عربي
Sunday 26th of May 2024
0
نفر 0

البحث عن الدين

 

دوافع البحث

     من الخصائص النفسيّه للإنسان، الدافع الفطريّ و الغريزيّ لمعرفه الحقائق، و الاطّلاع علي الواقعيّات، التي تظهر لكلّ إنسان منذ بدايه طفولته حتّي نهايه عمره، و هذا الدافع الفطريّ لمعرفه الحقيقه الذي يعبّر عنه احيانا ب(حبّ الاستطلاع) يمكن له أن يدفع الإنسان الي التفكير و التأمّل في القضايا و المسائل التي طرحت باسم الدين، و محاوله البحث عن الدين الحقّ. و من هذه القضايا:

     هل هناك وجود لموجود غير محسوس و غير مادّي (الغيب)؟، و إذا كان له وجود فهل هناك علاقه بين عالم الغيب و العالم المادّي المحسوس؟ و إذا كانت هناك علاقه، فهل هناك موجود غير محسوس خالق للعالم المادّي؟

     هل ينحصر و يتحدّد وجود الإنسان بهذا البدن المادّي؟ و هل تتحدّد حياته بهذه الحياه الدنيويّه؟ أم هناك حياه اخري؟ و إذا كانت هناك حياه اخري، فهل هناك علاقه و ارتباط بين الحياه الدنيويه و الحياه الاخرويه؟ و ما هو السبيل لمعرفه النظام الصحيح للحياه؟ النظام الذي يكفل سعاده الإنسان في الدنيا و الاخره؟ و أخيراً، ما هو هذا النظام؟

     إذن فغريزه (حبّ الاستطلاع) تمثّل الدافع الأوّل الذي يدفع الإنسان للبحث عن كلّ المسائل و القضايا، و من جملتها، المسائل الدينيّه، و معرفه الدين الحقّ.

     الدافع الثاني: الذي يشدّد من رغبه الإنسان في معرفه الحقائق: أنّ إرضاء سائر الحاجات التي يتعلق كلّ منها بدافع أو أكثر من الدوافع الفطريه (غير حب الاستطاع) و إشباعها لايتحقّق إلاّ بالحصول علي معلومات و مدركات معيّنيه. فالتوفر علي النعم و المصالح الماديّه الدنيويه المختلفه رهين بالجهود العلميّه، و تقدّم العلوم التجريبيّه يساعد الإنسان كثيراً عل إرضاء حاجاته، فإن، أمكن للدين أيضاً يساعد الإنسان علي إشباع حاجاته، و توفير المنافع و المصالح التي ينشدها، و الأمن من المضارّ و الأخطار التي تتهدّده، فسيكون الدين من المجالات التي ينشدها الإنسان، و بذلك تكون غريزه البحث عن المنفعه، و الأمن من الضرر و الخطر، دافعاً آخر للبحث عن الدين.

     و لكن بما أنّ المعلومات في هذا المجال كثيره جدّاً، و لاتتوفّر الشروط و الظروف الكافيه لمعرفه الحقائق كلّها، فمن الممكن للإنسان أن يختار لبحثه مسائل و قضايا أيسر علاجاً من غيرها، و أكثر إحساساً بنتائجها الملموسه، و أقرب طريقا في الوصول الي أهدافه المنشوده، و أن يتجنب البحث عن المسائل الدينيه باعتقاد انها معقده، و يصعب علاجها او انها تفتقد النتائج العلميه الملموسه و من هنا لابد ان نوضح بان للمسائل الدينيه اهميه خاصه بل أنّ البحث عن أيّ موضوع آخر؛ لايملك القيمه و الأهميه التي يملكها البحث عن المواضيع الدينيّه.

     و الملاحظ أنّ بعض علماء النفس1 و المحللين النفسيين يعتقد، بان لعباده الله و التديّن في واقعه، دافعاً فطرياً مستقلاً يعبّر عن مصدره ب«الشعور الدينيّ» و يعتبره بعداً رابعاً للروح الإنسانيه بالإضافه الي حب الاستطلاع، و الشعور بالخير، و الشعور بالجمال.

