عربي
Saturday 24th of February 2024
0
نفر 0

محتوی التوحيد

محتوی التوحيد

إن المحتوى الداخلي هو المضمون الفكري والروحي للإنسان والذي يعتبر جوهر بناء الفرد ويحدد تبعاً لذلك الانشطة والأدوار الممارسة في الحياة. أما كيف يتشكل هذا المحتوى؟ للإجابة عن السؤال يعود بنا الی تحليل السيد الشهيد محمد باقر الصدر إلى حركة التاريخ ومميزات حركة الإنسان: فلا جدال في المنظور الإسلامي أن الإنسان هو محور حركة التاريخ. ولما كانت حركة التاريخ غائية لا سببية فقط لانها مشدودة إلى غاية ترنو إليها فان المستقبل هو الغاية فهو حينئذ: المحرك لأي نشاط وقطعاً إن هذا المستقبل الذي يحفز الانسان هو المستقبل بوجوده الذهني لأنه معدوم فعلا وهذا الوجود الذهني للمستقبل يرجعه باقر الصدر إلى جانب فكري يضم التصورات: (الهدف) وجانب آخر (الارادة) أي الطاقة التي تدفع الانسان نحو الهدف (وبالامتزاج بين الفكر والارادة تحقق فاعلية المستقبل ومحركيته للنشاط التاريخي على الساحة الاجتماعية وهذان الأمران (الفكر والارادة) هما في الحقيقة المحتوى الداخلي الشعوري للإنسان). هذا المحتوى هو الاساس للبنى الفوقية للمجتمع من أنظمة وعلاقات (فالعلاقة علاقة تبعية علاقة سبب بمسبب هذه العلاقة تُمثّل سنة تاريخية)(1). لأجل ذلك بنى الإسلام نظريَّتهُ في التغيير على التلازم بين تغيير البنى الفوقية وتغيير ما بالنفوس: المحتوى الداخلي وهذا ما تتضمنه الآية: (ان الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بانفسهم) (2) وقوله تعالى: (ذلك بأن الله لم يكن مغيراً نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم )(3). هذا التلازم هو عين الارتباط بين الجهاد الأكبر والجهاد الأصغر فعملية البناء الداخلي تسمى (الجهاد الأكبر) وعملية إرساء البنى الفوقية يطلق عليها باقر الصدر: (الجهاد الأصغر) أن الجهاد الأصغر إذا فصل عن الجهاد الأكبر فقد محتواه ومضمونه وفقد قدراته على التغيير الحقيقي على الساحة التاريخية والاجتماعية)(4)
ولكن ما نقطة البدء في بناء المحتوى الداخلي، ما هو المحور الذي يستقطب عملية البناء؟
إنه المثل الأعلى.. فالانسان هو مركز الثقل في المسيرة التاريخية، وهو كذلك لا بجسمه الفيزيائي بل بمحتواه الداخلي.. (والاساس في بناء المحتوى الداخلي هو المثل الأعلى هو الذي ينبثق منه كل الغايات التفصيلية والغايات التفصيلية هي المحركات التاريخية للنشاطات على الساحة التاريخية)(5)
وهذا يمكن ان نلخص نظرية الصدر في المقام بهذا التسلسل الآتي:
مثل أعلى
غايات وأهداف
رؤية فكرية وطاقة روحية (محتوى داخلي)
حركة تاريخية ومسيرة انسانية
فالتوحيد كمنظومة فكرية: قاعدة المحتوى الداخلي التوحيدي الذي يتخذ من الله عزوجل مثلا أعلى مطلقاً ويحرر الانسان من الداخل ويكون أساس التحرير من الخارج. فالتوحيد أطروحة تحرير تنبع من الداخل لتشع على الخارج (فالتوحيد هو جوهر العقيدة الإسلامية وبالتوحيد يحرر الإسلام الإنسان من عبودية غير الله (لا إله إلاّ الله) ويرفض كل أشكال الالوهية المزيفة على مر التاريخ وهذا هو تحرير الانسان من الداخل)(6)... إن هذا التحرر الداخلي يعتق الإنسان خاصة من عبودية الشهوات والرغبات وليربط الذات البشرية بآفاق أرحب وأهداف أسمى.
وعلى ضوء التحرر الداخلي تنطلق عملية التحرير من الخارج: (وخاض القرآن بعْدَ معركة التحرير الداخلي للإنسانية معركة التحرير في النطاق الاجتماعي. فكما حطم في المحتوى الداخلي للإنسان الأصنام التي تسلبه حرية الإنسانية كذلك حطم الاصنام الاجتماعية وقضى على عبادة الإنسان للإنسان... ومرة أخرى نجد أن هذه المعركة القرآنية من معارك التحرير قد استعين فيها بنفس الطريقة التي استعملت المعركة الأولى وتستعمل دائماً في كل ملاحم القرآن وهي التوحيد. فما دام الإنسان يقرّ بالعبودية لله وحده فهو يرفض بطبيعة الحال كل صنم وكل تأليه مزور لأي انسان)(7)... وكمدلول اجتماعي لهذا التحرر الخارجي يكون تحرير الثروة والكون من أي مالك سوى الله.. وقد ربط الإمام أمير المؤمنين بين الحقيقتين حين قال (العباد عباد الله والمال مال الله) وبذلك حطم الإسلام كل القيود المصطنعة والحواجز التاريخية التي كانت تعوق تقدم الإنسان وكدحه إلى ربه وسيره الحثيث نحوه سواء تمثلت هذه القيود والحواجز على مستوى آلهة ومخاوف وأساطير وتحجيم لانسانيته بين يدي قوى أسطورية أو تمثلت على مستوى ملكيات تكرس السيادة على الأرض لطاغوت فرداً كان أو فئة أو طبقة على حساب الناس وتحول دون نموهم الطبيعي وتفرض عليهم بالتالي علاقات التبعية والاستعباد)(8)، فالمحتوى الداخلي التوحيدي. هو محتوى داخلي تحرري: يحرر الإنسان من الداخل ويحرّر الكون من الخارج ولا يفصل بين الجهاد الأكبر والجهاد الأصغر... لأن الثاني لا يحقق غرضه وهدفه إلاّ في اطار الجهاد الأكبر (التحرر من الداخل)، وهذا سرّ امتياز ثورة الأنبياء عن أي ثورة اجتماعية أخرى...

