العلامة شرف الدين والمباني الفقهية للوحدة
سوف نتناول بحث المباني الفقهية للوحدة حسب نظر هذا المصلح الكبير ضمن دائرتين: دائرة تنقيح موضوع الوحدة،ودائرة الحكم الفقهي للوحدة.
الدائرة الاولى تنقيح موضوع الوحدة:
ان اول خطوة نقوم بها في طريق الوصول الى الحكم الشرعي للوحدة هو تعيين مساحة موضوع الوحدة وحدودهوالعناصر التي يتالف منها.
ولابد من الاذعان بانه في كثير من الموارد يكون لعملية النظر الى الموضوع من زوايا متعددة وعلى اصعدة مختلفةدور هام في ضمان السير الصحيح للفقيه من محطة تنقيح الموضوع باتجاه استنباط الحكم، وذلك لان التنقيح الصحيحللموضوع انما هو حصيلة عمق نظرة الفقيه ودقة تفكيره ودرجة عقلانيته واستيعابه الواعي لمتطلبات الزمانومقتضياته. ومما لا شك فيه ان العناصر التي تشكل مثل موضوع الوحدة الذي هو بمنزلة اطار للظواهر والاحداثالاجتماعية المؤثرة في الابعاد الثقافية والاقتصادية والسياسية ترتبط ارتباطا وثيقا بعامل الزمن بشكل اكثر ممانتصور سيما لدى مقارنته بالموضوعات الاخرى.
ونحن نرى هذا الادراك العميق ومن جوانب متعددة بدقة في نظرة السيد شرف الدين الى موضوع الوحدة، وان النقاطالثلاث التالية لتعكس بوضوح نظر هذا العلا مة الكبير بالنسبة لماهية الوحدة وعناصرها:
ا ان ماهية الوحدة متقومة بالصلاح وماهية التفرقة متقومة بالفساد:
ان السيد شرف الدين(قدسسره) في رؤيته الخبروية لموضوع الوحدة يرى حقيقة الوحدة على انها مجمع للصلاحوالخير والمصلحة، ويعتبر ان ماهية التفرقة بين المسلمين هي تاخر المسلمين والهزيمة والفساد. وجريا على هذاالمنطق فانه يضع مثيري الفرقة في زمرة المفسدين، انه يقول: «منينا بقوم همهم تفريق المسلمين ودابهم بث العداوةبين الموحدين، وهم يحسبون انهم يحسنون صنعا، الا انهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون»((197)).
ويقول ايضا: «ان هذا التدابر بينهم عبث محض وسفه صرف، بل فساد في الارض واهلاك للحرث والنسل»((198)).
ب امكانية اقامة الوحدة بين الشيعة والسنة مع عدم التخلي عن الثوابت المذهبية الاساسية:
ان طريقة التخلي عن بعض القناعات العقيدية باي داع كان لا تمتلك القدرة الكافية على ايجاد وحدة دائمة واساسية.
اناركان الوحدة بنظر السيد شرف الدين قائمة على اساس الفهم المشترك او على الاقل تقريب الفهم اكثر من كونهامبتنية على اساس توافق اخلاقي اولي.
اضف الى ذلك انه لا يصح التغافل عن حقيقة، وهي ان غض الطرف عن بعض الثوابت المذهبية والتي تؤثر سلباعلى عملية الوحدة لا يكون هو الخيار الوحيد والاخير للمذاهب، وذلك لان كثيرا من هذه الثوابت يقع في صميم تلكالمذاهب التي تعتبر ان انعكاس الجهود المتمركزة لذلك المذهب لاثباتها هو من جملة الامتيازات.
ان اتخاذ استراتيجية السكوت والاغماض لعله يكون في المدى القصير وكاسلوب عملي ينتهز للحد من درجةالاختلافات المذهبية، ومن هنا تبرز قيمته، لكن الحقيقة ان التشبث بهذه الرؤية والتاكيد والاصرار عليها يتحول الىحتمية تاريخية تنتهي في نهاية المطاف بالاجهاز على كيان كل مذهب وبالتجاوز عن دائرة الوحدة، لانه سيؤول الىافول قسم كبير من الاصول الاساسية والتي تكون المذاهب بصدد اثباتها ونسبتها اليها، وسيؤدي اعتماد هذه الطريقةالعملية الى رمي البحوث النظرية المرتبطة بها الى صحراء الجهالة المظلمة.