     انّ هؤلاء و استناداً لشواهد التاريخ، و علم الآثار و المخلّفات القديمه يرون بأنّ التديّن و عباده الله، ظاهره ثابته، بشكل من الأشكال، في كلّ الأجيال البشريّه علي امتداد التاريخ، و هذا الثّبات و الشموليه لهذه الظاهره، دليل علي فظريّتها.

     و لاتعني شموليّه الدافع الفطري، وجوده حيّا يقظاً دائماً في جميع الأفراد، بحيث يدفع الإنسان شعوريّاً لأهدافه المنشوده، بل من الممكن أن يمكن و يختفي في أعماق الفرد، نتيجهً لعوامل محيطيّه و تربويّه غير سليمه، أو انّه ينحرف عن مساره الصحيح، كما هو الملاحظ في سائر الغرائز و الميول، حيث تتعرّض للكمون و الاختفاء و الانحراف قليلاً أو كثيراً.

     و علي ضوء هذا الرأي، فإنّ للبحث عن الدين دافعه الفطري المستقلّ، و لانحتاج لإثبات ضرورته إلي دليل أو برهان.

     و يمكن دعم هذا الرأي، بشواهد و أدلهٍ من الآيات و الروايات المتعلّقه بفطريّه الدين، و لكن بما أنّ تاثير هذا الميل الفطري ليس شعوريّاً، فيمكن لأحد أن ينكر وجود مثل هذا الدافع في نفسه، عند الجدال، لذلك لانعتمد علي هذا الرأي، و نبحث عن أهميه البحث عن الدين، من خلال الدليل العقليّ.

   

أهميّه البحث عن الدين

     إتّضح ممّا سبق، أنّ الدافع الفطريّ لمعرفه الحقائق من جانب، و الرغبه في الوصول إلي المنافع و المصالح، و الأمن من الضرر و الخطر من جانب آخر، يشكّلان دافعاً قويّاً للإنسان، للتأمّل في المعلومات و الآراء المكتسبه و تحصيلها، و علي ضوئه، حين يعلم شخص بوجود أفراد كبار علي امتداد التاريخ ادّعوا بأنّهم مبعوثون من خالق الكون لهدايه البشر لما فيه سعادتهم في الدنيا و الآخره، و قد بذلوا أقصي جهودهم في سبيل إبلاغ رسالاتهم، و هدايه البشر، و تحمّلوا كلّ ألوان المتاعب و التحدّيات، بل ضحّوا بأرواحهم في سبيل هذا الهدف، فإنّ هذا الشخص بدفع من ذلك الدافع الفطريّ، يتحرّك للبحث عن الدين، ليري مدي صحّه دعوي الأنبياء، و هل توجد ادله منطقيه كافيه علي صحّه دعاواهم، و خاصّهً حين يعلم بأنّ دعوتهم و رسالتهم تتضمّن البشاره بالسعاده و النعمه الأبديّه، و الإنذار بالشقاء و العذاب الأبديّ، أيّ أنّ الإيمان بدعوتهم بتضمّن المنافعّ المحتمله اللانهائيّه، و أنّ عصيانهم تتعقّبه الأضرار و الأخطار المحتمله اللانهائيه، فلايبقي أيّ مبرّر لمثل هذا الشخص في عدم الإهتمام بالدين، و في موقف اللامبالاه من محاوله البحث عنه؟

     أجل من الممكن أن يتجنّب البعض البحث عن الدين، للكسل و حبّ الارتخاء و الراحه، أو لأنّ الإيمان بالدين يفرض عليهم الكثير من الضوابط و الحدود، و يمنعهم من بعض الممارسات2، التي ترغب بها نفوسهم.

     و لكن علي هؤلاء أن يتقبّلوا الآثار السيّئه لهذا الكسل و الخمول و الغرور، و ما يعقبها بعد ذلك من العذاب الأبديّ و الشقاء الدائم.

     إنّ هؤلاء أكثر تعاسهً وحماقهً من ذلك الطفل المريض الجاهل، الذي يمتنع عن الذهاب الي الطبيب خوفاً من استعمال الدواء المرّ و يستعد للقاء حتفه، و ذلك لأنّ هذا الطفل لم يبلغ مرحله من الوعي يحدّد بها ما ينفعه و ما يضرّه، بالإضافه إلي أنّ مخالفه توصيات الطبيب لايترتّب عليها إلاّ الحرمان من منافع أيّام قليله من الحياه الدنيويه، بينما الإنسان البالغ العاقل له القدره علي التفكير فيما ينفعه و يضرّه، و الموازنه بين اللذائذ الموقّته، و العذاب الأبديّ.