التوحيد والرؤية الكونية:
في كتابه (فلسفتنا) عرض باقر الصدر نظريته في المعرفة وفق متبنياته في تلك المرحلة الأولى من مسيرته الفكرية (منحى أرسطي) وانتصر للمذهب العقلي في المعرفة وذلك تمهيداً لخوض المبحث الثاني الأساسي للكتاب ألا وهو: (نظرية الوجود المفهوم الفلسفي للعالم) حيث يؤكّد في مقدمة الكتاب أن الهدف الأساسي لفلسفتنا كان صياغة المفهوم الفلسفي للعالم وما البحث في نظرية المعرفة سوى مقدمة لذلك يقول: (هدفنا الأساس من هذا البحث أي نظرية المعرفة هو تحديد منهج الكتاب في المسألة الثانية لأن وضع مفهوم عالم للعالم يتوقف قبل كل شيء على تحديد الطريقة الرئيسية في التفكير والمقياس العام للمعرفة الصحيحة ومدى قيمتها ولهذا كانت المسألة الأولى في الحقيقة بحثاً تمهيداً للمسألة الثانية والمسألة الثانية هي المسألة الأساسية في الكتاب) ولذلك ربط تعريفه لفلسفتنا بين الطريقة في التفكير وبين الرؤية الكونية للعالم (فلسفتنا هو مجموعة مفاهيمنا الأساسية عن العالم وطريقة التفكير فيه)(9)
إن أهمية الرؤية الكونية كأساس للمشروع الفكري العام لم يغب عن بال باقر الصدر من هنا خصص لها انتاجه الأول في إطار بلورة ملامح المدرسة الإسلامية فكان (فلسفتنا). وهو يعتبر أن صياغة هذه النظرية الكونية وإعداد المسلم روحياً وفكرياً في ظلالها المهمة الأساسية لرسالة الإسلام. فبعد ان صنف الرؤى الكونية إلى قسمين كبيرين:
أولا: نظرية تقوم على أن الإنسان أصيل في هذا الكون الذي هو بدوره مستقل وغير خاضع لمراقب ومالك وراء الستار باعتبار هذه الأصالة والاستقالة تنعدم المسؤولية أمام جهة عليا وبدلا من ذلك يحدد هو مسؤوليته في ضوء اهدافه المحدودة.
وثانياً: نظرية تقوم على أساس وجود قوة تراقب الكون وأن وجود الإنسان هو وجود الأمين والخليفة لا وجود الأصيل المتحكم، وهذه الخلافة والأمانة تستبطن معنى المسؤولية أمام هذه الجهة العليا. والإسلام جاء ليربي الإنسان على هذه النظرية (بحيث تصبح جزء من وجوده وتجري مع دمه وعروقه مع فكره وعواطفه وتنعكس على كل مجالات تصرفه وسلوكه مع الله سبحانه وتعالى مع نفسه ومع الآخرين)(10)
لقد بنى المفهوم الفلسفي للعالم في فلسفتنا على أساس الإنتصار للطريقة العقلية في التفكير وترجيح المذهب العقلي حيث أثبت في ضوء بديهيات هذا المذهب المعرفي علة اولى (واجب الوجود) هي مصدر الوجود. مفنّداً كل الرؤى المادية والالحادية الأخرى. وصاغ على أساس ذلك جملة التصورات عن العالم والإنسان في ضوء القوانين الفلسفية المستنتجة عن العالم والإنسان في ضوء القوانين الفلسفية المستنتجة من أصول المذهب المتبنى وفي ضوء نتائج مختلف العلوم الطبيعية والإنسانية.
إن بلوغ جوهر (المفهوم الفلسفي للعالم) في المنظور الإسلامي (الإيمان بالله) في نطاق المذهب الذاتي للمعرفة (ونظرية السيد الصدر الأخيرة) أسهل واقرب مما كان عليه البحث في كتاب (فلسفتنا) حيث وكما رأينا سابقاً أن (نظرية التوالد الذاتي للمعرفة) تثبت مسألة الصانع الحكيم بنفس الطريقة التي تثبت فيها كل القضايا الاستقرائية... من هنا أصبحت القاعدة المعرفية للرؤية الكونية.. قاعدة مبتكرة وأكثر علمية وأكثر دقة.