ج لابد من لحاظ النظرة الواقعية لاهل السنة، لا تطرف المتعصبين فحسب:
ان لكل من الشيعة والسنة على طول التاريخ تجاربه الخاصة به، لكن الى جانب تلك التجارب توجد ايضا تجارب تعودالى التعايش المشترك بينهما، ونتائج كلا النوعين من التجارب في بعض الحالات صارت مرتكزات متبناة واحتلتلنفسها مكانا في ذهن كل شيعي وسني.
ومن الطريف ان بعض تلك الممارسات والرؤى في المراحل التي اعقبت ذلك من الناحية النظرية والاعتقادية صارتمثارا للجدال، غير انها ظلت على شكل ترسبات في الجو الذهني الحاكم على هذه المذاهب سيما بالنسبة لعامة الناس،وهي وان لم تثبت في الذهن بصورة واضحة وصريحة لكن تركت تاثيراتها في طريقة التصور او في نوعيةالسلوك.
ويمكن الاشارة الى موضوع اهل البيت(ع) على سبيل المثال:
ما هي المكانة التي كان يحتلها اهل البيت(ع) في التاريخ سابقا؟ وما هي مكانتهم اليوم بحسب النظرة السنية؟فنستطيع ان نجعل ذلك مادة لبحث ودراسة تلك المرتكزات.
اذ من المتيقن ان مفهوم اهل البيت(ع) لم يكن من المفاهيم المجهولة فيتراثنا الاسلامي، فما الذي كان يوحيه هذاالمصطلح وغيره من المصطلحات في المحيط الذهني والعقائدي لدى الماضين؟ وان مقارنة ذلك بالخطاب العلميالمعاصر والذي لابد من الفصل بينه وبين المرتكزات وعلى الاقل في بعض المجالات تعد من الاهداف العلميةالكبرى، فانها قادرة على بيان نوع التطور وطريقة التحول في حركة تبلور التفكير الموجود فعلا بصورة واضحةوصريحة.
ان العلا مة شرف الدين(قدسسره) وفي اطار هذا الاساس العلمي الدقيق كان قد لفت انظار علماء اهل السنة الىمقاطع من تاريخهم صنعها المتطرفون، واوضح كيف ان هذه الالتفاتات قد تعدت حدود الارتكازات الواقعية السنية وكانلها من الفاعلية ما لم يكن بالحسبان.
وكنموذج لذلك: لقد اشار العلا مة شرف الدين(قدسسره) الى ما حكم به احد علماء اهل السنة والذي اعتبر اهلالبيت(ع) ومذهبهم من ذوي البدع. ولا ريب في ان هذا التقييم ليس هو على النقيض من المجموعة الكبيرة منالروايات السنية فحسب، بل لا يلتقي مع تصوراتهم المذهبية حول اهل البيت(ع) ابدا، ولكن على كل حال فان الحقيقةان هذه المسالة قد طرحها بين اهل السنة المتطرفون منهم وصنعوا مثل هذا الجو السلبي((199)).
الدائرة الثانية الوحدة وحكمها الفقهي:
لقد اولى السيد شرف الدين(قدسسره) في سبيل الوصول الى رؤية فقهية في مجال الاختلاف المذهبي وفي مقاماستنباط حكم الوحدة للقرآن والسنة عناية فائقة.
ان ما طرح حول الوحدة بين السنة والشيعة من قضايا وتصريحات واقتراحات قلما يتسم بالطابع الفقهي. ومن الطريفان البحوث المقدمة حول الوحدة من قبل الفقهاء في كثير من الحالات ايضا اتخذت شكلا اصلاحياواجتماعيا وطرحت فيجو غير فقهي.
ان طرح هذا البحث في اطار فقهي له من الانعكاسات التي ليست باقل اهمية من نتائج الحركة الاصلاحية الاجتماعيةالمحضة فحسب، بل انه يضفي على الطرق المؤدية الى صيرورة اجتماعية معنى احدث وبعدا اشد تاثيرا.
