عربي
Thursday 1st of June 2023
0
نفر 0

المجادلات الدينية في الري .

المجادلات الدينية في الري .

نحن نعلم ان النزاع الديني بين المذاهب الفقهية و الاعتقادية لاهل السنة كان شديداللغاية اعتبارا من الـقـرن الـرابـع حـتـى القرن السابع الهجري و كانت تحدث مصادمات كثيرة بين انصار الفريقين الـمـتـنـازعين , مضافا الى تكفير احدهما الاخر و لم تشذ الري عن هذه القاعدة ايضا لما ضمته من مذاهب فقهية و اعتقادية مختلفة .
و ذكـر الـمـقـدسـي عنها في القرن الرابع ان الغلبة كانت فيها للحنفيين , غير ان قراها كانت على المذهب الزعفراني , و توقفت في مسالة خلق القرآن و اثر عن الصاحب بن عباد قوله : ان اهل سواد الـري كـانـوا يتفقون معه في كل شي الا في مسالة خلق القرآن و كان في الري حنابلة كثيرون لهم جلبة والعوام قد تابعوا الفقها في خلق القرآن
((948)) و اضاف المقدسي ان العصبيات والمصادمات قائمة بالري حول خلق القرآن ((949)) .
و يبدو ان المذاهب الموجودة في الري كانت متواجهة على الصعيد الفقهي والاعتقادي بنحو متداخل اي : ان بعض المذاهب ذات النزعة الحنفية كانت لها ميول خاصة من الوجهة الاعتقادية و هكذا كانت الـشـافعية فرقا مختلفة من الوجهة المذكورة و في الوقت نفسه كانت اهمية المسائل الفقهية قد ادت الى بروز التقسيمات الاعتقادية تحت ذلك العنوان .
و ذكـر عـبدالجليل معلومات عن الفرق الاعتقادية التابعة للمذهب الحنفي والشافعي ,و يحتمل ا نها كـانـت شـاخـصـة فـي الـري او فـي بعض الحواضر الفارسية و اشار الى الفرق الثلاث المهمة ((الـحـنـفـية , والشيعة , و الشافعية )) و قال : (( كما يحسب النجارية , والمعتزلة ,والبادنجانية , والكرامية , والبااسحاقية و غيرهم على مذهب ابي حنيفة لا نهم يعملون بفقهه , و ينتهجون نهجه في فـروع الـمـذهـب و كـان الـمجبرة , والاشاعرة , والمشبهة ,والكلابية , والجهمية , والمجسمة , والـحـنـابـلة , والمالكية , و غيرهم يحسبون على مذهب الشافعي , و يعملون بفقهه على خلاف فيه بينهم
((950)) )).
و يتضح التداخل في هذه الفرقة من العبارة الاخيرة التي عدت الحنابلة , والمالكية من الشافعية ايضا, ذلك ان الحنابلة كانوا حنبليي الاعتقاد و عقيدة الحنابلة هي التشبيه والتجسيم .
و نلحظ في بعض المدن ان الحنفية كانوا ذوي عقائد اعتزالية , كما ان الشافعية كانواكذلك في مدن اخـرى و كـانـت عقائد الحنفية في الري اعتزالية و لعل هذا يعود الى ان المعتزلة والزيدية كانوا يعدون ابا حنيفة في زمرة اصحابهم .
و كـانت الري تعرف في نظام التقسيم الديني انها حنفية و شافعية و ورد اسم النجارية لاتباع بعض الحنفيين عقائد حسين بن محمد النجار
((951)) .
و ادى النزاع بين الحنفيين والشافعيين الى انفصالهم المحلي في الري و اتحد الحنفيين مع الشيعة في بعض المواطن ضد الشافعيين كما حدث ان الشافعيين ناواوا الحنفيون بسبب انسجامهم مع الشيعة في الـتـصـريح بمودة اهل البيت و من الثابت ان النزاع بين الحنفيين والشافعيين لم يقل عن النزاع بين السنة والشيعة و ينبغي لنا ان نتلمس احدالبواعث على تقدم الشيعة بالري في هذا النزاع المتواصل بين الفريقين المذكورين .