فالبحث في نظرية المعرفة... أساساً كان يستهدف الوصول إلى الرؤية الكونية التوحيدية... لانه المرتكز الأساسي لقيام أي حضارة وأي مجتمع حيث انه (لكل حضارة من الحضارات تصور كوني للعالم أي نظرة يفهم وفق لها كل شيء ويقيم والتطور السائد في حضارة ما هو الذي يحدد معالمها ويشكل اللحمة بين عناصر معارفها ويملي منهجتها ويوجه تربيتها... وتصورنا للعالم هو من الأهمية بحيث لا ندرك أن لدينا تصوراً ما إلاّ حين نواجه تصوراً بديلا إما بسفرنا إلى حضارة اخرى وإما باطلاعنا على أخبار العصور الغابرة وأما حين يكون تصور حضارتنا للعالم في طور التحول)(11)
من دلائل عبقرية الشهيد وبعد نظره أن النتائج التي توصل إليها في إثبات قصور المادة والظواهر عن تفسير الكون جاءت مطابقة للنظرية العلمية الحديثة التي أبطلت النظرية العلمية القدمية (المادية العلمية) وبات الاعتقاد بأن الأشياء جميعاً قابلة للتفسير بلغة المادة لاغِياً وباطلا... فهذا الرأي كان مقبولا ولكن في ضوء البحوث الفيزيائية الجديدة ونتائج علم الفسلجة وعلم النفس... الخ.. بات العلم أقرب إلى المفهوم الفلسفي الإلهي للعالم. يقول مؤلفا (العلم في منظوره الجديد) (وفي وسعنا ان نتوقع تحول الفلسفة المعاصرة تشجعها على ذلك النظرة الجديدة عن يأسها الفكري إلى بحث صحي ونشيط عن حكمة ترتكز على يقينيات الخبرة العامة أما فيما يتعلق بالدين فالظاهر أن مستقبل النظرة الجديدة يوحي بالعودة بثقافتنا إلى الإيمان بوجود الله الواحد وبإعادة التأكيد على الجانب الروحي من طبيعة الإنسان وعلى صعيد الفنون تزيل النظرة الجديدة من علم النفس وعلم الكونيات أسباب النفور والعبثية مستعيضة عنها بالغائية والله والجمال والعناصر الروحية وكرامة الإنسان...)(12)
هكذا يلتقي فلاسفة العلم أواخر القرن العشرين أو على الأقل بعضهم مع ما أسسه باقر الصدر منذ خمسين سنة تقريباً... حول المفهوم الفلسفي للعالم... هذا المفهوم الذي يخرق حجب المادة ويتجاوز حدودها الضيقة ليمنح الإنسان كوناً اعظم.. ورسالة أكبر... وآفاقاً أرحب... إنها رؤية كونية تجمَع بين الأرض والسماء... بين المادة والروح بين الغيب والشهادة.. إن الرؤية الكونية الإنسانية.. تتجاوز الأطر الضيقة للحضارة المادية..
وتبشر بحضارة خلاص... تنعتق من لاهوت الأرض لتعانق عنان السماء.. (فالمنهاج العلمي لحياة البشر الذي كرسته الحضارة الأوروبية أدى وسيؤدي إلى انسحاق الإنسان في عالم الأشياء وارتباطه بالجبرية المادية وتحوله إلى كائن بلا تاريخ وبلا حاضر وبلا مستقبل كائناً مستلباً ومنفعلا ولا يبقى أمامه سوى الوعد بجنة الأرض يعبر إليها في أحسن الحالات عبر بوابات الجحيم فلا يبقى منه ما يلج به الجنة يبقى الوعد المنشود كالجزرة أمام الحصان ويسقط الحصان دون أن يبلغ الجزرة... فإن أي محاولة جذرية لإيجاد بديل حضاري فلسفي لمنهاج الحياة البشرية تتطلب خروجاً واضحاً على لاهوت الأرض...)(13)، وطبعاً لا يكون ذلك إلاّ بتجاوز الرؤى الكونية المادية للاتصال بالغيب... ورسالاته..