والرؤيةالاجتماعية غير الفقهية للوحدة مبتلاة بالخلل التالي، وهو عدم استشراف افق ارحب من حدود التذكير بالوحدةوالترغيب فيها وبيان ضرورتها لا غير، في الوقت الذي يستمد الاتجاه الرافض للوحدة قوته دوما من الفجوات بينالشيعة والسنة، ومضافا الى ان له ماهية وحيثية عقائدية وكونه يتمتع بهوية وحيثية فقهية.
والذي ينقدح في النظر انه في سبيل تهميش الرؤى الرافضة للوحدة يجب ان نطرح الوحدة ونبين معناها في مستوىاقوى واقدر واكثر تاثيرا.
ان تناول الوحدة من الزاوية الفقهية والبحث لتحصيل حكمها الفقهي يقتضي الوقوف على اجابة ناظرة الى هذاالحال.
ولا يتصور ان المبرر لاثارة هذا التساؤل الفقهي حول الوحدة يمثل رغبة ذاتية ومجرد رد فعل لعجز الخطابالارشادي الاجتماعي وعدم الزاميته، وذلك لان طبيعة الفقه ذاتها تقتضي قراءة الوحدة قراءة فقهية.
وفي هذا الصعيد فان الجهود المبذولة في اتجاه القراءة الفقهية للوحدة تعد قليلة. وفي ذروة هذه الجهود يقف احدالفقهاء المشهورين وهو العلا مة شرف الدين(قدسسره) والذي تمتاز طروحاته ومباحثه حول الوحدة برؤية ولحاظفقهي، وفي موارد يبدو معتقدا بضرورة الوحدة على اساس التصورات الاجتماعية الفقهية.
الامام شرف الدين(قدس سره) والمحاولة الفقهية لتحقيق الوحدة:
لقد استند العلا مة شرف الدين(قدسسره) في سبيل اثبات لزوم الوحدة بجملة ادلة تعد قواعد فقهية في الحقيقة.
ان الافادة من الادلة الفقهية لاثبات ضرورة مثل قضية الوحدة فيها من الجهود القيمة لتفعيل ركام القدرات المغيبة فيبطون المصادر الفقهية او المرفوضة من الاساس او على الاقل قلما يوسع من موضوع المحاولات لتشمل الارتكازاتغير المنظورة.
والمهم في التفاتة هذا الفقيه ورؤيته انه وكما مر على خلاف الكثير من المصلحين الوحدويين قد اعطى الوحدةمفهوما مستنبطا من اعماق الفقه ثم استهدفه في ضوء ما ينبثق عنه من علاقات محددة، حيث ان الوحدة لديه حكمشرعي واجب تتكفل الادلة والقواعد الفقهية ببيان مدى اهميته.
وتابعت هذه المقالة ثلاث قواعد فقهية تمسك بها هذا المصلح الكبير في طيات افاداته. ومع انه لم يصرح خلالاستدلالاته بعنوان القواعد الفقهية الا انه في النتيجة يرسي بحوثه على اساس هذه القواعد الفقهية.
1 قاعدة احترام المسلم:
لقد عقد العلا مة شرف الدين(قدسسره) فصلا تحت عنوان «الشهادتان وحرمة المسلم» في كتاب «الفصول المهمة»عرض فيه روايات عديدة عن النبي(ص) والائمة(ع) دالة على حرمة دم المسلم وماله وعرضه. وقد نظر الى تلكالروايات بلحاظ المباني الفقهية للوحدة، واستنادا اليها اثبت لزوم الوحدة بين الشيعة والسنة((200)).
ونتناول تحقيق هذه القاعدة (قاعدة احترام المسلم) وتوضيح نظر العلا مة شرف الدين(قدسسره) بالنسبة الىاستفادة الوحدة منها ضمن عدة محاور نطرحها:
ا النقول المختلفة للقاعدة في الجوامع الروائية:
لقد وردت هذه الروايات عن النبي(ص) بعدة اشكال نشير الى بعضها:
1 «المسلم اخو المسلم، لا يحل له دمه وماله الا من طيبة نفسه»((201)).
2 «لا يحل دم امرئ مسلم ولا ماله الا بطيبة نفسه»((202)).
وقد تمسك بهذه الرواية في الكتب الفقهية((203)).
