عربي
Wednesday 17th of April 2024
0
نفر 0

الخوف من النقصان في العبادة

فالإنسان في قلق و توجس حقاً أمام عظمته اللامتناهية، ولأجل رفع تلك الوحشة فهو مضطر لأجل يبذل جميع ما في وسعه.
الخوف من النقصان في العبادة

هذا الخوف هو من أعلى مراحل الكمال الانساني ومن افضل العوامل المشوّقة للوصول إلى مقام أفضل. 

فبمساعدة هذا الخوف، يسعى الإنسان أكثر في عبادة وطاعة مولاه، و الی أن تكون عبادته جامعة لكل الشروط المطلوبة. 

فالذي ينوّر قلبه بنور معرفة الله، ويعرف ربّه حقاً، ويعلم عظمته، بكل تأكيد؛ فإنّه سوف يرى عبادته مع كثرتها وإخلاصها؛ قليلة، بل لا شيء أمام عظمة الله وكبريائه. 

فالإنسان في قلق و توجس حقاً أمام عظمته اللامتناهية، ولأجل رفع تلك الوحشة فهو مضطر لأجل يبذل جميع ما في وسعه. 

فالإنسان على أساس علمه بالقرآن الكريم والمعارف الإلهية، يصل إلى نتيجة بأن علم المحبوب محيط بكل شيء، ولا يخفى عليه ذرّة في عالم الوجود. فالإنسان بهذه المعرفة والتوجّة، ينتبه إلى نفسه ويصيح: لربّما هنالك نقص وقصور في عبادتي واطاعتي لرب العالمين، وأنا لا أعلم بسبب علمي ومعرفتي المحدودة، الذي قد يؤدي هذا القصور إلى عدم قبول أعمالي عند المحبوب، أو لربما لم يكن فيها نقص أو قصور، ولكن أعمالي أمام عظمته سبحانه وتعالى قليل او بالاحرى هي لاشيء. فعندما يحاسب الإنسان نفسه هكذا، يؤدي به إلى الخوف الشديد، وبالنتيجة إلى تحسين عبادته وطاعته لله سبحانه وتعالى دائماً. 

يروى عن رسول الله(ص)؛ أنّه حينما كان في يقف في محراب العبادة امام الله عز وجل، يقول:

«ما عَرَفْناكَ حَقَّ مَعْرِفَتِكَ وَما عَبَدْناكَ حَقَّ عِبادَتِكَ»[1]. 

فالذي يعشق الله كلما يقترب إليه، يعرف عظمة وجلالة الله أكثر، وتنتابه حالة خوف عظيم ويرى عبادته لا شيء؛ أمامه وإن كانت كثيرة، ويعقب هذا الخوف، العبادة  الكثيرة، إلى ان يصل السالك إلى مقام القرب من الله وإلى وصال ولقاء المحبوب، عند ذلك؛ يتحول هذا الخوف إلى أمْن، ويرتقي إلى أسمى المراتب الإنسانية. 

ويمكننا ان نجد مثل هكذا سير وسلوك تجاه المحبوب،  وهذا الشكل من الحب والشوق، والخوف منه، وكثرة العبادة، في وجود إمام العارفين، ومولى الموحدين، وقائد العشاق، أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(ع). 

في هذا المجال، من الأفضل لنا ان نرجع إلى كلام «ضرار بن ضمرة» المحب والعاشق للإمام علي(ع)، عندما سأله معاوية أن يصف له أمير المؤمنين(ع)، فقد روى المجلسي في البحار أنّه:

«دخل ضرار بن ضمرة الكناني على معاوية بن أبي سفيان يوما فقال له: يا ضرار صف لي عليا فقال: أو تعفيني من ذلك؟ قال: لا أعفوك قال: أما إذا لابد: فإنه كان والله بعيد المدى شديد القوى يقول فصلا ويحكم عدلا يتفجر العلم من جوانبه وتنطق الحكمة على لسانه يستوحش من الدنيا وزهرتها ويأنس بالليل وظلمته. كان والله غزير الدمعة طويل الفكرة يقلب كفه ويخاطب نفسه يعجبه من اللباس ما قصر ومن الطعام ما جشب. كان والله معنا كأحدنا يدنينا إذا أتيناه ويجيبنا إذا سألناه وكان مع دنوه لنا وقربه منا لا نكلمه هيبة له فإن تبسم فعن مثل اللؤلؤ النظيم. يعظم أهل الدين ويحب المساكين لا يطمع القوي في باطله ولا ييأس الضعيف من عدله. أشهد بالله لرأيته في بعض مواقفه وقد أرخى الليل سدوله وغارت نجومه ماثلا في محرابه قابضا على لحيته يتململ تململ السليم ويبكي بكاء الحزين وكأني أسمعه وهو يقول: يا دنيا يا دنيا أبي تعرضت؟ أم إلي تشوقت؟ هيهات هيهات غري غيري لا حان حينك قد أبنتك (طلقتک) ثلاثا عمرك قصير وخيرك حقير وخطرك غير كبير آه آه من قلة الزاد وبعد السفر ووحشة الطريق. فوكفت دموع معاوية على لحيته وجعل يستقبلها بكمه واختنق القوم جميعا بالبكاء وقال: هكذا [كان] أبو الحسن يرحمه الله فكيف وجدك عليه يا ضرار؟ فقال: وجد أم واحد ذبح واحدها في حجرها؛ فهي لا يرقى دمعها ولا يسكن حزنها»[2]. 