و كـان الـشيعة يترددون على الاوساط العلمية لمناوئيهم يقول عبدالجليل الرازي في هذا المجال : عـندما جا احد الوعاظ من خراسان , ارادوا [الشيعة ] ان يسمعوه ليعرفوامذهبه في اصول الدين هل يشبه مذهب هؤلا المجبرة او لا ؟ و ما هي عقيدته في حب امير المؤمنين و آله ؟ و اذا كان حنفيا, فهل هو كرامي او معتزلي او نجاري
((952)) ؟.
و يـذهب الى ان الشافعيين والحنفيين كانوا ياتون الى المجالس الشيعية ايضا, و يقول :في اي يوم من ايـام الاثـنـيـن
((953)) لم يحضر مجلسنا و يسمعه من منشدي المناقب والعلما و اهل السوق من الـحـنـفـيـيـن والشافعيين عشرة او عشرون او خمسون او خمسمائة منهم ايضا ((954)) .
و كان بعض الحنفيين والشافعيين في الري يقيمون مراسيم العزا في يوم عاشورا
((955)) و يمكن ان يـشـكل هذا التوجه نموذجا على محبة كلتا الطائفتين لاهل البيت , مما يمثل حلقة وصل تربطهما بالشيعة كما ان العلما والملوك من الحنفيين والشافعيين كانوا يذهبون لزيارة السيدة فاطمة بنت الامام موسى الكاظم ـ عليهماالسلام ـفي قم , و كذلك كانوا يزورون مراقد العلويين في الري ((956)) .
و كـانـت حـوادث كـثـيـرة ترافق النزاع القائم بين الحنفيين والشافعيين في الري و قد انعكست نـزاعـاتـهـم فـي الاثار التاريخية ايضا و ذكر عبدالجليل امثلة من نزاعاتهم الفكرية في المسائل الاعتقادية , تلك النزاعات التي كانت تفضي الى تدخل السلطان السلجوقي احيانا
((957)) .
و كـانـت هـذه الـخـلافات تحوم حول مسالة خلق القرآن ردحا من الزمن و يرى المقدسي ان هذه المسالة كانت المحور الاصلي للخلافات الفكرية في الري ابان القرن الرابع
((958)) و كذلك كان الاتجاه الجبري عند الشافعية , و الاتجاه العقلي عند الحنفية مثار نزاع بينهما برهة من الزمن .
و كـان لكل فرقة من الفرق الموجودة في الري مسجد جامع خاص و قال عبدالجليل :((و لم يصل الحنفيون في جامع روده قط, كما لم ياتموا بامام الاشاعرة هناك و اجمع الاشاعرة على عدم الصلاة جـمـاعـة فـي مساجد الحنفيين و افتى علما الطائفتين بعدم جواز الائتمام في صلاة كل منهما)) و ((لـمـا كان الحنفي لا ياتم بالشافعي , و كان الشافعي يحرم الاقتدا بالحنفي , فكذلك الشيعة , اذ كانوا يصلون وحدهم
((959)) )).
و هـكـذا يـنـبغي الالتفات الى ان الخلافات الناشبة بين الفرق السنية كانت عاملا محليافي تقليص نـفـوذهـا, و تـفـوق الشيعة عليها, مضافا الى ما عرضناه قبل ذلك من بواعث على التغلغل التدريجي للشيعة في الري .
و نـص الـقزويني على النزعات القائمة بين الحنفيين و الشافعيين في القرن السابع الهجري و قال : اهـل الـري شـافعية و حنفية و اصحاب الشافعي اقل عددا من اصحاب ابي حنيفة والعصبية واقعة بينهم حتى ادت الى الحروب , و كان الظفر لاصحاب الشافعي في جميعها مع قلة عددهم
((960)) .
ونـلاحـظ في هذه العبارة ان نقطتين قد غفل عنهما: احداهما التغاضي عن موقع الشيعة المتفوق في الـري و الاخرى , يبدو ان سهوا قد حصل في عرض الشافعيين على ا نهم هم المنتصرون , ذلك ان اي اثر لم يبق لهم في الري بعد مدة قليلة .