3 «كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه»((204)).
4 «المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه».
وهذه الرواية منقولة في صحيح مسلم((205))، وذكرها الشهيد الثاني مرسلة في المسالك((206)).
وقد نقل العلا مة شرف الدين(قدسسره) في كتاب «الفصول المهمة» روايات اخرى عن النبي(ص) والامامالصادق(ع) والامام الكاظم(ع)، وهي تناظر ما تقدم روحا وسياقا، وتشترك معه في النتيجة((207)).
ونظرا الى ان هذه الروايات من هذا النوع وبهذا المضمون قد فاقت حد التواتر، وقد تمسك بمضمونها المشترك (احترامدم المسلم وماله وعرضه) وعمل بها في مختلف الابواب الفقهية((208))، ومن الفقهاء من عبر عن قسم من هذهالروايات ايضا((209)) بالنبوي المشهور((210))، فلم يتردد احد في اصل القاعدة، فصارت على درجة عالية منالاحكام وعلى مرتبة قوية وغير قابلة للانكار لدى الشيعة والسنة.
ب وجه دلالة القاعدة على الوحدة:
ان قاعدة (حرمة دم المسلم وماله وعرضه) كاية قاعدة اخرى تتكون من موضوع وحكم. فموضوع هذه القاعدة: دمالمسلم، مال المسلم، عرض المسلم. وحكمها: الحرمة، اي حرمة التعدي على اي من هذه الثلاثة.
وبعبارة ادق: ان موضوع القاعدة التعدي على دم المسلم وماله وعرضه، والحكم هو الحرمة.
ويمكن تقرير القاعدة ايضا بنحو آخر وهو: ان احترام دم المسلم وماله وعرضه واجب، فحينئذ يعتبر «احترام المسلم»موضوعا و «واجب» حكما.
وعلى اية حال فان اتضاح جواب السؤال عن مدى مبنائية هذه القاعدة للوحدة وكذلك اتضاح رؤية العلا مة شرفالدين(قدسسره) في هذا المجال يرتبط بتحقيق موضوع القاعدة، وسنبحث ذلك فيما ياتي مرتبا ضمن محورين:
المحور الاول تحقيق الدائرة المفهومية والمصداقية لمصطلح المسلم:
في البدء نقول: على كل شيعي وسني ان يقدم اجابة على هذا التساؤل: ان كلمة «المسلم» في هذه الروايات مضافا الىاعتقاده انطباقها عليه، هل تنطبق على غيره ايضا او لا؟ فاذا ثبت الاطلاق الشمولي في الانطباق فحينئذ من الطبيعي والحال هذه سينفتح البحث حول مبنائية القاعدة للوحدة بينالسنة والشيعة، ويمكن فتح ملف هذا البحث ومتابعته في ثلاث مستويات.
الاول: طرحه على المستوى الشيعي وبحسب رؤية الفقه الشيعي.
الثاني: طرحه على المستوى السني وعلى اساس مباني الفقه السني.
الثالث: طرحه على المستوى الحواري بين الشيعة والسنة وبالاستناد الى مباني كلتا الطائفتين.
والبحث الذي طرحه العلا مة شرف الدين(قدسسره) في هذا المجال في كتاب «الفصول المهمة» بلغة هي اقرب ماتكون الى المستوى الثالث ومتناسبة معه، بيد انه في الوقت نفسه يطرح رؤاه ايضا من حيث هو عالم شيعي.
ان طرح هذا المحور الحساس في خطابات وحوارات العلا مة شرف الدين(قدسسره) مع اهل السنة يكشف عنالنظرة الثاقبة لهذا العالم الجليل في ميدان التعامل فيما بين الشيعة والسنة.
وبالرغم من ان بحث العلا مة شرف الدين(قدسسره) في دائرة تحديد مصطلح «المسلم» يرتبط بالمستوى الثالثولكن باعتبار ان موضوع المقالة هو بحث المبنى الفقهي للوحدة من وجهة نظره باعتباره عالما شيعيا فان البحث الذيبين ايدينا (الدائرة المفهومية والمصداقية لموضوع الوحدة) عقدناه في سياق بحث الفقه الشيعي مع التاكيد على آراءهذا العلا مة الكبير. ونوكل البحث عن آراء السنة او البحث المشترك والمقارن في هذا الموضوع الى فرصة اخرى.
