقص في قبال الإنسان الكامل.
جاء في الرواية أنّ رجلاً كان بصحبة الإمام زين العابدين عليه السلام أيّام الحجّ، وفي صحراء عرفات وأمام مشهد الألوف من الحجيج قال الرجلُ للإمام عليه السلام: "ما أكثر الحجيج"، فأجابه الإمام عليه السلام: "ما أكثر الضجيج وأقلّ الحجيج"(4). وعندما نظر الرجل ثانيةً إلى تلك الجموع شاهد الصحراء مملوءةً بالحيوانات وبينهم بعض الناس يتحرّكون. لقد فتح الإمام عليه السلام عين هذا الرجل على باطن الحقيقة. وفي زماننا هذا يوجد العديد من الأفراد ممَّن يستطيعون أنّ يدركوا الإنسان على حقيقته وأن يروا أنّ كثيراً من الناس لا تختلف أرواحهم عن أرواح ذوات الأربع.
يذكر العلماء أنّ صنفاً واحداً من الناس سيحشر على هيئة إنسان، وأمّا البقيّة فقسم يُحشَر على هيئة العقارب، وقسم يُحشَر على هيئة الأفاعي، وقسم يُحشَر على هيئة القرود وهكذا. لماذا؟
لأنّ من لا همّ له سوى إيذاء الناس ولسعهم هو في حقيقته عقرب، ومن لا همّ له سوى النهش في أعراض الناس هو في حقيقته كلب، ومن لا همّ له سوى التلاعب بالناس هو في حقيقته قرد. إنّ صفات الإنسان وخصاله في الدنيا هي الّتي تحدِّدُ هيئته في الآخرة.
تفاوت الكمال بين المخلوقات
تارةً ينسب الكمال إلى الإنسان وأخرى إلى المَلَك وثالثةً إلى الجنّ ورابعةً إلى الحيوان. والكمال في كلّ واحدٍ من الأنواع المتقدّمة يختلف عن الكمالِ في الآخر, فالملائكة موجودات علويّة مخلوقة من العقل المحض وهم مبرّؤون من أيّ جنبةٍ أرضيّةٍ وشهوانيّة، بخلاف الحيوانات غير الإنسان فإنّها موجودات أرضيّة صرفة. وأمّا الإنسان فهو موجود مركّب من جنبتين علويّة ملائكيّة وسفليّة حيوانيّة.
عن الإمام الصادق عليه السلام قال: "قال أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام: إنّ الله ركّب في الملائكة عقلاً بلا شهوة، وركَّب في البهائم شهوةً بلا عقل، وركّب في بني آدم كلتيهما، فمن غلب عقله شهوته فهو خير من الملائكة، ومن غلب شهوته عقله فهو شرّ من البهائم"(5).
فالإنسان يختلف عن غيره من المخلوقات نتيجةً لاختلاف ذاته في تركيبها عن المخلوقات الأخرى ولهذا يكون الكمال المنتسب إليه مختلفاً عن الكمال المنتسب إليها. قال تعالى:﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً ء إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُورا﴾(6).
أي إنّ الله خلق الإنسان من نطفةٍ تحتوي على الكثير من القابليّات تجعله مؤهّلاً لمواجهة الامتحان والبلاء وبالتالي الحصول على الثواب أو العقاب ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً﴾. ونتيجةً لهذه الخصائص كان الإنسان الكامل مختلفاً عن الملك الكامل، وكمال الإنسان يكمن في إقامته التوازن بين جميع قابليّاته واستعداداته، لا أن ينمّي بعضها ويهمل الأخرى كالجسم المكوّن من رأسٍ ويدين ورجلين و... ولا ينمو فيه سوى عضو واحد، إنّ هكذا جسماً يقال عنه أنّه غير متجانس. أمّا إذا نمت الصفات والقابليّات بنحوٍ متجانسٍ فإنّ الكمال سيتحقّق ويرتقي إلى أن يصبح الإنسان إماماً، كما حكاه تعالى عن إبراهيم عليه السلام: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنّ‌ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾(7)
لقد واجه إبراهيم عليه السلام اختباراتٍ وابتلاءاتٍ عظيمة, منها إلقاؤه في النار ومنها أمره بذبح ابنه إلّا أنّه اجتازها من خلال التسليم المطلق للأمر الإلهيّ ولذا كان الثواب:﴿قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾(8).﴿وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ (9).