و عرض لنا ياقوت الحموي معلومات مفصلة عن الوضع الديني للري ـ و لعل القزويني نقل قسما منها ـ و قال : كان اهل المدينة ثلاث طوائف : شافعية و هم الاقل ,و حنفية و هم الاكثر, و شيعة و هم الـسـواد الاعـظم لان اهل البلد كان نصفهم شيعة , و قليل من الحنفيين , و لم يكن فيهم من الشافعية احد
((961)) .
و نقرا بعد ذلك تحليلا ذكره ياقوت لهذا الوضع , فقال : فوقعت العصبية بين السنة و الشيعة , فتظافر عليهم الحنفية و الشافعية , و طالت بينهم الحروب حتى لم يتركوا من الشيعة من يعرف فلما افنوهم , وقـعت العصبية بين الحنفية والشافعية , و وقعت بينهم حروب كان الظفر في جميعها للشافعية , هذا مـع قـلة عدد الشافعية , الا ان اللّه نصرهم عليهم و كان اهل الرستاق و هم حنفية يجيئون الى البلد بـالسلاح الشاك و يساعدون اهل نحلتهم , فلم يغنهم ذلك شيئا حتى افنوهم فهذه المحال الخراب هي مـحـال الشيعة والحنفية و بقيت هذه المحلة المعروفة بالشافعية , و هي اصغر محال الري و لم يبق مـن الشيعة الا من يخفي مذهبه , و وجدت دورهم كلها مبنية تحت الارض , و دروبهم التي يسلك بها الى دورهم على غاية الظلمة و صعوبة المسلك فعلوا ذلك لكثرة ما يطرقهم من العساكر بالغارات و لولا ذلك لما بقي فيها احد
((962)) .
ان مـا حـدث عمليا هو بقا الشيعة في الري اقويا لم يتزعزعوا و نقرا ان الحنفية ايضاقد ثبتوا في بعض القرى الى فترة معينة اما الشافعية فلم يبق منهم اثر هناك .
و نـعلم ان كتابا بعنوان اسرارالامامة ا لفه عماد الدين حسن الطبري بالري نزولا عندرغبة اهلها سنة 698 ه , و هو باللغة الفارسية
((963)) .
و قال المستوفي (المتوفى في حدود سنة 750 ) عن الدمار الذي لحق مدينة الري :((تخاصم اهل الـمدينة على حجر, فقتل ما ينيف على مائة الف منهم , و لحق الدمار التام حاضرتهم و دمرت المدينة برمتها ايام المغول و في عهد غازان خان , شيد الملك فخرالدين رئى فيها بناية بامر يرليغ درواندك و اسكن فيها جماعة
((964)) )).
و تـحـدث عـن الـوضـع الـديـنـي للمدينة و قال : و اهل المدينة و اكثرالولايات التابعة لهاشيعة اثـناعشرية الا قرية قوهه
((965)) , و عددا من المواضع الاخرى , فان اهلها كانواحنفية و لهذا الـسبب كان اهل تلك الولاية يسمونها: قوهه خران [قوهة الحمير]و اخذت الري تسير نحو العد الـتـنـازلـي بعد غزو المغول الذي قيل عنه ((ان سبعمائة الف من اهل المدينة والولاية قد قتلوا و اسروا فيه ((966)) )).
و لـم تـسترجع المدينة حتى الفترة الاخيرة عظمتها و ابهتها التي كانت عليها في العصرالبويهي و السلجوقي .

0
0% (نفر 0)
 
نظر شما در مورد این مطلب ؟
 
امتیاز شما به این مطلب ؟
اشتراک گذاری در شبکه های اجتماعی:

آخر المقالات

خروج الإمام الحسين(عليه السلام) من مكة إلى العراق
الشيعة في أندونيسيا
الإمام الهادي (عليه السلام) في مجلس المتوكل
الخطابة السياسية في التاريخ الاسلامي
فضائل الإمام الحسين الخاصة به في كتب أهل السنة
زینب الکبری (سلام الله علیها) مفسرة معنی الحیاة
ثقات الإسلام
الحجاب .. إيمان و قناعة
الجهمية
دور الائمة في التأريخ

 
user comment