الله وفعاليته في التاريخ:
كانت ولا تزال علاقة الغيب والشهادة مثار بحث وجدل... ولا تزال العديد من قضايا هذه العلاقة تثير تساؤلات عديدة: منها: هل يصادر الإيمان بالغيب الدور الإنساني؟ ما هي طبيعة العلاقة بين عالم الغيب وعالم الشهادة؟ كيف يؤثر الله في التاريخ؟ الخ... هذه الأسئلة وأصل الاشكالية حول جدلية الغيب والشهادة غائبه تقريباً عن البحث الكلامي القديم لكنها تبدو بارزة في بحوث باقر الصدر خاصة وان الايمان بالغيب صار لدى الكثيرين عنوان سلب الإنسان قدرته وامكاناته وانسحاقه امام الله (فقد سيطر على تاريخنا الفكري مفهوم تواكلي يشرح الإيمان بالغيب وقدرة الله المطلقة كأمور مقابلة بالضرورة لسطحية بشرية في مقابل علم الله ولعجز بشري في مقابل قدرة الله فهل الإيمان الحقيقي بالغيب يعطل قدرات الإنسان ووعيه عن التفاعل الواسع بالحركة الكونية؟ إن الذي فهموا الارتباط بالغيب باعتبار تعطيلا لعالم الحس لا يدرون شيئاً لا عن الحس ولا عن عالم الغيب وبالتالي لا يفهمون العلاقة بينهما إلاّ كتناقض لا تناسبه فتصبح مهمة الإنسان أن تستقيل نفسه من عالم الحس بقتلها وقهرها)(14)، فالتحدي الكبير امام الفكر التوحيدي هو إيجاد الإطار المناسب والفهم الصحيح للتفاعل بين الغيب والشهادة... إن باقر الصدر يقر بأنشداد الإنسان الشرقي للغيب وافتتانه به وإنه يختلف عن الإنسان الأوروبي الذي ينظر بطبيعته دائماً إلى الأرض لا إلى السماء حتى ان نظرتهم الدينية تأثرت بهذا الافتتان الأرضي فأنزلوا الإله من السماء إلى الأرض... وكان المسيح عندهم ابن الله (نعم لقد استطاع الأوربي من خلال النظر إلى الأرض أن يفجر طاقات هائلة في الدنيا ولكن أدت به أيضاً إلى التنافس المحموم على الأرض وخيراتها ونشأت أشكال من استغلال الإنسان لاخيه الإنسان لأن تعلق هذا الكائن بالأرض وثرواتها جعله يضحي بأخيه ويحوله من شريك إلى أداة)(15)، ولكن لا يقر بأن هذا الانشداد إلى الغيب، يحتّم الجمود أو الانسحاق و(انما يكن ان تؤدي نظرة إنسان العالم الإسلامي إلى السماء قبل الأرض إلى موقف من هذه المواقف السلبية إذا فصلت الأرض عن السماء أما إذا ألبست الأرض إطار السماء وأعطي العمل مع الطبيعة صفة الواجب ومفهوم العبادة فسوف تتحول تلك النظرة الغيبية لدى الإنسان إلى طاقة محركة وقوة دفع نحو المساهمة بأكثر قدر ممكن في رفع مستوى الحياة وهذا بالضبط ما تصنعه