وبهذا يتّضح معنى قوله تعالى: ﴿إِنّ‌ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِين﴾(10)، ومعنى الوسام الإلهيّ الّذي أعطي له ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً﴾(11).. لقد أصبح إنساناً كاملاً وعلى الآخرين أن يتّخذوه قدوةً ويحتذوا حذوه إذا أرادوا الوصول إلى الكمال.
الإفراط في التمسّك بإحدى القيم ومبادئه
يركِّز القرآن الكريم على ضرورة العمل على إنماء جميع القيم في كيان الإنسان بنحوٍ متوازنٍ لا يؤدّي إلى إلغاء بعضها لحساب الآخر. يقول تعالى:﴿مُحَمَّد رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾(12) ويقول في موضعٍ آخر: ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْامِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾(13).
ففي هاتين الآيتين المباركتين وغيرهما من الآيات نجده تعالى يبيّن سمات المجتمع الإسلاميّ من خلال أفراده، فهم الّذين يبتغون فضل الله ويتقدّمون يوماً بعد يوم. هم التائبون العابدون وهم الآمرون بالمعروف الناهون عن المنكر، وهم المستغفرون بالأسحار وهم الصابرون الصادقون. فهؤلاء قد نمت فيهم القيم بشكلٍ متوازن بحيث لم يمنع نمو بعضها من نمو بعضها الآخر.
ومن هذا البيان ندخل لتسليط الضوء على الانحراف الّذي قد يصيب المجتمع والأفراد باسم التنوّر، كذاك الانحراف الّذي حصل في عهد عمر.
إنحراف التنوّر
من المعلوم أنّ عمر بن الخطاب قام بحذف "حيّ على خير العمل" من الأذان، ولعلّك تتساءل عمّا دفعه لذلك؟ والجواب أنّه حسبَ ذلك تنوّراً فكريّاً، فقد كان عهده عهد الفتوحات وقد استطاع المسلمون أن يحقّقوا انتصاراتٍ عظيمة على الرغم من قلّة عددهم في مقابل الإمبراطوريّتين الرومانيّة والفارسيّة، وفي تلك الظروف رأى "عمر" أنّه من المصلحة حذف "حيّ على خير العمل" من الأذان، لأنّها تدعو المسلم للتوجّه نحو أفضل الأعمال وهي الصلاة، وهذا سيفسد نفسيّة المقاتلين فإنّهم سيقعون في حيرةٍ من أمرهم أيذهبون إلى الصلاة أم إلى الجهاد؟ بالطبع سيذهبون إلى الصلاة فإنّها أفضل الأعمال ولازم ذلك إضعاف قوّة المسلمين. إذاً فلتحذف "حيّ على خير العمل" وليتمّ إبدالها بـ"الصلاة خير من النوم" باسم التنوّر.
إلّا أنّه قد فات عمر أنّ المسلمين إنّما استطاعوا هزم الإمبراطوريّتين الرومانيّة والفارسيّة لا بقوّة السلاح وإنّما بقوّة الإيمان المستمدّة من الصلاة، ومن المناجاة مع الخالق واستشعار عظمته وأنّه سبحانه أكبر من كلّ شي‌ء،أي المستمدّة من "حيّ على خير العمل".
لقد جانَبَ "عمر" الصواب في عمله ولم يلتفت إلى أنّ من كان الجهادُ فرضاً واجباً عليه فإنّه لن يتركه بل سيجده شرطاً لقبول صلاته، ولن تكون صلاته إسلاميّةً إلّا بتحقيقه.
هذا هو منطق الإسلام، صحيح أنّ العبادة هي أعلى القيم، إلّا أنّ لها شروطاً تؤدّي إلى نموّ سائر القيم معها، يقول تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنّ‌ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾(14)
انحراف العبادة
أولى الإسلامُ العبادةَ أهميّةً كبرى، إلّا أنّ هذه العبادة قد يحصرها بعض بالذهاب إلى المسجد وقراءة القرآن فحسب، من دون أن تمتدّ لتشمل جميع نشاطات الإنسان كالتكسّب للنفس والعيال، وخدمة المجتمع والجهاد في سبيل الله. وهذا انحراف يصيب العبادة.