هل يطلق عنوان المسلم على السني بنظر علماء الشيعة؟ ويلاحظ في الاجابة على هذا السؤال قولان:
القول الاول انطباق عنوان المسلم على اهل السنة:
وهذا هو القول المشهور والمعروف، بل يمكن الذهاب الى ابعد من ذلك بالقول: ان شهرة هذا القول لدى الشيعة كادتتكون اتفاقا.
وللعلا مة شرف الدين(قدسسره) تعبير ربما يقال فيه بانه ذهب الى ما هو ابعد بكثير، حيث قال: «هذا في غايةالوضوح من مذهبنا لا يرتاب فيه ذو اعتدال منا»((211)). وفي كلام آخر له جعل ذلك في زمرة الواضحات لدىالشيعة((212)).
ولمزيد الاطلاع نمر على عبارات بعض العلماء السابقين والمعاصرين الذين انضموا في جملة المشهور:
يقول صاحب الجواهر(قدسسره): «ان القول بكفر المخالف معلوم الفساد»((213)).
ويقول آية اللّه السيد الخوئي(قدسسره): «ان المخالف مسلم محكوم بالطهارة، وتترتب عليه ما يترتب على عنوانالمسلم من الاثار»((214)).
ويعقد السيد شرف الدين(قدسسره) الذي هو من جملة القائلين المصرين على هذا القول فصلا تحت هذاالعنوان «السنة كالشيعة يجمعهم الاسلام»((215)).
ادلة هذا القول:
يتالف مدرك هذا القول من مجموعة من الروايات، وقد اطلق صاحب الجواهر على تلك الروايات: «الاخبارالمعتبرة».
وقد ذكر العلا مة شرف الدين(قدسسره) طرفا من تلك الروايات لاثبات اسلام اهل السنة، ثم قال: «انني لست فيمقام استقصاء جميع هذه الروايات، اذ ليس من الحكمة توضيح الواضحات»((216)).
ونستعرض فيما يلي ما اورده هذا العلا مة الجليل في كتابه:
1 حسنة وبنظر العلا مة شرف الدين «صحيحة» حمران بن اعين عن الامام الباقر(ع): «الاسلام ما ظهر من قول اوفعل، وهو الذي عليه جماعة الناس من الفرق كلها، وبه حقنت الدماء، وعليه جرت المواريث، وجاز النكاح، واجتمعواعلى الصلاة والزكاة والصوم والحج، فخرجوا بذلك عن الكفر واضيفوا الى الايمان»((217)).
وقد اولى الامام الخميني(قدسسره) هذه الرواية اهتماما في مقام الاستدلالاو الاستشهاد على كفاية الشهادتين فيالاسلام، وعبر عنها بحسنة حمران((218)).
2 رواية سفيان بن السمط عن الامام الصادق(ع): «الاسلام هو الظاهر الذي عليه الناس، شهادة ان لا اله الا اللّه وانمحمدا رسول اللّه(ص)،واقام الصلاة، وايتاء الزكاة، وحج البيت، وصيام شهر رمضان...»((219)).
3 رواية سماعة عن الامام الصادق(ع): «الاسلام شهادة ان لا اله الا اللّه والتصديق برسول اللّه(ص)، به حقنتالدماء، وعليه جرت المناكح والمواريث، وعلى ظاهره جماعة الناس»((220)).
النتيجة:
تثبت دلالة هذه الروايات على المدعى بطريقين:
الاول: تبرز للناظر في هذه الروايات التعابير التالية «الاسلام...
هو الذي عليه جماعة من الناس من الفرق كلها» و«الاسلام هو الظاهر الذي عليه الناس» و «على ظاهره جماعة الناس»، ودلالة هذه العبارات على اسلام اهل السنة في غايةالوضوح.
الثاني: لقد حددت هذه الروايات ملاك صدق الاسلام في الشهادتين او باضافة شيء من فروع الدين، كالصلاة والصوموالزكاة والحج، واهل السنة الذين لا يعتقدون بالامامة واجدون لهذا الملاك.
