عربي
Thursday 23rd of May 2024
0
نفر 0

لبسُ السواد حُزناً على الحُسين (عليه السلام)

بدايةً وردت روايات في باب لباس المصلّي ، مضمونها : أنّ لبس السواد هو لباس الأعداء ، و لباس أهل النار ، و لباس بني العبّاس ، و فتوى أكثر الفقهاء على كراهة لبس السواد خصوصاً في الصلاة . و ذهبَ بعض المحدّثين الإخباريين إلى الحرمة . وقد ذكرنا في الفصل الأوّل : أنّ اتّخاذ الشعيرة يكفي فيه الحلّيّة بالمعنى الأعم ، فعلى افتراض كونه مكروهاً ؛ فإنّ ذلك لا يمنع من اتّخاذه شعيرة للحزن .
 لبسُ السواد حُزناً على الحُسين (عليه السلام)

بدايةً وردت روايات في باب لباس المصلّي ، مضمونها : أنّ لبس السواد هو لباس الأعداء ، و لباس أهل النار ، و لباس بني العبّاس ، و فتوى أكثر الفقهاء على كراهة لبس السواد خصوصاً في الصلاة .
و ذهبَ بعض المحدّثين الإخباريين إلى الحرمة .
وقد ذكرنا في الفصل الأوّل : أنّ اتّخاذ الشعيرة يكفي فيه الحلّيّة بالمعنى الأعم ، فعلى افتراض كونه مكروهاً ؛ فإنّ ذلك لا يمنع من اتّخاذه شعيرة للحزن .
حيث إنّ الشعيرة الواردة في الأدلّة ليست حقيقة شرعيّة ، بل هي حقيقة عُرفيّة ، فيمكن استحداث واتّخاذ ممارسة مصاديق و رسوم جديدة ، هذا أوّلاً .
و ثانياً : أنّ هذا السواد إنّما يكون مشمولاً للكراهة إذا اتُّخذ لباساً ، أمّا إذا اتُّخذ شعاراً لإظهار الحزن فهو غير مشمول لتلك الكراهة ، فمن ثَمّ ذهبَ ـ كما نقلنا في صدر البحث ـ صاحب الحدائق (1) ، والسيّد اليزدي (2) ، وعدّة من الفقهاء إلى عدم كراهة لبس السواد حتّى في الصلاة إذا كان لأجل إظهار الشعائر .
(والمسألة محرّرة في كتاب الصلاة) .
فالروايات الناهية عن لبس السواد ليست متعرّضة لاتخاذه كشعار ، ولأجل إظهار الأسى والحزن ، نظير ألبِسة بعض الحِرف والمِهن ، أو المؤسّسات والدوائر ، فإنّ الهيئة الموحّدة في اللباس لديهم ليست زيّاً لباسيّاً في الحياة المعتادة ، بل الهيئة الموحّدة من اللون أو الشكل ، هي شعار يرمز إلى العمل الموحّد والانتساب المعيّن ، و من ثَمّ أفتى جمهرة أعلام العصر بجواز لبس الأشخاص الذين يقومون بالشبيه (المسرحيّة لحادثة الطف) زيّ الجنس الآخر ، و إنّ ذلك  لا يندرج في عموم حرمة تشبّه الرجال بالنساء أو العكس ، ولا يندرج في حرمة لبس الرجال للباس النساء ؛ وذلك لظهور المتعلّق في حكم الحرمة لمَا يُتّخذ لبساً في الحياة العاديّة المعيشيّة .
وثالثاً : المتتبّع للسيرة يقرأ أنّ الأئمّة (عليهم السلام) و أتباعهم ، ارتَدَوا ولبسوا السواد من أجل إظهار الحزن والتفجّع ، و ذلك في موارد :
1- منها ما في شرح ابن أبي الحديد : أنّ الحسنين (عليهما السلام) لَبسا السواد على أبيهما في الكوفة بعد شهادته (3) .
2- و منها ما في كتاب المحاسن للبرقي (4) : أنّ الفاطميّات والعقائل ـ بعد رجوعهنّ من كربلاء إلى المدينة ـ لبسنَ السواد والمَسوح ، وكان زين العابدين (عليه السلام) يطبخ لهم .
فذَكر فيه أنّ زين العابدين كان يطبخ و يُطعم النساء ؛ لأنّهنّ شُغلنَ بإقامة المأتم على الحسين (عليه السلام) ، ففيه نوع من تقرير المعصوم (عليه السلام) للبس السواد والمسوح .