"روي أنّ جماعةً من الصحابة حرّموا على أنفسهم النساء والإفطار بالنهار والنوم بالليل، فأخبرت أمّ سلمة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فخرج إلى أصحابه فقال: أترغبون عن النساء؟! إنّي آتي النساء، وآكل بالنهار، وأنام بالليل، فمن رغب عن سنّتي فليس منّي، وأنزل الله سبحانه:﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ امَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلّ‌ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنّ‌ اللَّهَ لا يُحِبّ‌ الْمُعْتَدِينَ * وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالاً طَيِّباً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُون﴾(15) فقالوا يا رسول اللَّه، إنّا قد حلفنا على ذلك؟ فأنزل اللَّه: ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ (...) وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ ايَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُون﴾(16)
وهكذا بالنسبة للقيم الأخرى كالزهد والجهاد والعدالة والحريّة وخدمة الناس وغيرها فإنّها قد تصاب بانحراف يؤدّي إلى طغيانها على بقيّة القيم ممّا يؤدّي إلى اختلال المجتمع، ولهذا فإذا أردنا إحياء قيمة خدمة الناس مثلاً فلا ينبغي أن يكون ذلك على حساب إكرام عباد الله الصالحين وإلّا فإنّ هذه الخدمة ستكون كخدمة أيّ حيوانٍ آخر غير الإنسان.
هذه قيم والإنسان الكامل ليس هو العابد فقط أو الزاهد فقط أو المجاهد فقط, إنّه ذاك الّذي تربَّت فيه كلّ هذه القيم ونمت إلى حدودها العليا في انسجام والتئام.
معيار القيم الإنسانية
على الرغم من الاختلاف الكبير بين الرؤية الروحيّة والرؤية الماديّة حول ماهيّة الإنسان.بالروح أم بالجسد، إلّا أنّهما تتّفقان معاً على وجود جملةٍ من الأمور المعنويّة الّتي تهب للإنسان القيمة، والّتي إن جُرِّد الإنسان منها ارتفع الفرق بينه وبين الحيوان. ويصطلح على هذه الأمور بـ"القيم الإنسانيّة".
يُعتَبر الإحساس بالألم وبحسب ما ورد في النصوص الإسلاميّة معياراً للقيم الإنسانيّة، وهذا ما يحتاج إلى بعض التوضيح:
عند الحديث عن الألم فإنّ أوّل ما يتبادر إلى الذهن هو كيفيّة علاجه لا جعله معياراً للقيم، إلّا أن هذا الاستغراب سيزول إذا علمنا منشأ الألم.
من الأمور الّتي ينبغي الالتفات إليها أنّ الألم حتّى الآلام العضويّة ينبِّه على وجود خللٍ ما في كيان المتألمّ. ولولا هذا التنبيه لما أدرك المتألمّ وجود الخلل ولما بادر إلى علاجه. نستنتج من ذلك أنّ الألم نعمة وإحساس وتيقّظ. فالإنسان من خلال الألم يدرك وجود نقصٍ عنده، فيندفع للبحث عن علاجه وعمّا يرفعه.
إنّ إحساس الإنسان بجهله وقصوره يولّد لديه آلاماً تدفعه نحو البحث عمّا يرفعهما. والقائل بأنّ العقل والذكاء عدوّان له هو فاقد للإحساس بالتعاسة والشقاء الناتجين من الجهل. ومن حاله كذلك فهو تعيس وسيّء الحظّ، حاله كحال المصاب بمرضٍ في جسمه لا يؤلمه حتّى يتطوّر ويصبح ميئوس العلاج.
وقد تسأل عن ماهيّة الألم الّذي يُعتَبر معياراً للقيم الإنسانيّة، فهل هو ألم الصداع أم ألم الظهر أم أيّ نوع من الآلام العضوية؟
والجواب: إنّه ليس من جنس هذه الآلام فإنّ الحيوان، يشترك مع الإنسان فيها، بل هو ألم من نوعٍ آخر إنّه "ألم البحث عن الله".
ومنشأ هذا الألم، إنّ الإنسان وكما تُعبِّر النصوص الإسلاميّة نفخة من روح الله نزلت إلى الدنيا. ولذلك فإنّه لا ينسجم تماماً معها بل يحسّ بالغربة. إنّ كُلّ ما في الدنيا زائل وفانٍ وليس جديراً بالتعلُّق به. إنّه الإنسان يحنّ لخالقه ولذلك فإنّه يبحث عنه ليعبده ويبثُّه شجونه ويتقرَّب إليه.
