عربي
Saturday 13th of April 2024
0
نفر 0

مقتبس عن حیاة الامام زین العابدین(ع)

مقتبس عن حیاة الامام زین العابدین(ع)

البیئة و الأسرة الطاهرة

الإمام عليّ بن الحسين (عليه السلام) رابع أئمة أهل البيت (عليهم السلام)، وجدّه الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وصيّ رسول اللّه (صلي اللّه عليه وآله وسلم)، وأوّل من أسلم وآمن برسالته1، وكان منه بمنزلة هارون من موسي، كما صحّ في الحديث عنه2. وجدّته فاطمة الزهراء بنت رسول اللّه (صلي اللّه عليه وآله وسلم) وبضعته3، وفلذة كبده، وسيّدة نساء العالمين4 كما كان أبوها يصفها. وأبوه الإمام الحسين (عليه السلام) أحد سيِّدَيْ شباب أهل الجنّة، سبط الرسول وريحانته ومن قال فيه جدّه (صلي اللّه عليه وآله وسلم): «حسين منّي وأنا من حسين»5، وهو الذي استشهد في كربلاء يوم عاشوراء دفاعاً عن الإسلام والمسلمين. وهو أحد الأئمّة الاثني عشر (عليهم السلام) الذين نصّ عليهم النبيّ (صلي اللّه عليه وآله وسلم) كما جاء في صحيحي البخاري ومسلم وغيرهما، إذ قال: «الخلفاء بعدي اثنا عشر كلّهم من قريش»6. ولد الإمام عليّ بن الحسين (عليهما السلام) في سنة ثمان وثلاثين للهجرة، وقيل قبل ذلك بسنة أو سنتين7. وعاش سبعة وخمسين سنة تقريباً، قضي ما يقارب سنتين أو أربعاً منها في كنف جدّه الإمام عليّ (عليه السلام)، ثمّ ترعرع في مدرسة عمّه الحسن وأبيه الحسين (عليهما السلام) سبطي الرسول الأعظم (صلي اللّه عليه وآله وسلم)، وارتوي من نمير العلوم النبوية، واستقي من ينبوع أهل البيت الطاهرين (عليهم السلام).

 

مراحل حیاة الامام زین العابدین (ع)

تنقسم حياة الإمام زين العابدين (عليه السلام) ـ كما تنقسم حياة سائر الأئمة (عليهم السلام) ـ الي مرحلتين متميّزتين: 1 ـ مرحلة ما قبل التصدّي للإمامة والزعامة. 2 ـ مرحلة التصدّي وممارسة القيادة حتي الشهادة. لقد عاش الإمام زين العابدين (عليه السلام) في المرحلة الاُولي من حياته فيظلال جدّه الإمام أمير المؤمنين ، وعمّه الإمام الحسن المجتبي وأبيه الإمام الحسين سيد الشهداء (عليهم السلام) مدة تناهز العقدين ونصف العقد، حيث قضي في كنف جدّه الإمام عليّ (عليه السلام) ما يزيد قليلاً عن أربع سنواتٍ، وما لا يقل عن سنتين لو كانت ولادته سنة (38 ه ) . بينما قضي عقداً آخر من حياته في كنف عمّه وأبيه (عليهما السلام) حيث استشهد عمّه الإمام الحسن السبط (عليه السلام) سنة 50 هجرية. كما قضي عقداً ثانياً في ظلّ قيادة أبيه الحسين السبط (عليه السلام) وهي الفترة الواقعة بين مطلع سنة (50 ه ) وبداية سنة (60 ه ) . لقد عاش الإمام زين العابدين (عليه السلام) فترة المخاض الصعب خلال المرحلة الاُولي من حياته والتي قضاها مع جدّه وعمّه وأبيه (عليهم السلام) ، واستعدّ بعدها لتحمّل أعباء الإمامة والقيادة بعد استشهاد أبيه، والصفوة من أهل بيته وأصحابه في ملحمة عاشوراء الخالدة، التي مهّد لها معاوية بن أبي سفيان وتحمّل وزرها ابنه يزيد المعلن بفسقه، والمستأثر بحكم اللّه في أرض الإسلام المباركة. وأمّا المرحلة الثانية من حياته الكريمة قد ناهزت ثلاثة عقودٍ ونصف عقدٍ من عمره الشريف، وعاصر خلالها كُلاًّ من حكم يزيد بن معاوية ومعاوية بن يزيد ومروان بن الحكم وعبدالملك بن مروان، ثم اغتالته الأيدي الاُموية الأثيمة بأمر من الحاكم وليد بن عبدالملك بن مروان واستشهد في (25) من المحرّم أو ما يقرب منه سنة (94) أو (95) هجرية عن عمر يناهز (57) سنة أو دونها قليلاً8 فكانت مدّة إمامته وزعامته حوالي (34) سنة. وفي هذه الدراسة نقسّم المرحلة الثانية من حياة هذا الإمام الحافلة بأنواع الجهاد الي قسمين متميزين من الكفاح والجهاد : الأوّل: جهاده بعد ملحمة عاشوراء وقبل استقراره في المدينة . الثاني: جهاده بعد استقراره في المدينة. وعلي هذا التقسيم سوف ندرس حياته ضمن مراحل ثلاث: الاُولي: حياته قبل استشهاد أبيه (عليه السلام). الثانية: حياته بعد استشهاد أبيه وقبل استقراره في المدينة. الثالثة: حياته بعد استقراره في المدينة. * * *