حديث السجّاد(ع) مع جابر بن عبد الله حول العبادة:

روي أنّ السيدة سکينة لما نظرت إلى ما يفعل أخوها علي بن الحسين بنفسه من الدأب في العبادة، أتت جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام الانصاري فقالت له: 

«يا صاحب رسول الله إن لنا عليكم حقوقا، من حقنا عليكم أن إذا رأيتم أحدنا يهلك نفسه اجتهادا أن تذكّروه الله وتدعوه إلى البقاء على نفسه، وهذا علي بن الحسين بقية أبيه الحسين قد انخرم أنفه، وثفنت جبهته وركبتاه وراحتاه، إدءاباً منه لنفسه في العبادة، فأتى جابر بن عبد الله باب علي بن الحسين(ع)، وبالباب أبو جعفر محمد بن علي(ع) في اغيلمة من بني هاشم قد اجتمعوا هناك، فنظر جابر إليه مقبلا فقال: هذه مشية رسول الله(ص) وسجيته، فمن أنت يا غلام؟ قال: فقال: أنا محمد بن علي بن الحسين، فبكى جابر رضي الله عنه، ثم قال: أنت والله الباقر عن العلم حقا ادن مني بأبي أنت، فدنا منه فحل جابر أزراره، ووضع يده على صدره فقبله، وجعل عليه خده ووجهه وقال له: اقرئك عن جدك رسول الله(ص) السلام وقد أمرني أن أفعل بك ما فعلت وقال لي: يوشك أن تعيش وتبقى حتى تلقى من ولدي من اسمه محمد يبقر العلم بقرا، وقال لي: إنك تبقى حتى تعمى ثم يكشف لك عن بصرك، ثم قال لي: ائذن لي على أبيك، فدخل أبو جعفر على أبيه فأخبره الخبر، وقال: إن شيخا بالباب وقد فعل بي كيت وكيت، فقال: يا بني ذلك جابر بن عبد الله، ثم قال: أمن بين ولدان أهلك قال لك ما قال، وفعل بك ما فعل؟ قال: نعم، قال: إنا لله إنه لم يقصدك فيه بسوء، ولقد أشاط بدمك، ثم أذن لجابر فدخل عليه، فوجده في محرابه قد أنضته العبادة، فنهض علي عليه السلام فسأله عن حاله سؤالا حفياثم أجلسه بجنبه، فأقبل جابر عليه يقول: يا ابن رسول الله أما علمت أن الله تعالى إنما خلق الجنة لكم ولمن أحبكم، وخلق النار لمن أبغضكم وعاداكم، فما هذا الجهد الذي كلفته نفسك ؟ قال له علي بن الحسين(ع): يا صاحب رسول الله أما علمت جدي رسول الله‘ قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فلم يدع الاجتهاد وتعبد - بأبي هو وامي - حتى انتفخ الساق وورم القدم، وقيل له: أتفعل هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر قال: أفلا أكون عبدا شكورا ؟ فلما نظر جابر إلى علي بن الحسين عليه السلام وليس يغني فيه قول من يستميله من الجهد والتعب إلى القصد، قال له: يا ابن رسول الله البقيا على نفسك فإنك من اسرة بهم يستدفع البلاء، ويستكشف اللاواء، وبهم تستمطر السماء، فقال له: يا جابر لا أزال على منهاج أبوي مؤتسيا بهما صلوات الله عليهما حتى ألقاهما، فأقبل جابر على من حضر فقال لهم: والله ما أرى في أولاد الانبياء بمثل علي بن الحسين إلا يوسف بن يعقوب(ع)، والله لذرية علي بن الحسين أفضل من ذرية يوسف بن يعقوب إن منهم لمن يملاُ الارض عدلا كما ملئت جوراً»[3]. 

حقّاً، ما اعجب هذا الرجل الذي كان كله عبادة، الإمام الذي يسجد بعد صلاة الصبح ويقول في سجدته ألف مرة:

«لا إله إلاّ اللّه حقّاً حقّاً، لا إله إلاّ اللّه عبوديّةً ورقّاً لا إله إلاّ اللّه إيماناً وتصديقاً». 