ومن أجمل الأمثلة الّتي يذكرها العرفاء لتقريب هذه الفكرة ما يذكره مولويّ في مطلع كتابه مثنوي، فإنه يشبِّه الإنسان بالناي الّذي اقتُطِع من مزرعة القصب ولذلك فإنّه دائم الأنين من ألم الفراق. إنّه ينوح لأنّه قد فُصِل عن أصله.
هذا هو الألم العرفانيّ, إنّ الإنسان يتألمّ من فراق الله ولذلك فإنّه يناجيه طالباً وصاله. يقول الإمام عليّ عليه السلام في حديثٍ له مع كميل بن زياد: "اللّهمّ بلى! لا تخلو الأرض من قائمٍ لله بحجَّة، إمّا ظاهراً مشهوراً، وإمّا خائفاً مغموراً (غمره الظلم حتّى غطّاه فهو لا يظهر.) أولئك والله الأقلّون عدداً، والأعظمون عند الله قدراً، يحفظ الله بهم حججه وبيّناته، حتّى
يودعوها نظراءهم، ويزرعوها في قلوب أشباههم. هجم بهم العلم على حقيقة البصيرة، وباشروا روح اليقين، واستلانوا ما استوعره المترفون، وأنسوا بما استوحش منه الجاهلون، وصحبوا الدنيا بأبدانٍ أرواحها معلّقة بالمحلّ الأعلى، أولئك خلفاء الله في أرضه، والدعاة إلى دينه. آهٍ آهٍ شوقاً إلى رؤيتهم!"(17).
فهؤلاء كما يصفهم الأمير عليه السلام يتألّمون بسبب البعد عن الله والشوق إليه، فما لم يصل الإنسان إلى الله فلن تفارقه حالة الاضطراب، ولذا فإن الذكّر يكون له دواءً ﴿الَّذِينَ امَنُوا وَتَطْمَئِنّ‌ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنّ‌الْقُلُوب﴾(18)..
الإمام عليّ عليه السلام كان كذلك، كان يغيب عن كلّ ما حوله إذا دخل في الصلاة، مندمجاً بكلِّه في معشوقه حتّى أنّهم إذا أرادوا اقتلاع السهم من جسمه، كانوا يستخرجونه حال الصلاة. إنّ هكذا ألماً هو خير من ملك الدنيا.
الألم لخلق اللَّه
ترى بعض المدارس أنّ الألم الموجود عند الإنسان مرجعه إلى الألم لخلق الله ولا معنى للقول بألم الإنسان لله. إلّا أنّ هذا الكلام غير صحيح وسنستعين بما يذكره العرفاء لبيان أنّ الألم من أجل العباد لا معنى له ما لم يكن منبثقاً من الألم لله.
الأسفار الأربعة
يرى العرفاء أنّ مسيرة الإنسان نحو الكمال تنقسم إلى أسفارٍ أربعَة:
1- السفر من الخلق إلى الحقّ.
2- السفر بالحقّ في الحقّ (أي معرفة الله).
3- السفر من الحقّ إلى الخلق بالحقّ أي مع الله.
4- السفر بالحقّ في الخلق، أي سير الإنسان مع الله بين خلق الله.
ويُظهر هذا التقسيم أنّ أوّل الخطوات الّتي ينبغي على الإنسان القيام بها هي السفر إلى الله. وما لم يعرف الإنسان ربَّه ويتقرَّب إليه فلن يكون قادراً على إنقاذ الخلق وهدايتهم. وبعبارةٍ مختصرةٍ ما لم يستطع الإنسان تخليص نفسه فلن يكون قادراً على توفير الخلاص للآخرين، وما لم يتغلّب على نفسه الأمّارة بالسوء، والعبوديّة للهوى فلن يكون قادراً على إزالة الأغلال عن أعناق الآخرين.
من هذا المنظور فالإنسان المسلم هو الّذي يحمل ألم الله، ومن خلاله يحمل آلام الآخرين.
كيف عبَّر القران الكريم عن الألم للخلق
يقول تعالى:﴿طه * مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْانَ لِتَشْقَى * إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى﴾(19)، ويقول في موضعٍ اخر: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُول مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيز عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيص عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوف رَحِيم﴾ (20)..
وما أجمله من تعبير قرآنيّ يصّور فيه حالة الألم عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كيف كان صلى الله عليه وآله وسلم يحمل ألم خلق الله، فيؤلمه ما يؤلمهم ويسوؤه ما يسوؤهم، إلّا أنّ كلّ ذلك كان بسبب حرصه على هدايتهم.