 

ظروف الامام و ملامح عصره و أهم انجازاته

وقد قُدّر للإمام زين العابدين أن يتسلّم مسؤولياته القيادية والروحية بعد استشهاد أبيه (عليه السلام) فمارسها خلال النصف الثاني من القرن الأول، في مرحلة من أدقّ المراحل التي مرّت بها الاُمة وقتئذٍ، وهي المرحلة التي أعقبت موجة الفتوح الاُولي، فقد امتدّت هذه الموجة بزخمها الروحي وحماسها العسكري والعقائدي، فزلزلت عروش الأكاسرة والقياصرة، وضمّت شعوباً مختلفة وبلاداً واسعة إلي الدعوة الجديدة، وأصبح المسلمون قادة الجزء الأعظم من العالم المتمدّن وقتئذ خلال نصف قرن. لقد تعرضت الاُمة الإسلامية في عصر هذا الإمام (عليه السلام) لخطرين كبيرين: الأول: هو خطر الانفتاح علي الثقافات المتنوعة، والذي قد ينتهي بالاُمة إلي التميّع والذوبان وفقدان أصالتها، فكان لابدّ من عمل علمي يؤكّد للمسلمين أصالتهم الفكرية وشخصيّتهم التشريعية المتميّزة المستمدة من الكتاب والسنّة. وكان لابدّ من تأصيل للشخصية الإسلامية، وذلك من خلال زرع بذور الاجتهاد. وهذا ما قام به الإمام علي بن الحسين (عليه السلام) فقد بدأ حلقة من البحث والدرس في مسجد الرسول (صلي اللّه عليه وآله وسلم) وأخذ يحدّث الناس بصنوف المعرفة الإسلامية، من تفسير وحديث وفقه وتربية وعرفان، وراح يفيض عليهم من علوم آبائه الطاهرين (عليهم السلام). وهكذا تخرّج من هذه الحلقة الدراسيّة عدد مهمّ من فقهاء المسلمين، وكانت هذه الحلقة المباركة هي المنطلق لما نشأ بعد ذلك من مدارس الفقه الإسلامي، وكانت الأساس لحركة الفقه الناشطة. الثاني : هو الخطر الناجم عن موجة الرخاء والانسياق مع ملذّات الحياة الدنيا، والإسراف في زينة هذه الحياة المحدودة، وبالتالي ضمور الشعور بالقيم الخلقية. وقد اتّخذ الإمام زين العابدين (عليه السلام) من الدعاء أساساً لدرء هذا الخطر الكبير، الذي ينخر في الشخصية الإسلامية ويهزّها من داخلها هزّاً عنيفاً، ويحول بينها وبين الاستمرار في أداء رسالتها. ومن هنا كانت «الصحيفة السجادية» تعبيراً صادقاً عن عمل اجتماعي عظيم كانت ضرورة المرحلة تفرضه علي الإمام (عليه السلام) إضافة إلي كونها تراثاً ربّانياً فريداً يظلّ علي مرّ الدهور مصدر عطاء، ومشعل هداية ومدرسة أخلاق وتهذيب، وتظلّ الإنسانية بحاجة إلي هذا التراث المحمّدي العلوي، وتزداد إليه حاجة كلّما ازداد الشيطان للإنسانية إغراءً ، والدنيا فتنةً له9.