3- و منها ما في كتاب إقبال الأعمال للسيّد ابن طاووس (5) ، في فضيلة يوم الغدير ، حيث ورد فيه : و هو يوم تنفيس الكرب ، و يوم لبس الثياب ، و نزع السواد .
4- و منها ما في مستدرك الوسائل (6) بسنده عن أبي ظبيان قال : (خرجَ علينا عليّ (عليه السلام) ، في إزار أصفر وخميصة (7) سوداء) .
و سنذكر بعد قليل المزيد من الأدلّة المنقولة على ذلك .
و رابعاً : أنّ بني العبّاس اتّخذوا السواد شعاراً لهم بادئ الأمر ؛ من أجل إظهار حزنهم على الحسين (عليه السلام) ، و جعلوه ذريعة للانقضاض على بني أميّة ، ممّا يدلّ على أنّ لبس السواد كان متّخذاً لإظهار الحزن والتفجّع عند العرف الاجتماعي آنذاك ، و هو زمان حضور الأئمّة (عليهم السلام) ، و هذه الظاهرة يمكن التحقّق منها تاريخيّاً ، و إنّ بني العبّاس اتّخذوا السواد شعاراً لهم ذريعةً و حيلةً في أنّه حُزنٌ على مصاب سيّد الشهداء (عليه السلام) ، و إنّهم قاموا بعنوان الثأر لسيّد الشهداء ، و هو شعار الرضا من آل محمّد (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) ، ولكن استغلّوا ذلك للتسلّط على رقاب المؤمنين والمسلمين .
إذاً ، تتعاضد هذه الوجوه ، و تدفع الريبة في الكراهة ، و تؤيّد رجحان لبس السواد حُزناً لأجل مصاب أهل البيت (عليهم السلام) .
و الآن نُقدّم ـ للقارئ الكريم ـ المزيد من الأدلّة والمؤيّدات على رجحان لبس السواد ؛ لإظهار الحزن والأسى على سادات و أئمّة الورى (عليهم السلام) :
بعضُ الأدلّة المنقولة في لبس السواد
1- لبسُ الحَسنان السواد على أبيهما بعد شهادته (عليه الس81) .
2- وقال ابن أبي الحديد في شرح النهج : وكان قد خرج الحسن بن علي (عليه السلام) إليهم ـ إلى الناس بعد شهادة أبيه ـ و عليه ثياب سود (9) .
3- لبس نسُاء بني هاشم السواد والمسوح حُزناً على سيّد الشهداء (عليه السلام) ، كما ورد ذلك في كتاب المحاسن للبرقي ، بسنده عن عمر بن علي بن الحسين (عليهم السلام) قال : لمّا قُتل الحسين بن علي (عليه السلام) لبسنَ نساء بني هاشم السواد والمسوح ، وكنّ لا يشتكينَ من حرّ ولا برد ، وكان علي بن الحسين (عليه السلام) يعمل لهنّ الطعام للمأتم) (10) و وجه الدلالة على الاستحباب و على رفع الكراهة : هو أنّ ذلك الفعل كان بإمضائه و تقرير الإمام المعصوم (عليه السلام) ، إضافةً لدلالة الخبر على أنّ لبس السواد هو من شعار الحزن والعزاء على المفقود العزيز الجليل من قديم الزمان وسالف العصر والأوان ، وكما هو المرسوم اليوم في جميع نقاط العالَم (11) .
4- وفي إقبال الأعمال (12) نقلاً عن كتاب (النشر والطيّ) بإسناده عن الرضا (عليه السلام) ، أنّه قال ـ في حديث في فضيلة يوم الغدير ـ : (و هو يوم تنفيس الكرب و يوم لبس الثياب و نزع السواد) .
5- و مثلها رويَ في مستدرك الوسائل عن كتاب المحتضر للحسن بن سليمان الحلّي بإسناده عن أحمد بن إسحاق ، عن الإمام العسكري (عليه السلام) ، عن آبائه (عليهم السلام) ، عن رسول الله (صلَّى الله عليه وآله و سلَّم) في فضيلة يوم التاسع من ربيع الأول ، و أساميه ـ إلى أن قال ـ قال (عليه السلام) : (ويوم نزع السواد) (13) .
6- ما جرى في الشام على قافلة سيّد الشهداء (عليه السلام) ، بعدما أذِن لهم يزيد بالرجوع و طلبوا منه النوح على الحسين (عليه السلام) : فلم تبقَ هاشميّة ولا قريشيّة إلاّ ولَبست السواد على الحسين و ندبوه (14) .