كيف عبَّر الإمام عليّ عليه السلام عن الألم للخلق؟
نقرأ كتاباً لأمير المؤمنين عليه السلام يخاطب فيه وَاليَه على البصرة عثمان بن حنيف وقد بلغه عليه السلام أنّه حضر وليمةً لأحد الأغنياء دُعيَ إليها وجهاء القوم دون فقراءهم.
يقول عليه السلام: "أمّا بعد، يا ابن حنيف: فقد بلغني أنّ رجلاً من فتية البصرة دعاك إلى مأدبةٍ فأسرعت إليها تستطاب لك الألوان وتُنقَل إليك الجفان(جمع جفنة وهي القصعة.) وما ظننت أنّك تجيب إلى طعامِ قومٍ عائلهم(محتاجهم) مجفوّ(مطرود)، وغنيّهم مدعوّ (...) إلا وإنّ لكلّ مأمومٍ إماماً يقتدي به ويستضي‌ء بنور علمه، ألا وإنّ إمامكم قد اكتفى من دنياه بطُمْريه(الطمر هو الثوب البالي، والمراد من الطمرين الرداء والإزار.)، ومن طُعمه(ما يطعمه ويفطر عليه) بقرصيه(تثنية قرص وهو الرغيف) (...) ولو شئت لاهتديت الطريق إلى مصفّى هذا العسل، ولباب هذا القمح، ونسائج هذا القزّ، ولكن هيهات أن يغلبني هواي، ويقودني جشعي(شدة الحرص) إلى تخيُّر الأطعمة، ولعلّ بالحجاز أو اليمامة من لا طمع له في القرص، ولا عهد له بالشبع أَوَأَبيتُ مبطاناً وحولي بطون غرثى(جائعة) وأكباد حرّى(عطشى) ؟! أَو أكون كما قال القائل:
وحسبك داءً أن تبيت ببطنةٍ *** وحولك أكباد تحنّ إلى القِدِّ (قطعةٌ من جلد غير مدبوغ)(21)
إنّ الأمير عليه السلام يتألَّم لخلق الله من شدِّة شوقه إليه. وهذا الألم لذيذ لأنّه يُشعر الإنسان بالصفاء والراحة، كالحزن الّذي يصيب الإنسان عند استماعه لمصيبة سيّد الشهداء عليه السلام.
إنّ الروح الّتي تتألّم للخلق لكونها تتألّم لله، روح عظيمة، لقد كبرت حتّى أضحت روحاً لجميع الأبدان: "نظر عليّ عليه السلام إلى امرأة على كتفها قربة ماء، فأخذ منها القربة فحملها إلى موضعها، وسألها عن حالها فقالت: بعث عليّ بن أبي طالب صاحبي إلى بعض الثغور فقتل، وترك عليّ صبيانا يتامى، وليس عندي شي‌ء، فقد ألجأتني الضرورة إلى خدمة الناس، فانصرف عليه السلام وبات ليلته قلقاً، فلمّا أصبح حمل زنبيلاً فيه طعام، فقال بعضهم: أعطني أحمله عنك، فقال: من يحمل وزري عنّي يوم القيامة؟!
فأتى وقرع الباب، فقالت: من هذا؟ قال: أنا ذلك العبد الّذي حمل معك القربة، فافتحي فإنّ معي شيئاً للصبيان، فقالت: رضي الله عنك وحكم بيني وبين عليّ بن أبي طالب، فدخل وقال: إنّي أحببت اكتساب الثواب، فاختاري بين أن تعجني وتخبزي وبين أن تعلّلي الصبيان لأخبز أنا، فقالت: أنا بالخبز أبصر وعليه أقدر، ولكن شأنك والصبيان، فعلّلهم حتّى أفرغ من الخبز، قال: فعمدَت إلى الدقيق فعجنته، وعمد عليّ عليه السلام إلى اللحم فطبخه، وجعل يلقم الصبيان من اللحم والتمر وغيره، فكلّما ناول الصبيان من ذلك شيئاً قال له: يا بنيّ اجعل عليّ بن أبي طالب في حلّ ممّا أمر في أمرك، فلمّا اختمر العجين قالت: يا عبد الله أسجر التنّور فبادر لسجره فلمّا أشعله ولفح في وجهه جعل يقول: ذق يا عليّ هذا جزاء من ضيّع الأرامل واليتامى، فرأته امرأة تعرفه فقالت: ويحكِ هذا أمير المؤمنين، قال: فبادرت المرأة وهي تقول: واحيائِي منك يا أمير المؤمنين، فقال: بل واحيائي منك يا أمة الله فيما قصّرت في أمرك"(22).