 

مظاهر من شخصیة الامام زین العابدین(ع)

 

الحلم

كان الإمام من أعظم الناس حلماً، وأكظمهم للغيظ، فمن صور حلمه التي رواها المؤرّخون : 1 ـ كانت له جارية تسكب علي يديه الماء إذا أراد الوضوء للصلاة، فسقط الإبريق من يدها علي وجهه الشريف فشجّه، فبادرت الجارية قائلة: إنّ اللّه عزّوجلّ يقول: (والكاظمين الغيظ) وأسرع الإمام قائلاً : «كظمت غيظي»، وطمعت الجارية في حلم الإمام ونبله، فراحت تطلب منه المزيد قائلة: (والعافين عن الناس) فقال الإمام (عليه السلام): «عفا اللّه عنك»، ثمّ قالت: (واللّه يحبّ المحسنين). فقال (عليه السلام) لها: «اذهبي فأنت حرّة»10. 2 ـ سبّه لئيمٌ فأشاح (عليه السلام) بوجهه عنه، فقال له اللئيم: إيّاك أعني... وأسرع الإمام قائلاً: «وعنك اُغضي...» وتركه الإمام ولم يقابله بالمثل11. 3 ـ ومن عظيم حلمه (عليه السلام): أنّ رجلاً افتري عليه وبالغ في سبّه، فقال (عليه السلام) له: «إن كُنّا كما قلت فنستغفر اللّه ، وإن لم نكن كما قلت فغفر اللّه لك...»12.

 

السخاء

أجمع المؤرِّخون علي أنّه كان من أسخي الناس وأنداهم كفّاً، وأبرَّهم بالفقراء والضعفاء، وقد نقلوا نوادر كثيرة من فيض جوده، منها: 1 ـ مرض محمّد بن اُسامة فعاده الإمام (عليه السلام) ، ولمّا استقرّ به المجلس أجهش محمّد بالبكاء، فقال له الإمام (عليه السلام): ما يبكيك؟ فقال: عليّ دين، فقال له الإمام: كم هو؟ فأجاب: خمسة عشر ألف دينار، فقال له الإمام (عليه السلام): هي عليّ، ولم يقم الإمام من مجلسه حتي دفعها له13. 2 ـ ومن كرمه وسخائه أنّه كان يطعم الناس إطعاماً عامّاً في كلّ يوم، وذلك في وقت الظهر في داره14. 3 ـ وكان يعول مائة بيتٍ في السرّ، وكان في كلّ بيتٍ جماعة من الناس15.

 

العزة و الإباء

ومن صفات الإمام عليّ بن الحسين زين العابدين (عليه السلام) العزّة والإباء، فقد ورثها من أبيه الحسين سيّد الشهداء (عليه السلام) الذي تحدّي طغاة عصره قائلاً: «لا واللّه لا اُعطيكم بيدي إعطاء الذليل، ولا أقرّ لكم إقرار العبيد»16. وقد تمثّلت هذه الظاهرة الكريمة في شخصيّة الإمام زين العابدين (عليه السلام) في قوله: «ما أحبّ أنّ لي بذلّ نفسي حمر النعم»17. وقال في عزة النفس: «من كرمت عليه نفسه هانت عليه الدنيا»18. ويقول المؤرخون: إنّ أحدهم أخذ منه بعض حقوقه بغير حقّ، وكان الإمام (عليه السلام) بمكّة، وكان الوليد بن عبد الملك حينئذٍ متربّعا علي كرسي الخلافة وقد حضر موسم الحج، فقيل له: لو سألت الوليد أن يردّ عليك حقّك؟ فقال لهم كلمته الخالدة في دنيا العزّ والإباء: «ويحك أفي حرم اللّه أسأل غير اللّه عزّوجلّ؟! إنّي آنف أن أسأل الدنيا من خالقها، فكيف أسألها مخلوقاً مثلي؟!»19. ومن عزّته : أنّه ما أكل بقرابته من رسول اللّه (صلي اللّه عليه وآله وسلم) درهماً قطّ20.