7- سكينة بنت الحسين ترى الزهراء (عليها السلام) في المنام و هي تندب الحسين و عليها ثياب سود ، يذكر ذلك المحقّق النوري في المستدرك حيث تقول سكينة (عليها السلام) : (... فإذا بخمس نسوة قد عظّم الله خلقتهنّ ، و زاد في نورهنّ وبينهنّ امرأة عظيمة الخلقة ناشرة شعرها ، و عليها ثياب سود ، و بيدها قميص مضمّخ بالدم إلى أن ذكرت أنّها كانت فاطمة الزهراء (عليها السلام) (15) .
8- وفي مقتل أبي مخنف (16) ، عندما أخبر نعمان بن بشير بقتل الحسين (عليه السلام) ، فلم يبقَ في المدينة مخدّرة إلاّ و برزت من خدرها ، ولبسوا السواد و صاروا يدعون بالويل والثبور .
9- و روى في الدعائم (17) عن جعفر بن محمد (عليه السلام) ، أنّه قال : (لا تلبس الحاد ـ المرأة في حِدادها على زوجها ـ ثياباً مصبّغة ولا تكتحل ولا تطيّب ولا تزيّن حتّى تنقضي عدّتها ، ولا بأس أن تلبس ثوباً مصبوغاً بسواد) ، وقد أفتى بمضمونه الشيخ في المبسوط (18) ، والمحقّق في الشرائع في حداد الزوجة وفي الإيضاح .
10- و روى الصفّار في بصائر الدرجات عن البزنطي ، عن أبان بن عثمان ، عن عيسى بن عبدالله و ثابت ، عن حنظلة ، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال : (خطبَ رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) يوماً بعد أن صلّى الفجر في المسجد و عليه قميصة سوداء) ، و ذكرَ (عليه السلام) أنّه توفّي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) في ذلك اليوم (19) .
وفي سيرة ابن هشام (20) : كان على رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) قميصة سوداء حين اشتدّ به و جعه .
11- و روى الكليني (21) ،
والدعائم (22) بسنده عن سليمان بن راشد ، عن أبيه قال : رأيتُ عليّ بن الحسين (عليه السلام) و عليه درّاعة سوداء و طيلسان أزرق .
12- وفي عيون الأخبار وفنون الآثار لعماد الدين إدريس القريشي (23) عن أبي نعيم ، بإسناده عن أمّ سلمة رضوان الله عليها ، أنّها لمّا بلغها مقتل الإمام الحسين (عليه السلام) ضربت قبّة سوداء في مسجد رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) و لبست السواد .
13- و روى المجلسي في البحار (24) فيما جرى على أهل البيت (عليهم السلام) بعد واقعة كربلاء ، إلى أن قال (عليه السلام) :(ثُمّ قال الوصيف : يا سكينة ، اخفضي صوتكِ فقد أبكيتِ رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) ، ثُمّ أخذَ الوصيف بيدي فأدخلني القصر ، فإذا بخمس نسوة قد عظّم الله تعإلى خلقتهنّ وزاد في نورهنّ ، و بينهنّ امرأة عظيمة الخلقة ناشرة شعرها و عليها ثياب سود ، بيدها قميص مضمّخ بالدم ، و إذا قامت يقمنَ معها ، و إذا جلست جَلسن معها ، فقلتُ للوصيف : ما هؤلاء النسوة اللاتي قد عظّم الله خلقتهنّ ؟
فقال : يا سكينة ، هذه حوّاء أمّ البشر ، و هذه مريم بنت عمران ، و هذه خديجة بنت خويلد ، و هذه هاجر ، و هذه سارة ، و هذه التي بيدها القميص المضمّخ ـ و إذا قامت يقمن معها و إذا جلست يجلسن معها ـ هي جدّتك فاطمة الزهراء عليها السلام) الحديث .
