عربي
Thursday 13th of June 2024
0
نفر 0

نشأة القدر

نشأة القدر


أن الإيمان بالقدر أمر فطري، وأنه لم يكن في العرب من ينكر القدر لا في الجاهلية ولا في الإسلام.
وهكذا كان الأمر بعد البعثة النبوية؛ فلم يقع في عهد رسول الله " أي افتراق، أو ابتداع في أمور العقيدة ومنها القدر.
وهذا لا ينافي وقوع بعض الأسئلة التي يأتي جوابها حاسماً من الرسول ".
كما لا ينافي وقوع المخاصمة من جانب اليهود أو المشركين.
وقد مرَّ شيءٌ من ذلك عند الحديث عن مسألة حكم الحديث في القدر.
وبعدما انطوى عهد النبوة، وكثرت الفتوحات، واختلط المسلمون بغيرهم ظهرت بدعة القدرية التي تُعد أول شرك في الإسلام.
وكان أول ظهورها في البصرة ودمشق، ولم تظهر في مكة ولا المدينة؛ لانتشار العلم.
وقد ظهرت في أواخر عهد الصحابة كابن عباس، وابن عمر، وأنس بن مالك، وجابر بن عبدالله رضي الله عنهم فاشتد نكيرهم على تلك البدعة وأصحابها.
وتكاد مصادر أهل السنة تجمع على أن أول من تكلم بالقدر رجل من أهل البصرة يعمل بقالاً ويقال له: سنسويه، وبعضهم يسميه سيسويه، وبعضهم يسميه سوسن.
ثم تلقفها عنه معبد الجهني، وأخذ عن معبد غيلان الدمشقي.
قال الإمام الأوزاعي إمام أهل الشام : أو من نطق في القدر رجل من أهل العراق يقال له: سوسن كان نصرانياً فأسلم، ثم تنصر، فأخذ عنه معبد الجهني، وأخذ غيلان عن معبد.
وبعد معبد وغيلان ظهر رؤوس الاعتزال كواصل بن عطاء، وعمرو ابن عبيد، فنقلوا هذه المقالات ونشروها كما سيأتي بيان ذلك عند الحديث عن القدرية .
والمقصود بالكلام في القدر في بداية الأمر إنما هو نفي القدر.
هذا هو المشهور من الأقوال في بداية القول بالقدر، ويشهد على ذلك ما جاء في قصة الحديث المشهور حديث جبريل في صحيح مسلم، فقد روي عن يحيى بن معمر قال: كان أول من قال في القدر معبد الجهني، فانطلقت أنا وحميد بن عبدالرحمن الحميري حاجين أو معتمرين فقلنا: لو لقينا أحداً من أصحاب رسول الله " فسألناه عما يقول هؤلاء في القدر، فوفق لنا عبدالله بن عمر بن الخطاب داخلاً المسجد؛ فاكتنفته أنا وصاحبي: أحدنا عن يمينه، والآخر عن شماله، فظننت أن صاحبي سَيَكِل الأمر إلي، فقلت: أبا عبدالرحمن إنه قد ظهر قِبَلنا ناس يقرؤون القرآن، ويتَقَفَّرون العلم (وذكر من شأنهم) وأنهم يزعمون أن لا قدر، وأنَّ الأمرَ أُنف.... الحديث.
وهذا يفيد أن معبداً هو أول من قال بالقدر، وقبل ذلك تبين من كلام الأوزاعي أن معبداً أخذه عن النصراني سنسويه، أو سيسويه، أو سوسن.
وقد يكون من المحتمل أن أساس الفكرة كان عند ذاك الرجل النصراني الذي تظاهر بالإسلام، ولكنه لم يستطع أن يجاهر بها؛ لعدم ثقة الناس به، فتلقاها عنه معبد ونشرها، فاشتهرت عنه.
فهذا هو القول الأرجح في نشأة القول بالقدر.
وهناك قولان آخران في هذا الشأن:
أحدهما: أن أول ما حدث القول بالقدر بالحجاز قبل معبد الجهني، وأن ذلك وقع لما احترقت الكعبة لما كان عبدالله بن الزبير رضي الله عنهما محصوراً بمكة؛ فقال أناس: احترقت بقدر الله تعالى وقال أناس: لم تحترق بقدر الله.
والقول الآخر: أن أول من نادى بالقدر في الشام عمرو المقصوص وكان عمرو هذا معلماً لمعاوية الثاني، وهو معاوية بن يزيد بن معاوية بن أبي سفيان، فأثر فيه كثيراً، فاعتنق أقواله في القدر، حتى إنه لما تولَّى الخلافة كان عمرو هذا هو الذي أثر فيه؛ فاعتزلها حتى مات، ووثب بنو أمية على عمرو المقصوص، وقالوا: أنت أفسدته، ودفنوه حياً.
وهذا القول كما يقول د. عبدالرحمن المحمود حفظه الله : ضعيف؛ لأن معاوية بن يزيد كان رجلاً صالحاً، وعمرو المقصوص لم أجد مَنْ ذكر قصته من المؤرخين غير ابن العبري.
وهكذا نشأ القول بالقدر، وضل بسببه فرق شتى، وكان منشأ ضلالهم كثرة الجدل، وتقديم العقل على النقل، والنظر إلى النصوص بعين عوراء.
وكردَّة فعل للقدرية النفاة ظهر أناس غلو في الإثبات؛ حيث نشأ في آخر عهد بني أمية أقوام قالوا بالجبر، وزعموا أنَّ العبد ليس له خيار فيما يأخذ أو يدع، وبعضهم يثبت للعبد قدرة غير مؤثرة.