 

الإنابة إلی الله تعالی

 

إنّ اشتهار الإمام بلقب زين العابدين وسيّد الساجدين ممّا يشير إلي وضوح عنصر الإنابة إلي اللّه ، والانقطاع إليه في حياة الإمام وسيرته وشخصيّته. علي أنّ أدعية الصحيفة السجّادية هي الدليل الآخر علي هذه الحقيقة، فإنّ إلقاء نظرة سريعة وخاطفة علي عناوين الأدعية يكشف لنا مدي التجاء الإمام إلي اللّه في شؤون حياته، فما من موقف إلاّ وللإمام فيه دعاء وابتهال وتضرّع، هذا فضلاً عن مضامين الأدعية التي يكاد ينفرد بها هو (عليه السلام) في هذه الصحيفة المعروفة وغيرها، لقد ذاب الإمام في محبّة اللّه وأخلص له أعظم الإخلاص، وقد انعكس ذلك علي جميع حركاته وسكناته. وممّا رواه المؤرخون: أنّه اجتاز علي رجل جالس علي باب رجل ثريّ فبادره الإمام قائلاً: «ما يقعدك علي باب هذا المترف الجبار؟ فقال: البلاء، فقال (عليه السلام): قم فاُرشدك إلي بابٍ خير من بابه وإلي ربٍّ خير لك منه...». ونهض معه الرجل إلي مسجد رسول اللّه (صلي اللّه عليه وآله وسلم) وعلّمه ما يعمله من الصلاة والدعاء وتلاوة القرآن، وطلب الحاجة من اللّه والالتجاء إلي حصنه الحريز21.

 

ظاهرة العبادة في حیاة الامام (ع)

 

أجمع معاصرو الإمام زين العابدين (عليه السلام) علي أنّه كان من أعبد الناس وأكثرهم طاعة للّه تعالي، ولم يرَ الناس مثله في عظيم إنابته وعبادته، وقد بُهر بها المتّقون والصالحون، وحسبه أنّه وحده الذي قد لُقّب بزين العابدين وسيّد الساجدين في تاريخ الإسلام. أمّا عبادته (عليه السلام) فكانت ناشئة عن إيمانه العميق باللّه تعالي وكمال معرفته به، وقد عبده لا طمعاً في جنّته ولا خوفاً من ناره، وإنّما وجده أهلاً للعبادة فعبده، وشأنه في ذلك شأن جدّه أمير المؤمنين وسيّد العارفين وإمام المتّقين، وقد أعرب (عليه السلام) عن عظيم إخلاصه في عبادته بقوله: «إنّي أكره أن أعبد اللّه ولا غرض لي إلاّ ثوابه، فأكون كالعبد الطمع المطيع، إنّ طمع عمل وإلاّ لم يعمل، وأكره أن أعبده [لا غرض لي] إلاّ لخوف عقابه، فأكون كالعبد السوء إن لم يخف لم يعمل...». قيل له: فلِمَ تعبده؟ قال: «لما هو أهله بأياديه وإنعامه»22. ولقد مَلأ حبّ اللّه تعالي قلب الإمام (عليه السلام) وسخّر عواطفه، فكان مشغولاً بعبادة اللّه وطاعته في جميع أوقاته، وقد سُئلت جارية له عن عبادته فقالت: اُطنب أو أختصر؟ قيل لها: بل اختصري. فقالت: ما أتيته بطعام نهاراً قطّ، وما فرشت له فراشاً بليل، قطّ23. لقد قضي الإمام (عليه السلام) معظم حياته صائماً نهاره، قائماً ليله، مشغولاً تارةً بالصلاة، واُخري بالدعاء.