ويظهر من كلمات الفقهاء انهم قد استفادوا كلا الامرين من هذه الروايات. وقد نبه صاحب الجواهر مشيرا الى هذهالروايات على انعقاد دلالتها على تحقق الاسلام بالشهادتين، وهذا هو الاسلام الذي عليه جماعة الناس((221)).
وافاد آية اللّه السيد الخوئي(قدسسره): بان روايات عديدة دلت على ان الملاك في المعاملة معاملة المسلم:الشهادتان اللتان عليهما اكثر الناس((222)).
وقد افتى الامام الخميني(قدسسره) وكثير من الفقهاء طبقا لهذا المفاد ايضا((223)).
القول الثاني عدم انطباق عنوان المسلم على غير الشيعي:
وذهب الى هذا القول شرذمة قليلة، وقد حاولوا اثبات قولهم من خلال طرح فكرة استحالة التفكيك بين الايمانوالاسلام.
وفي الحقيقة ان هذا الدليل يتالف من مقدمتين:
المقدمة الاولى: كل من لا يكون مؤمنا لا يكون مسلما.
وتتحصل هذه المقدمة من استحالة المغايرة بين الايمان والاسلام.
المقدمة الثانية: غير الشيعي ليس مؤمنا.
النتيجة: ان غير الشيعي ليس مسلما((224)).
والمبنى الذي يثبت المقدمة الاولى لهذا الدليل وقع محلا للنقاش من قبل الفقهاء، والمبنى هو استحالة المغايرة بينالايمان والاسلام.
وقد نفى الفقهاء استحالة التغاير والتفاوت بين صدق الايمان والاسلام((225))، نظرا للاية الشريفة: (قالت الا عرابآمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا اسلمنا ولما يدخل الا يمان في قلوبكم)((226)).
وكذلك العلا مة شرف الدين(قدسسره) فانه يعتقد بالتفاوت بين الايمان والاسلام، فهو يقول: «الذي يستفاد من قولهتعالى:
(قالت الا عراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا اسلمنا) ان الاسلام عبارة عن مجرد الدخول في الدين والتسليملسيد المرسلين، وان الايمان عبارة عن اليقين الثابت في قلوب المؤمنين المقارن مع الاقرار باللسان بذلك، وعلى هذاالاساس يعتبر الايمان اخص من الاسلام. ونحن نعتقد مضافا الى ذلك ان الولاية معتبرة في تحققالايمان»((227)).
الخلاصة: يمكن تلخيص كل من الدائرة المفهومية والمصداقية لمصطلح الاسلام كما يلي:
ا دائرة مفهوم مصطلح الاسلام:
بالنسبة لتعريف الاسلام يمكن القول: ان الاسلام هو الشهادتان.
وهذا التعبير والتعريف قد ورد في كلمات الامامالخميني(قدسسره)((228)).
ب الدائرة المصداقية للاسلام:
فمضافا الى شمول الدائرة المصداقية لمصطلح المسلم للشيعي فكذلك السني.
المحور الثاني: تحقيق معنى وحدود احترام المسلم في الدوائر الثلاث،فانه يمكن القول انه برز على هذا الصعيدتصوران:
فالاحترام في تصور كثيرين اتخذ معنى وتطبيقا محدودين وباهتين، حيث نظر هؤلاء الفقهاء لهذه الحرمة والاحترامنظرا محدودا وحصروهما في دائرة ضيقة اكثر ما تكون شكلية، فمثلا يحرم سرقة مال المسلم وقتله.
وفي المقابل ثمة تصور آخر يعتبر هذه القاعدة ركيزة ومبنى للعلاقات الاجتماعية والحقوقية، ويعتقد ان لها دورااساسيا في تامين حقوق كل فرد مسلم بنحو يشمل كل المجالات الحقوقية المتعلقة بالفرد باعتبار شمول هذه القاعدةالدوائر الثلاث: مال المسلم وعرضه ودمه.
فالاحترام بحسب هذا التفسير وهذه الرؤية الواسعة ليس محدودا بعدم التعدي، بل هو علاقة ذات مستوى رفيعوتعامل مبتن على مبدا الكرامة الانسانية والاسلامية وعنصر يبعث النظام في المجتمع الاسلامي.