وأول من أظهر هذا القول الشنيع: الجهم بن صفوان، وتفرع عن هذه البدعة أقوال شنيعة، وضلال كبير.
هذه هي بدايات القول بالقدر، وقبل الدخول في تفاصيل أقوال الفرق في القدر يحسن تحديد الخلاف في القدر بإيجاز، فالخلاف فيه يدور حول أمرين:
أحدهما: ما يتعلق بالله تعالى وذلك في مراتب القدر الأربع: العلم، والكتابة، والمشيئة، والخلق التي يثبتها أهل السنة لله تعالى .
الثاني: ما يتعلق بالعبد: هل له إرادة ومشيئة أَوْ لا؟ وهل له قدرة أَوْ لا؟ وهل هو فاعل لفعله حقيقة أَوْ لا؟
والطوائف ما بين غالٍ في إثبات القدر لله إلى حد أن قالوا بالجبر ونفي القدرة والإرادة عن العبد، ومُفرطٍ في القدر إلى حدِّ نفي بعضه عن الله، وإثباته للعبد.
وأهل السنة وسط بين هاتين الطائفتين.
وهذا ما سيتبين في المباحث التالية، حيث سَيَرِد ذكرٌ لأقوال بعض الفرق التي ضلت في هذا الباب.
القدرية:
هم أتباع معبد الجهني، وغيلان الدمشقي، وأتباع واصل ابن عطاء، وعمر بن عبيد من المعتزلة، ومن وافقهم، هؤلاء هم القدرية.
وسموا قدرية كما يقول ابن قتيبة : لأنهم أضافوا القدر إلى أنفسهم، وغيرهم يجعله له تعالى دون نفسه، ومُدَّعي الشيء لنفسه أولى بأن ينسب إليه ممن جعله لغيره.
وقولهم في القدر: إن العبد مستقل بعمله في الإرادة والقدرة، وليس لمشيئة الله تعالى وقدرته في ذلك أثر.
ويقولون: إن أفعال العباد ليست مخلوقةً لله، وإنما العباد هم الخالقون لها، ويقولون: إن الذنوب الواقعة من العباد ليست واقعة بمشيئة الله.
وقالوا: نحن نفعل ما لا يريد الله تعالى ونقدر على ما لا يقدر.
وغلاتهم ينكرون أن يكون الله قد علمها، فيجحدون مشيئته الشاملة، وقدرته النافذة، ولهذا سموا مجوس هذه الأمة؛ لأنهم شابهوا المجوس الذين قالوا: إن للكون إلهين: إلهَ النور: وهو خالق الخير، وإلهَ الظلمة: وهو خالق الشر.
وقد وردت أحاديث في السنن وغيرها عن النبي " في ذم القدرية، ووصفهم بأنَّهم مجوس هذه الأمة.
وهي وإن كانت لا تخلو من مقال إلا أن بعضها يصل إلى درجة الحسن، وبعضها يقوي بعضاً.
ومن ذلك ما جاء عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله " قال: لكل أمة مجوس، ومجوس هذه الأمة الذين يقولون: لا قدر، من مات منهم فلا تشهدوا جنازته، ومن مرض منهم فلا تعودوهم، وهم شيعة الدجال، وحق على الله أن يحشرهم معه.
وما جاء عن جابر بن عبدالله رضي الله عنهما قال: قال رسول الله" إن مجوس هذه الأمة المكذبون بأقدار الله، إن مرضوا فلا تعودوهم، وإن ماتوا فلا تشهدوهم، وإن لقيتموهم فلا تسلموا عليهم.
كما وردت آثار كثيرة من السلف في ذم القدرية، وكتب العقيدة مليئة بذلك، ومنها كتاب القدر للفريابي؛ حيث ساق آثاراً كثيرة في هذا الصدد، منها ما أخرجه بسنده عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: ما غلا أحد في القدر إلا وخرج من الإيمان.
وأخرج بسنده عن أبي الزبير المكي أنه قال: كنت أنا وطاووس نطوف بالبيت، فذكر أن معبداً الجهني تكلم في القدر، وكان أول من تكلم في القدر فعدلت إليه، فقال له طاووس: أنت المفتري على الله، فقال: إنه يُكْذَب علي، قال، فانصرفنا إلى عبدالله بن عباس، فذكر ذلك له، فقال ابن عباس: أروني منهم إنساناً، فوالله لا تُرونيه إلا جعلت يدي في رأسه فلا أفارقه حتى أدق عنقه.
وروى بسنده عن أرطاة بن المنذر قال: سمعت أنه يُقال: ما فتشت قدرياً إلا وجدته ملطوماً بحمقه.
والقدرية جعلوا لله شريكاً، بل شركاء في خلقه، فزعموا أن العباد يخلقون أفعالهم.
ومنشأ ضلال هؤلاء في البداية أنهم أرادوا تنزيه الله عز وجل عن الشر، ورتبوا على نفيهم الأفعالَ القبيحةَ عن الله قولهم: إن العباد هم الخالقون لأفعالهم؛ فوقعوا في نفي القدر.
وقد استدلوا على مذهبهم استدلالاً أعور ببعض الآيات، ومن ذلك ما يلي:
1- استدلالهم بالآيات الدالة على إثبات المشيئة للعباد: كقوله تعالى: (لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ)(1)