الإمام علي عليه السلام الإنسان الكامل
نتّجه إلى عليّ عليه السلام مرّةً أخرى لنأخذ منه الدرس تلو الدرس. وإنّنا حينما نقرأه لنتحيّر في أمره فمرّةً نخاله رجل حربٍ لا همّ له سوى قرع السيوف، وتارةً نجده صوفيّاً لا شغل له سوى مناجاة معشوقه. وإليك نموذجان يحكيان صدق ما نقول:
النموذج الأوّل: في أوّل تماسٍ بين جيش عليّ عليه السلام وجيش معاوية، يوعز معاوية إلى جيشه بقطع الماء عن جيش عليّ عليه السلام قبل أن يصلوا إليه. فيحاول الإمام عليه السلام حلّ الأمر في البدء عن طريق التفاوض إلّا أنّ معاوية يبقى مصرّاً على فعله، فيقف الإمام عليه السلام أمام جيشه ويخاطبه بكلماتٍ تؤثّر أكثر من ألف طبلٍ وألف بوق وألف لحنٍ عسكريّ: "قد استطعموكم القتال فأقِرّوا على مذلّةٍ، وتأخير محلّةٍ، أو رووا السيوف من الدماء ترووا من الماء، فالموت في حياتكم مقهورين، والحياة في موتكم قاهرين..."(23).
فيندفع جيش عليّ عليه السلام ويستولي على شريعة الماء، ويطرد جيش معاوية. وعندما يطلب معاوية الماء لجيشه يرفض جند عليّ عليه السلام إيصال الماء إليهم ولكنّ عليّاً عليه السلام يأبى ذلك فليس هذا من شيمه ولا منسجماً مع مروءته.
النموذج الثاني: عندما كان ينتهي عليّ من قضاء حوائج الناس، كان يختلي بنفسه مع الله فيبثّه شجواه ودعاءه "اللّهمّ إنّك أنس(أشدّ أنساً) الآنِسين لأوليائك، وأحضرهم بالكفاية للمتوكّلين عليك، تشاهدهم في سرائراهم متطلّع عليهم في ضمائرهم، وتعلم مبلغ بصائرهم، فأسرارهم لك مكشوفة، وقلوبهم إليك ملهوفة ...( الملهوف هو المضطر يستغيث ويتحسّر)(24)
إنّ هذا الدعاء وغيره من أدعيته عليه السلامتحكي عن علاقة عبد عاشقٍ بإلهٍ معشوق، فلا جنّة ولا نار في المقام وإنّما طلب للقرب والوصال.
نهج البلاغة مرآة علي عليه السلام
يضمّ نهج البلاغة بين دفتيه 241 خطبةً من خطب الإمام عليّ عليه السلام. وعندما نطالع هذا الكتاب نلحظ العارف تارةً والبطل الشجاع ورائد الحريّة تارةً أخرى، والزاهد العابد ثالثةً. وبما أنّ اللسان مرآة النفس نستطيع أن ندرك عظمة عليّ عليه السلام في كلّ منقبة من مناقبه.
نقرأ عليّاً عليه السلام وهو يصف العرفاء وهو سيّدهم بقوله: "... هجم بهم العلم على حقيقة البصيرة، وباشروا روح اليقين، واستلانوا ما استوعره(عدوّه وعراً وخشناً) المترفون وأنسوا بما استوحش منه الجاهلون، وصحبوا الدنيا بأبدانٍ أرواحها معلّقة بالمحلّ الأعلى..."(25).
إلّا أنّ هذه الروحيّة الّتي يعيشها عليّ عليه السلام لا تصنع منه إنساناً عبوساً مقطَّب الوجه، بل هو صاحب الوجه البشوش والصحبة الحسنة لدرجة أنّ أعداءه عندما لم يجدوا فيه ما يشينه عابوا عليه بشاشته لظنّهم أنّ الخلافة تتطلّب الوجه العبوس والمنطق الحادّ.