ولا ريب في ان المجتمع الذي يقوم على اساس الاحترام المتقابل وعدم التعدي المباشر وغير المباشر على حقوقالاخرين مجتمع متحد ومنسجم وخال من اسباب التفرقة.
وعلى اساس هذه الرؤية، فان التاكيد على عنوان «المسلم» الذي هو بمثابة الموضوع للقاعدة لا التاكيد على التشيعوالتسنن وهذا عنصر قوة لم يستثمر بعد، ولكنه يمنح تلك القاعدة القدرة على توسعة الوحدة بين الشيعة والسنة.
فيحين ان الرؤية الاولى مضافا الى كونها تؤدي الى حرمان الفقه من بركة التطبيق الكامل والصحيح لهذه القاعدة آتسد الطريق امام جميع القراءات التقريبية والوحدوية للقاعدة.
ونستطيع القول ان العلا مة شرف الدين(قدسسره) وانطلاقا من المضمون الواسع لهذه القاعدة المنطبق علىالموارد الثلاثة: دم المسلم وماله وعرضه وانطلاقا من صدق عنوان المسلم على كل من الشيعة والسنة كان قد خطاخطوة من خلالها باتجاه المجال الوحدوي، فانه قد افصح عن هدفه في البدء، وحينما عقد فصلا تحت عنوان «الشهادتانوحرمة المسلم»، وفي الحقيقة قد بين تصوره ورؤيته حول معنى الحرمة ودور مراعاتها في وحدة الامة الاسلامية. انهيقول: «...
اوردناها اي الروايات الدالة على ان من قال لا اله الا اللّه محمد رسول اللّه محترم دمه وماله وعرضه لينتبهالغافل ويقنع الجاهل، وليعلما ان امر المسلمين ليس كما يزعمه اخوان العصبية وابناء الهمجية... الذين شقوا عصاالمسلمين... حتى كانوا اوزاعا وشيعا يكفر بعضهم بعضا ويتبرا بعضهم من بعض»((229)).
2 قاعدة تجنب الفساد:
لقد اعتبر العلا مة شرف الدين(قدسسره) في بعض المقاطع من كتابه «الفصول المهمة» ان الخلافات بين الشيعةوالسنة من مصاديق الفساد في الارض.
وفي الواقع ان دليله يتالف من مقدمتين:
المقدمة الاولى: ان التفرقة فساد في الارض.
وقد اوضح العلا مة شرف الدين(قدسسره) هذه المقدمة كالتالي: «ان هذا التدابر بينهم عبث محض وسفه صرف،بل فساد في الارض واهلاك للحرث والنسل»((230)).
المقدمة الثانية: ان الفساد في الارض حرام.
ان طرح قواعد من قبيل قاعدة الفساد في الارض وتطبيقها على الخلافات المذهبية ضمن جو من الرؤية الواقعيةوالادراك لملابسات الزمان قد تبلور في العقلية الفقهية لهذا الفقيه، ولا اظن اننا نجد تفتحا لهكذا عقلية وفر للفقهالامكانية والقدرة على تطبيق قواعد مثل قاعدة اجتناب الفساد على الظواهر المعاصرة.
3 قاعدة الوحدة:
ومع الغض عن وجود قواعد تؤول الى الوحدة يمكن عد الوحدة ذاتها احدى القواعد الفقهية، اذ يستفاد من كلماتالامام شرف الدين(قدسسره) انه كان ينظر الى نفس الوحدة باعتبارها قاعدة فقهية.
ففي موضع من كتاب «المراجعات» حينما يبدي تفاؤله وامله للوصول الى طريق قويم وينتهي الى رفع الخلافات بينالمسلمين والى يقظتهم ووعيهم الجاد تجاه الحياة نجده يقول: «راجعين الى الاصل الديني المفروضعليهم»((231)).
ففي هذه العبارة ثمة كلمتان تحملان معنى في الخطاب الفقهي، وهما: لفظة «اصل»، والاخرى «الفرض».
ومن خلال هذه اللغة يمكن القول انه كان ينظر الى الوحدة بمنظار الاصل القابل لان يفسر بالقاعدة ايضا. وحكمهابحسب المنظار الديني وجوب العمل بها.