 

الدور التاریخي للصحیفة السجادیة

 

قلنا: إنّ المسلمين في عصر الإمام زين العابدين (عليه السلام) واجهوا خطرين كبيرين خارج النطاق السياسي والعسكري، وكان لا بدّ من البدء بعمل حاسم للوقوف في وجههما : أحدهما : الخطر الذي نجم عن انفتاح المسلمين علي ثقافات متنوّعة، وأعراف تشريعية وأوضاع اجتماعية مختلفة بحكم تفاعلهم مع الشعوب التي دخلت في دين اللّه أفواجا، وكان لا بدّ من عمل علي الصعيد العلمي يؤكّد في المسلمين أصالتهم الفكرية وشخصيتهم التشريعية المتميزة المستمدة من الكتاب والسنّة، وكان لا بدّ من حركة فكرية اجتهادية تفتح آفاقهم الذهنية ضمن ذلك الإطار لكي يستطيعوا أن يحملوا مشعل الكتاب والسنّة بروح المجتهد البصير والممارس الذكيّ، الذي يستطيع أن يستنبط منها ما يفيده في كلّ ما يستجدّ له من حالات. كان لا بد إذن من تأصيل للشخصية الإسلامية ومن زرع بذور الاجتهاد، وهذا ما قام به الإمام عليّ بن الحسين (عليه السلام) فقد بدأ حلقة من البحث والدرس في مسجد الرسول (صلي اللّه عليه وآله وسلم) ... وأمّاالخطر الآخر: «فقد نجم عن موجة الرخاء التي سادت المجتمع الإسلامي في أعقاب ذلك الامتداد الهائل، لأنّ موجات الرخاء تعرّض أيّ مجتمع إلي خطر الانسياق مع ملذّات الدنيا، والإسراف في زينة هذه الحياة المحدودة، وانطفاء الشعور الملتهب بالقيم الخلقية والصلة الروحية باللّه واليوم الآخر، وبما تضعه هذه الصلة أمام الإنسان من أهداف كبيرة، وهذا ما وقع فعلاً، وتكفي نظرة واحدة في كتاب الأغاني لأبي الفرج الإصبهاني ليتّضح الحال. وقد أحسّ الإمام عليّ بن الحسين بهذا الخطر، وبدأ بعلاجه، واتّخذ من الدعاء أساسا لهذا العلاج، وكانت الصحيفة السجادية من نتائج ذلك، فقد استطاع هذا الإمام العظيم بما اُوتيمن بلاغة فريدة وقدرة فائقة علي أساليب التعبيرالعربي، وذهنية ربّانية تتفتّق عن أروع المعاني وأدقّها في تصوير صلة الإنسان بربّه، ووجده بخالقه وتعلّقه بمبدئه ومعاده، وتجسيد مايعبّر عنه ذلك من قيم خلقية وحقوق وواجبات. أقول : قد استطاع الإمام عليّ بن الحسين بما اُوتي من هذه المواهب أن ينشر من خلال الدعاء جوّا روحيا في المجتمع الإسلامي، يساهم في تثبيت الإنسان المسلم عندما تعصف به المغريات، وشدّه إلي ربّه حينما تجرّه الأرض إليها وتأكيد ما نشأ عليه من قيم روحية، لكي يظلّ أمينا عليها في عصر الغني والثروة كما كان أمينا عليها وهو يشدّ حجر المجاعة علي بطنه. وهكذا نعرف أنّ الصحيفة السجّادية تعبّر عن عمل اجتماعي عظيم كانت ضرورة المرحلة تفرضه علي الإمام، إضافةً إلي كونها تراثا ربّانيا فريدا يظلّ علي مرّ الدهور مصدر عطاء ومشعل هداية ومدرسة أخلاق وتهذيب، وتظلّ الإنسانية بحاجة إلي هذا التراث المحمّدي العلوي، وتزداد حاجةً كلّما ازداد الشيطان إغراءً والدنيا فتنة »24.