يقول عليه السلام: "عجباً لابن النابغة(يقصد به عمرو بن العاص)يزعم لأهل الشام أنّ فيّ دعابة، وأنّي امرؤ تِلعابة(كثير اللعب): أعافس وأمارس(أعافس أي أعالج الناس وأضاربهم مزاحاً والممارسة كالمعافسة)! لقد قال باطلاً ونطق إثماً"(26).
لقد اجتمعت في عليّ عليه السلام صفات يندر اجتماعها معاً إلّا في شخصٍ مثله. فهو الحاكم الحكيم، وهو الحليم الشجاع، وهو العابد الزاهد، وهو الفقير الجواد.
يقول صفيّ الدِّين الحلّي في وصفه عليه السلام:
جُمعت في صفاتك الأضدادُ *** ولهذا عزّت لك الأندادُ
زاهدٌ حاكم حليم شجاع *** ناسك فاتك فقير جواد
الإمام علي عليه السلام وشوقه إلى اللَّه
في الليلة التاسعة عشر من شهر رمضان، ليلة اللقاء، يرى الإمام عليّ عليه السلام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في المنام، فيشكو إليه ما هو فيه من التذلّل والأذى من أمّته: "فقال لي: ادع عليهم، فقلت: اللهمّ أبدلهم بي شرّاً وأبدلني بهم خيراً منهم، فقال لي: قد استجاب الله دعاءك، سينقلك إلينا بعد ثلاث...". كلّ شي‌ءٍ في تلك الليلة كان له طعم خاصّ ووقع خاصّ. لم يكن عليه السلام ليقبل أن يمنعه أيّ شي‌ءٍ عن الذهاب إلى قضائه، وإذا بمنادٍ ينادي "تهدّمت والله أركان الهدى وانطمست والله أعلام التقى وانفصمت العروة الوثقى، قُتِل ابن عم المصطفى قتل الوصيّ المجتبى قتل عليّ المرتضى قتله أشقى الأشقياء"(27).
المصادر :
1- سورة المائدة، الآية: 3
2- سورة الشمس، الآيتان: 9ـ 10
3- سورة الأعراف، الآية: 179.
4- المحدث النوري، مستدرك الوسائل، ج 1، ص 157، سفينة البحار، ج 2، ص 71، إثبات الهداة، ج 5، ص 39.
5- الحرّ العاملي، وسائل الشيعة، ج 15، كتاب الجهاد، الباب 9، من أبواب جهاد النفس، الحديث الثاني.
6- سورة الإنسان، الآيتان: 2ـ 3.
7- سورة البقرة، الآية: 124.
8- سورة الأنبياء، الآية: 69.
9- سورة الصافّات، الآيتان: 104ـ 105.
10- سورة النحل، الآية: 120.
11- سورة البقرة، الآية: 124.
12- سورة الفتح، الآية: 29.
13- سورة التوبة، الآية: 112.
14- سورة العنكبوت، الآية: 45.
15- سورة المائدة، الآيتان: 87ـ 88.
16- سورة المائدة، الآية: 89. / الحرّ العامليّ، وسائل الشيعة: ج 14، كتاب النكاح الباب 2 ، ص 9، ح 9.2
17- نهج البلاغة، الحكمة 147.
18- سورة الرعد، الآية: 28.
19- سورة طه، الآيات: 1ـ 2ـ 3.
20- سورة التوبة: الآية: 128.
21- نهج البلاغة، الكتاب 45.
22- بحار الأنوار، العلامة المجلسي، ج 14، ص 52.
23- نهج البلاغة، الخطبة 51.
24- نهج البلاغة، الخطبة 227.
25- نهج البلاغة، الحكمة 147.
26- نهج البلاغة، الخطبة 84.
27- منتهى الأمال، ج 1، ص 338.

 


source : راسخون
0
0% (نفر 0)
 
نظر شما در مورد این مطلب ؟
 
امتیاز شما به این مطلب ؟
اشتراک گذاری در شبکه های اجتماعی:

آخر المقالات

هل تعلم لمن تدعو في يوم عرفة ؟
بكاء النبي (ص) على الحسين بسند صحيح
مفهوم‌ البيعة‌
من معاجز الإمام الباقر عليه السّلام
السيدة زينب في الكوفة
انتقال الخلافة إلى الأمويين
ويروي البخاري عن ابن عباس قوله: إني لواقف في قوم ...
الحائر الحسيني
لعن وتكفير يزيد من كتب السنه
ما هي حقيقة آيه الرجم ؟

 
user comment