الإنسان الذي كان يحمل جراب الطعام على كتفيه بعد أربعين عاماً من حادثة عاشوراء الأليمة، ويوصلها إلى الفقراء والمحتاجين. السيد الذي كانوا يقطعوا أنسجة جبهته وركبته مرّتين في السنة من كثرة ركوعه وسجوده. العظيم الذي سعى بكل ما أوتي، من أجل تربية الناس. ومع كل هذا فإنه يرى عبادته أمام الله لا شيء، وهذه الرؤية في أنّ عبادته قليلة أمام عظمة الحق سبحانه وتعالى، تجعله في توجّس من لقائه؟

بكل تأكيد، فإن هذا الخوف، هو أفضل سبب للرشد والكمال، ورؤية الإنسان لأعماله أنها لاشيء امام الله، هي أسمى واعلى درجات التواضع أمام الحق سبحانه وتعالى والخلق. 

فقد سُئل الفضيل ليلة عرفة: كيف ترى أحوال هؤلاء الناس؟ فأجاب: الكل مغفور له، إن لم أكن معهم[4]. 

يقول استاذ الاخلاق المرحوم الحاج الشيخ محمود الياسري:

قال رسول الإسلام(ص) لجبرائيل:اخبرني عن عجائب ما رأيت؟

فأجاب أمين الوحي: في الأزمنة السابقة، بينما كنت أريد النزول إلى أحد الأنبياء، رأيت عابداً في أحد الجزر يعبد الله بكل شوق، ويدعو الله أن يجعل منيته وهو ساجدٌ له. 

فما احسن عبادته، وقد عبد ربه اربعمائة عام، وكان دعاؤه مستجاباً، فأحببت أن أرى حاله في يوم القيامة. 

فكانت أعماله يوم القيامة مقبولة، وجاء الخطاب إليه:

«أُدْخُلْ جَنَّتي بِرَحْمَتي». 

فقال ذلك العابد:

«أَدْخُلُ جَنَّتَكَ بِعَمَلي». 

فجاء الخطاب: يا ملائکتي، أنه يريد ان اعامله بعدلي، احصوا جميع نعمي عليه، أمام عبادة هذا العابد، فإن رجحت كفة عبادته، فهو إلى الجنة، وإلا فهو إلى النار. 

فبدوأ بإحصاء النعم، بدءاً من نعمة البصر، فكانت هذه النعمة كافية لان ترجح كفتها على جميع عبادة ذلك العابد، فأرادوا به إلى النار، فقال العابد: ياربّ، إنّ شيئاً آخر لي، فجاء الخطاب: ماهو؟ فقال: كنت آمل بكرمك، وحسن ظنّي بك، والأكثر من ذلك فقري وحاجتي. فيأتي النداء مرة أخرى: أن زحزحوا بعبدي من النار إلى الجنة بحسن ظنه بي، فلمّا أراد الدخول إلى الجنة، قال:

«أَدْخُلُ جَنَّتَكَ بِرَحْمَتِكَ». 

نعم، فمهما كانت عبادتنا كثيرة، فإنها من لطفه وعنايته، وما قدر عبادتنا قياساً بعظمته وجلاله سبحانه وتعالى؟!

تعالوا نقول مثلما قال الرسول الأعظم(ص):

«ما عَبَدْناكَ حَقَّ عِبادَتِكَ»[5]. 

وكذلك كأمير المؤمنين(ع) في آهاته الحرّی:

«آه مِنْ قِلَّةِ الزّادِ وَبُعْدِ السَّفَرِ»[6]. 

 


[1]- بحار الأنوار: 68/23، باب 61، حديث 1. 
[2]- أمالي الشيخ الصدوق: 624، المجلس الحادي والتسعون، حديث2، بحار الانوار: 33/274، باب20، حديث538. 
[3]- أمالي الشيخ الصدوق: 636، حديث 1314؛ بحار الأنوار: 46/60، باب 5، حديث 18. 
[4]- «تصوّف وادبيات تصوّف: 282». 
[5]- بحار الأنوار: 68/23، باب 61، الشكر. 
[6]- بحار الأنوار: 33/274، باب نوادر الاحتجاج، حديث 538؛ إرشاد القلوب: 2/218، الجزء الثاني، في فضائل ومناقب أمير المؤمنين(ع). 

0
0% (نفر 0)
 
نظر شما در مورد این مطلب ؟
 
امتیاز شما به این مطلب ؟
اشتراک گذاری در شبکه های اجتماعی:

آخر المقالات

أوصاف العارفين في کلام امام العارفين(ع)
إجتناب المعاصي في الروايات
قصة المتخلّفين الثلاثة في القرآن الكريم
النفس ومراحلها السبعة
العرفان من لسان الإمام علي(ع)
الحجاب النوراني والحجاب الظلماني
عاقبة الخائفين
هداة الطريق
الأمل بالله سبحانه وتعالى
المحُبُّة والمعرفة

 
user comment