 

استشهاد الامام (ع)

وتقلّد الوليد أزمّة الملك بعد أبيه عبدالملك بن مروان، وقد وصفه المسعودي بأنّه كان جبّاراً عنيداً ظلوماً غشوماً25، حتّي طعن عمر بن عبد العزيز الاُموي في حكومته، فقال فيه: إنّه ممن امتلأت الأرض به جوراً26. وفي عهد هذا الطاغية الجبّار استشهد العالم الإسلامي الكبير سعيد بن جبير علي يد الحجّاج بن يوسف الثقفي أعتي عاملٍ اُموي. وقد كان الوليد من أحقد الناس علي الإمام زين العابدين (عليه السلام) لأنّه كان يري أنّه لا يتمّ له الملك والسلطان مع وجود الإمام زين العابدين (عليه السلام). فقد كان الإمام (عليه السلام) يتمتّع بشعبية كبيرة، حتّي تحدّث الناس بإعجاب وإكبار عن علمه وفقهه وعبادته، وعجّت الأندية بالتحدّث عن صبره وسائر ملكاته، واحتلّ مكاناً كبيراً في قلوب الناس وعواطفهم، فكان السعيد من يحظي برؤيته، ويتشرّف بمقابلته والاستماع إلي حديثه ، وقد شقّ علي الاُمويين عامّة هذا الموقع المتميّز للإمام (عليه السلام) وأقضّ مضاجعهم، وكان من أعظم الحاقدين عليه الوليد بن عبد الملك27 الذي كان يحلم بحكومة المسلمين وخلافة الرسول (صلي اللّه عليه وآله وسلم). وروي الزهري: عن الوليد أنّه قال : لا راحة لي وعليّ بن الحسين موجود في دار الدنيا28. فأجمع رأيه علي اغتيال الإمام زين العابدين (عليه السلام) حينما آل إليه الملك، فبعث سمّا قاتلاً إلي عامله علي المدينة، وأمره أن يدسّه للإمام (عليه السلام)29 ونفّذ عامله ذلك، فسَمَتْ روح الإمام العظيمة إلي خالقها بعد أن أضاءت آفاق هذه الدنيا بعلومها وعباداتها وجهادها وتجرّدها من الهوي. وقام الإمام أبو جعفر محمد الباقر (عليه السلام) بتجهيز جثمان أبيه، وبعد تشييعٍ حافل لم تشهد المدينة نظيرا له؛ جيء بجثمانه الطاهر إلي بقيع الفرقد، فحفروا قبرا بجوار قبر عمّه الزكيّ الإمام الحسن المجتبي (عليه السلام) سيّد شباب أهل الجنة وريحانة رسول اللّه (صلي اللّه عليه وآله وسلم)، وأنزل الإمام الباقر (عليه السلام) جثمان أبيه زين العابدين وسيّد الساجدين (عليه السلام) فواراه في مقرّه الأخير. فسلام عليه يوم ولد ويوم استشهد ويوم يبعث حيّا

-----------------------------

1. الكافي 8: 338، مسند الإمام أحمد بن حنبل 1:331، فضائل الصحابة: 13.

2. الكافي 8: 107، مسند الإمام أحمد بن حنبل 1: 170، صحيح البخاري 4: 208، صحيح مسلم 7: 120.

3. مسند الإمام أحمد بن حنبل 4: 326، صحيح البخاري 4: 210، صحيح مسلم 7: 141.

4. كمال الدين وتمام النعمة: 257، مسند أبي داود الطيالسي: 197، المصنف 7: 527.

5. الإرشاد للمفيد 2: 127، مسند الإمام أحمد بن حنبل 4: 172، سنن ابن ماجة 1: 51.

6. دلائل الإمامة: 19، وقد رواه الإمام أحمد بن حنبل في مسنده 5: 87، باختلاف حيث ورد فيه: «إنّ هذا الدين لا يزال ظاهراً علي مَن ناواه، لا يضرّه مخالف ولا مفارق حتي يمضي من أُمتي اثنا عشر خليفة...». ورواه البخاري في صحيحه مع اختلاف يسير 8: 128، وكذلك رواه مسلم النيسابوري في صحيحه 6: 3.

7. مناقب أهل البيت عليهم السلام: 256، وفيات الأعيان: 269 ، شرح إحقاق الحقّ 28: 24.

8. المناقب لابن شهر آشوب 3: 310، بحار الأنوار 46: 8 ـ 15 .