     و من هنا اعتبر القرآن الكريم أمثال هؤلاء الغافلين، أضلّ من الأنعام «اولئك كالأنعام بل هم أضلّ أولئك هم الغافلون»3 و في آيه اخري يقول: «إنّ شرّ الدوابّ عندالله الصّمّ البكم الذين لايعقلون».4

 

الجواب عن شبهه

     ربما يتشبّث البعض للتهرّب من التفكير و البحث عن الدين بهذه الحجّه: إنّما يستحسن بذل الجهد و البحث عن قضيّه و محاوله علاجها؛ فيما لو كان الإنسان يأمل في العلاج، خيراً، و يحتمل التوصّل من خلال جهوده إلي الحلّ، و لكن ليس لنا مثل هذا الأمل و الاحتمال في البحث عن الدين و مسائله، و من هنا فالأفضل أن نبذل جهودنا و طاقاتنا في الأعمال التي نحتمل و نأمل أكثر في التوصّل إلي نتائجها.

و نجيب هؤلاء‌:

     أوّلاً: انّ الأمل في معالجه المسائل الدينيّه و احتمالها ليس بأقلّ من الاحتمال في معالجه المسائل العلميّه؟ و نحن نعلم بأنّ معالجه الكثير من المسائل و القضايا العلميه إنّما أمكن التوصّل إليها نتيجه عشرات السنين من الجهود المضنيه التي بذلها العلماء في هذا المجال.

     و ثانياً: إنّ قيمه الاحتمال لاتخضع لعامل واحد و هو «درجه الاحتمال» وَ حَسْبُ، بل لابدّ أن نلاحظ أيضاً «‌درجه المحتمل»، فمثلاً لو كان احتمال الربح في عملِ اقتصاديّ 5% و في عمل آخر 10%، و لكن مقدار الربح المحتمل الذي يدرّه العمل الأوّل ألف ريال، و في العمل الثاني مئه ريال فإنّ العمل الأوّل يرجع علي العمل الثاني بخمسه أضعاف، مع أنّ درجه الاحتمال فيه (5%) و هو نصف درجه الاحتمال في العمل الثاني (10%) كلّ ذلك لأهميّه المحتمل و قيمته.5

     و بما أنّ المنفعه المحتمله التي تتمثل في البحث عن الدين لا نهائيهٌ، و لذلك، و إن كان احتمال التوصّل الي نتيجه يقينيه منه ضعيفاً جدّاً، و لكن بالرغم من ضعف احتمال التوصّل إلي نتيجه، فإنّ قيمه البحث عن بذل الجهد في هذا السبيل و أهميّتها، تفوق بكثير قيمه البحث في أي طريق آخر له نتيجه محدوده و ضيّقه، و إنّما يتقبّل العقل تجنّب البحث عن الدين، فيما لو جزمنا بأنّ الدين باطل و غير صحيح، أو أنّ مسائله لاتقبل الحلّ و العلاج، و لكن ليس هناك سبيل لهذا الجزم و الاطمئنان.

 

الهوامش:

1. تراجع الكتب التاليه: الشعور الديني، الإنسان ذلك المجهول، الدين و النفس.

2. بل يريد الإنسان ليفجر أمامه (القيامه: 5).

3. الأعراف: 179.

4. الأنفال: 22.

5. 1000*5/100=5000/100=50

100*10/100=1000/100=10

50/10=5

 

0
0% (نفر 0)
 
نظر شما در مورد این مطلب ؟
 
امتیاز شما به این مطلب ؟
اشتراک گذاری در شبکه های اجتماعی:

آخر المقالات

عقيدتنا في التوحــيد ومعرفة الله
عقائد الشيعة اصولاً وفروعاً
العدل الالهي
هل التوسُّل شرك؟
الدليل على المعاد
آية الوضوء آية محكمة
الإمامة في ضوء المذهب الذاتي
إثبات واجب الوجود
أصول الدين عند الشيعة
طريق العلاج لمسائل الرؤيه الكونيّه الأساسيّه

 
user comment