الدولة الإسلامية فإنها لا تنزع من الإنسان نظرته العميقة إلى السماء وانما تعطي له المعنى الصحيح إلى السماء وتسبغ طابع الشريعة والواجب على العمل في الأرض بوصفه مظهراً من مظاهر خلافة الإنسان لله على الكون وبهذا نجعل من هذه النظرية طاقة بناء وفي نفس الوقت نحتفظ بها كضمان لعدم تحول هذه الطاقة من طاقة بناء إلى طاقة استغلال)(16). ولا يكتفي باقر الصدر بإبراز أهميته الإيمان بالغيب في التوحد مع الطبيعة والاندماج في العمل الحضاري من أجل مجتمع تقدمي كادح نحو السماء بل يحلل أكثر هذه العلاقة في إطار الصيغة الرباعية للعلاقة الاجتماعية كما شرحناها سابقاً: وبين ان علاقة الله بالإنسان والتاريخ: تتفاعل في الابعاد الآتية:
أ‌- الله مؤثر بما هو خالق: للإنسان والطبيعة فهو واهب كل ما يملكه الإنسان وكل ما توفره الطبيعة من فيوضات والإنسان خليفة الله على الأرض ومستأمن على ما فيها ومن فيها وهذا يعني مسؤولية الإنسان في تمثل صفات الله في حركته ومسيرته
ب‌- الله مؤثر في التاريخ بما هو العلة الغائية للمسيرة الانسانية والمثل الأعلى لها: وبالتالي فهو يؤثر على طبيعة الاعمال والانشطة والأدوار التي يقوم بها الإنسان فرداً ومجتمعاً، ويتحدث الصدر على مستوى الدولة فيقول (وهنا يأتي دور الدولة الإسلامية لتضع الله هدفاً للمسيرة الإنسانية وتطرح صفات الله واخلاقه كمعالم لهذا الهدف الكبير فالعدل والعلم والقدرة والقوة والرحمة والجود تشكل بمجموعها هدف المسيرة للجماعة البشرية الصالحة، وكلما اقتربت خطوة نحو هذا الهدف وحققت شيئاً منه انفتحت امامها آفاق أرحب وازدادت عزيمة وجذوة لمواصلة الطريق لأن الإنسان المحدود لا يمكن أن يصل إلى الله المطلق)(17)
ج- الله مؤثر بِمَا هو المشرّع والمقنن: ليس المقصود هنا التشريع والتقنين بالمعنى الفقهي الضيق وإنما بالمعنى الأعم الذي يتسع لتحديد الغايات وتأطير المسار وتقنين المسيرة فالله هو الذي حدد الغاية من الخلق (وما خلقت الجن والإنس إلاّ ليعبدون)(18)، وهو الذي قنن حركة الإنسان إلى الله، أي حركته التاريخية، وجعلها خاضعة لسنن تاريخية وقوانين ونواميس الهية لا تتغير ولا تتبدل (ولن تجد لسنة الله تبديلا) وقد حلل هذه السنن التاريخية وارجعها إلى ثلاثة أشكال من السنن صوناً للحرية الإنسانية وحفاظاً على إرادة الإنسان التي دونها لا يصبح للمسؤولية الاستخلافية الاستئمانية أي معنى:

الشكل الأول للسنن التاريخية هو شكل القضية الشرطية.
الشكل الثاني: القضية الفعلية الناجزة الوجودية المحققة.
الشكل الثالث: السنة التاريخية المصاغة على صورة اتجاه طبيعي.
هذا التنوع في سنن التاريخ وعدم كونها جميعاً من الشكل الثاني من شأنه أن يحفظ هامشاً كبيراً للإرادة الإنسانية واختيارها(19) ان الله عزوجل... هو المهيمن والمدير والمسيّر للكون... والتاريخ.. وما حركة الإنسان الارادية إلاّ جزء من هذه الهيمنة الالهية.. وجزء من إرادته.. فالغيب يحوط عالم الشهادة وليس للأخير أصالة أو استقلالية إلاّ بالمقدار الذي يمنحه الله.. لمفرداته.. بل حتى في عالم الإنسان حيث انفرد هذا الكائن بالاختيار وحرية الارادة.. فان هذه الحرية مهما سيء استخدامها ومهما وظفت في التمرد على الخالق وارادته.. فانه لن يخرج من هيمنة الغيب.. لأن الكافر لا يكفر إلاّ بتمكين من الله... والظالم بظلمه لا يخرج عن سلطانه عزوجل... وان الله ليس نهاية جغرافية... وانما حقيقة موضوعية... والكدح نحوه... ليس طلباً تشريعياً وانما هو حقيقة تكوينية مغروسة في كل مفردة من مفردة الكون... فقط المطلوب من الانسان الاندماج الإرادي التشريعي في الكدح نحو الله مع الكدح التكويني... وهذا ما ذكرناه في تفسير الصدر لقوله تعالى (والذي كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب)(20)
المصادر:
1- م. ن، ص140
2- الرعد 11
3- الانفال 53
4- م. ن، ص143
5- م. ن، ص200
6- محمد باقر الصدر: الإسلام يقود الحياة
7- محمد باقر الصدر، مقالة الحرية في القرآن: عن كتاب اخترنا لك /دار الزهراء، بيروت، ص51 ـ 52
8- محمد باقر الصدر: الإسلام يقود الحياة، م. س، ص41
9- محمد باقر الصدر: فلسفتنا، م. س، ص7
10- محمد باقر الصدر، أهل البيت: تنوع ادوار ووحدة هدف، م. س; ص120
11- اغروس. روبرت. العلم في منظوره الجديد، سلسلة عالم المعرفة، الكويت، عدد 134، ص15
12- م. ن، ص147
13- أبو القاسم حاج حمد العالمية الإسلامية الثانية، دار المسيرة، ص51
14- م. ن، ص108
15- محمد باقر الصدر، الإسلام يقود الحياة، م. س، ص228
16- م. ن، ص229
17- م. ن، ص201
18- الذاريات: 56
19- للتفصيل أكثر يراجع: المحاضرة السابعة من محاضرات المدرسة القرآنية، للسيد باقر الصدر
20- النور: 39

 


source : .www.rasekhoon.net
0
0% (نفر 0)
 
نظر شما در مورد این مطلب ؟
 
امتیاز شما به این مطلب ؟
اشتراک گذاری در شبکه های اجتماعی:

آخر المقالات

طريق من القلب لله
ماروى في أن الائمة اثنا عشر اماما وأنهم من الله ...
الإمامة في رؤية الأئمة الأطهار
الإمامة والحركة الإسلامية
مباني علم المعرفة في الفلسفة الإنسية القسم الأول
تاريخ امهات قادة في الدولة الاسلامية ...
معانی القضـاء والقـدر
الشفاعة عند الشيعة الإمامية
التوحيد هو الأصل الموحّد بين الشرائع
خصائص نظرية المجسمة ق(3)

 
user comment