9. السيد الشهيد محمد باقر الصدر قدّس سرّه في مقدمته للصحيفة السجادية.

10. أمالي الصدوق : 168 ح 12 ، الإرشاد : 2/146 ، مناقب آل أبي طالب : 4/157، تاريخ دمشق : 36/155 وابن منظور في مختصر تاريخ دمشق: 17/240 ، سير أعلام النبلاء : 4/397 ، نهاية الارب : 21/326 .

11. مناقب آل أبي طالب : 4/171 ، البداية والنهاية : 9 / 105، تهذيب التهذيب 7: 270.

12. الإرشاد 1: 146 عن نسب آل أبي طالب للعبيدلي النسّابة م 270 ه .

13. الإرشاد 2: 149، مناقب آل أبي طالب 4: 163، راجع: البداية والنهاية 9: 105، وسير أعلام النبلاء 4: 239.

14. تاريخ اليعقوبي 2 : 259 ط بيروت.

15. مناقب آل أبي طالب: 4/166 عن الباقر عليه السلام وعن أحمد بن حنبل، كشف الغمة: 2/289 عن مطالب السؤول عن حلية الأولياء ، وفي الكشف : 2/312، عن الجنابذي، ولكن فيه: 2/304 عنه أيضاً عن الصادق (عليه السلام) قال: كان يعول سبعين بيتاً، التمهيد، لابن عبدالبرّ 9: 158.

16. تاريخ الطبري 4: 323، البداية والنهاية 8: 194.

17. الكافي 2: 109 و 111 والخصال 1: 23 وعن الكافي في بحار الأنوار 71: 406 ومعه بيان المؤلف في صفحة كاملة.

18. بحار الأنوار 75: 135.

19. بحار الأنوار 46: 64 ، علل الشرائع 1: 230 مع اختلاف يسير.

20. مجالس ثعلب 2 : 462 ، وعنه في حياة الإمام زين العابدين للقرشي: 1/81. وفي مناقب آل أبي طالب: 4/175 عن نافع: شيئاً، بدل: درهماً، تاريخ مدينة دمشق 41: 277، تهذيب الكمال 2: 389.

21. حياة الإمام زين العابدين عليه السلام دراسة وتحليل1 : 93، بحار الأنوار 88: 375 مع اختلاف يسير.

22. تفسير الإمام الحسن العسكري: 328.

23. الخصال: 518، علل الشرائع 1: 232.

24. قلاً عن مقدمة السيد الشهيد محمد باقر الصدر علي الصحيفة السجّادية الكاملة .

25. مروج الذهب : 3 / 96.

26. تاريخ الخلفاء : 223.

27. هناك من المؤرّخين من يري أنّ هشام بن عبد الملك هو الذي دسّ السمّ للإمام عليه السلام، راجع بحار الأنوار: 46/153، ويمكن الجمع بين الرأيين فيكون أحدهما آمراً والآخر منفّذاً للجريمة.

28. راجع : حياة الإمام زين العابدين : 678 .

29. بحار الأنوار : 46 / 153 عن الفصول المهمة لابن الصباغ المالكي : 194 .

 


source : www.abna.ir
0
0% (نفر 0)
 
نظر شما در مورد این مطلب ؟
 
امتیاز شما به این مطلب ؟
اشتراک گذاری در شبکه های اجتماعی:

آخر المقالات

الحياة السياسيّة والفكريّة للإمام السجاد عليه ...
كرم الإمام زين العابدين ( عليه السلام ) وتصدّقه ...
حلم الإمام زين العابدين ( عليه السلام ) وتربيته ...
ولادة الإمام السجاد ( عليه السلام )
الامام السجاد علیه السلام باعث الإسلام من جديد
في ذکرى ميلاد الإمام السجاد عيله السلام _1
مدرسة الإمام زين العابدين ( عليه السلام ) الفكرية
إجابات الإمام زين العابدين ( عليه السلام ) في أصول ...
عبادة الإمام زين العابدين ( عليه السلام ) ومنزلته ...
من معاجز الإمام زينِ العابدين عليه السلام

 
user comment