14- و روى الشيخ في الغَيبة بسنده إلى كامل بن إبراهيم ، أنّه دخلَ على أبي محمّد الحسن العسكري (عليه السلام) ، فنظرَ إلى ثياب بياض ناعمة ، قال : فقلتُ في نفسي :
وليّ الله و حجّته يلبس الناعم من الثياب ، و يأمرنا نحن بمواساة الإخوان و ينهانا عن لبس مثله ؟
فقال (عليه السلام) متبسّماً : (يا كامل ، و حسرَ عن ذراعيه فإذا مسح أسود خشن على جلده ، فقال : هذا لله و هذا لكم)(25) .
15- في كامل الزيارات ، بسنده : أنّ المَلَك الذي جاء إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) و أخبره بقتل الحسين بن علي (عليه السلام) كان مَلَك البحار : و ذلك أنّ مَلَكاً من ملائكة الفردوس نزلَ على البحر فنشر أجنحته عليها ثُمّ صاحَ صيحةً وقال : (يا أهل البحار ، ألبسوا أثواب الحزن فإنّ فرخ رسول الله (صلَّى الله عليه وآله و سلَّم) مذبوح ...) (26) .
________________________________________
(1) الحدائق 7 : 118 . حيث قال فيها : (لا يبعد استثناء لبس السواد في مأتم الحسين (عليه السلام) ؛ لمَا استفاضت به الأخبار من الأمر بإظهار شعائر الأحزان .
(2) في أجوبة أسئلة حول الشعائر الحسينيّة ، الذي هو ملحق على تعليقته على رسالة الشيخ جعفر التستري ص 12 ، في لبس السواد .
(3)شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 4 : 8 .
(4) المحاسن 2 : 402 ، باب الإطعام ؛ باب 25 .
(5) الإقبال : 464 .
(6)مستدرك الوسائل 3 : 234 ، باب 45 أبواب لباس المصلّي .
(7)ثوب خَز ، أو صوف مُعلَم .
(8)مجمعُ الدُرر في المسائل الاثنتي عشر ، شيخ عبد الله المامقاني .
(9) شرح نهج البلاغة 16 : 22 .
(10) المحاسن 2 : 402 ـ وقد دوّنت هذه الرواية في كتب : الكافي ، والبحار ، والوسائل نقلاً عن كتاب المحاسن .
(11)راجع كتاب (إرشاد العباد إلى استحباب لبس السواد) للسيّد جعفر الطباطبائي الحائري ، تعليق السيّد محمد رضا الحسيني الاعراجي الفحّام ص : 28 ـ هامش (2) .
(12)إقبال الأعمال : 464 .
(13)و فيه : (و يوم نزع الأسواد) . ـ وقد أدرجه المجلسي في بحاره نقلاً عن كتاب زوائد الفوائد للسيّد ابن طاووس ؛ مستدرك الوسائل 3 : 326 ـ 327 .
(14) مستدرك الوسائل 3 : 327 .
(15) مستدرك الوسائل 3 : 327 .
(16) صفحة 222 .
(17) 2 : 291 .
(18) 5 : 265 ـ 264 .
(19) بصائر الدرجات : 305 ـ 304 ؛ بحار الأنوار 22 : 464 .
(20) 4 : 316 .
(21) الكافي 6 : 449 .
22) 2 : 161 .
(23) صفحة 109 .
(24) 45 : 195 .
(25) وسائل الشيعة 3 : 351 ؛ بحار الأنوار 50 : 253 وج 52 : 50 .
(26) كامل الزيارات : 67 / ح 3 ؛ مستدرك الوسائل 3 : 327 .

الشيخ محمد السند


source : sibtayn
0
0% (نفر 0)
 
نظر شما در مورد این مطلب ؟
 
امتیاز شما به این مطلب ؟
اشتراک گذاری در شبکه های اجتماعی:

آخر المقالات

آيات في الولاية العلويّة
حب الله
من هو المؤمن
الملكية ووظيفتها الاجتماعية في الفقه الإسلامي
السيدة خديجة الكبرى سلام الله عليها ينبوع الكوثر
مدی فهم ابن تیمیّة حول التقیّة
تُدعى الشيعة يوم القيامة بأسماء آبائهم لطيب ...
باب من قلم أظفاره، وما يجب على من حلق رأسه
انعكاس المفاهيم القرآنية على الشعائر الحسينية
السبت أول أيّام شهر رمضان المبارك في إيران

 
user comment