وقوله: (فمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ)(2).
وقوله عز وجل : (لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ) (3)
وغيرها من الآيات الدالة على إثبات المشيئة للعباد، فقالوا: لو لم تكن أفعالهم لما علق مشيئتهم عليها.
2- واستدلوا بالآيات التي تبين أن العباد هم الذين يؤمنون ويكفرون، ويطيعون ويعصون، كما في قوله تعالى :(وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمْ الْهُدَى) (4)
وقوله تعالى :(كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ)(5)
وقوله تعالى :(وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ)(6)
وقوله تعالى :(لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) (7)
قالوا: كيف يكون الله خالقاً لأفعال العباد مع أن هذه الآيات تنص على أنهم هم الذين يؤمنون، ويكفرون، ويلبسون الحق بالباطل؟
فلو لم تكن أفعالهم حقيقة لما عاتبهم، وذمهم على ترك الإيمان، وفعل الكفر.
3- وكذلك استدلوا على آيات الجزاء كما في قوله تعالى :(جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (8)
وقوله تعالى :(جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) (9)
قالوا: ولو لم يكن العباد هم العاملين والخالقين لأفعالهم، والصانعين لها لكان هذا الكلام كذباً، وكان الجزاء على ما يخلقه فينا ضعيفاً.
4- واستدلوا بمثل قوله تعالى :(صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ)(10)
ووجه استدلالهم أن الله بين في هذه الآية أن أفعاله كلها متقنة، والإتقان يتضمن الإحكامَ، والحسنَ جميعاً، ومعلومٌ أن في أفعال العباد ما يشتمل على التهود، والتنصر، والتمجس، وليس شيء من ذلك متقناً؛ فلا يجوز أن يكون الله خالقاً لها.
ومن أقوالهم في هذا قول عبدالجبار الهمذاني:اتفق أهل العدل على أن أفعال العباد مِنْ تصرفهم، وقيامهم، وقعودهم حادثةٌ من جهتهم، وأن الله جلَّ وعزَّ أقدرهم على ذلك، ولا فاعل لها، ولا مُحدثَ سواهم، وأن من قال: إن الله سبحانه خالقها ومحدثها فقد عظم خطؤه.
والإنسان عند المعتزلة يجوز أن يُفْني فعل الله تعالى الذي هو القدرة بفناء الحياة بأن يقتل نفسه، ويجوز أن يبطل فعل الغير للسكون بتحريك المحل.
هذا هو خلاصة مذهب المعتزلة مع ملاحظة أنهم يختلفون في بعض التفصيلات حول القدر، ولكنَّ ما ذُكِرَ هو ما أجمعوا عليه.
والمتأمل في كلامهم، وأقوالهم يجد من التناقض، والتعارض، وقِصَرِ النظرِ الشيءَ الكثير.
هذا وقد مر بنا شيء من الرد على ذلك عند الحديث عن مرتبتي الخلق والمشيئة، وعند الحديث عن خلق أفعال العباد، وعند الحديث عن أن الإيمان بالقدر لا ينافي أن يكون للعبد مشيئة في أفعاله الاختيارية، وعند خلق الشر والحكمة منه، وعند الحديث عن الحكمة من خلق المعاصي وتقديرها، ويكفي في الرد عليهم قوله تعالى : (وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ) (11)
فأفعال العباد خلق لله، وكسب للعباد؛ فهي من الله خلقاً وإيجاداً، وهي من العباد فعلاً وكسباً.
المصادر :
1- سورة التكوير:28
2- سورة الكهف:29
3- سورة المدثر:37.
4- سورة الإسراء:94
5- سورة البقرة:28،
6- سورة النساء:39،
7- سورة آل عمران:71
8- سورة السجدة:17
9- سورة التوبة:82
10- سورة النمل:88
11- سورة الصافات:96
 

0
0% (نفر 0)
 
نظر شما در مورد این مطلب ؟
 
امتیاز شما به این مطلب ؟
اشتراک گذاری در شبکه های اجتماعی:

آخر المقالات

علي وزير النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم
اسم المهدي المنتظر واسم أبيه وجده ورهطه وكنيته ...
فاطمة بنت أسد عليها السّلام
المذهب الجعفري
الإمام الصادق والطب (1)
في الزهد في الدنيا
في أصالة الوجود واعتبارية الماهية
الرغبة للعيش المشترك
خلقة رسوله الله ( ص ) وعلي ( ع ) من نور واحد
اللهم اجعل عواقب امورنا خیرا

 
user comment