عربي
Saturday 22nd of June 2024
0
نفر 0

الطريق السهل لمعرفه الله

 

طرق معرفه الله

     هناك طرق عديده و مختلفه لمعرفه الله تعالي، تذكر في مختلف الكتب الفلسفيّه و الكلاميه، و في أحاديث أئمه الدين، و كذلك في الكتب السماويّه. و هذه الأدله و البراهين مختلفه فيما بينها في جوانب عديده: فمثلاً قد استفيد في بعضها من مقدّمات حسيه تجريبيّه، بينما يتألف بعضها من المقدّمات العقليّه البحته، و بعضها يستهدف إثبات وجود الله الحكيم بصوره مباشره، بينما البعض الآخر يستهدف إثبات موجود لايحتاج في وجود خالي موجود آخر أي «واجب الوجود» و علي ضوء هذا الدليل لابدّ من الاعتماد علي أدله و براهين أخري لإثبات صفاته تعالي.

     و يمكن أن نشبّه من زاويه ما، الأدله علي وجود الله بالطرق و الجسور المنصوبه علي نهر كبير ليعبر عليها إلي الضفّه الاخري، فبعضها كالجسور الخشبيّه البسيطه نصبت علي النهر ليتمّكن الشخص الخفيف المؤونه من العبور عليها و الوصول سريعاً إلي غايته، بينما بعضها كالجسور الصخريه الطويله، التي تتمتّع بقوّه أكبر، و لكّنها تطيل المسافه، و بعضها كالطرق الحديديّه الصعبه المتعرّجه و الملتويه، التي تمر عبر التلال و السهول و الأنفعال الكبيره، التي صنعت للقطارات الثقيله.

     و الإنسان الذي يملك ذهنيّهً بسيطه، يمكنه التعرّف علي ربّه من خلال الطرق البسيطه جدّاً، ثم يأخذ في عبادته و طاعته، أمّا الذي يحمل في ذهنه الكثير من الشبهات الثقيله، فعليه العبور من الطريق الصخريّ، و أمّا الذي يحمل أحمالاً كثيره و ثقليه من الشبهات و الوساوس فلابد له أن يسلك الطريق المنصوب علي قواعد و اسس محكمه و متينه، و إن وُجدتْ في الطريق تحدّياتٌ و التواءات و مصاعبُ و تعرّجات.

     و نحن هنا نشير إلي الطريق السهل المسير لمعرفه الله، و بعد ذلك نتعرض لبعض الطرق و الأدله المتوسطه، و أمّا الطرق و الأدله الصعبه التي تعتمد علي معالجه و فهم الكثير من الاسس و المرتكزات الفلسفيّه، فإنّها لاولئك الذين يشوب أذهانهم الكثير من الشبهات، أو انّهم يهدفون الي مواجهه الشبهات، و انقاذ الضالّين و المنحرفين.

 

خصائص الطريق السهل

     الطريق و الدليل السهل لإثبات وجود الله تعالي يتمتّع بمميّزات و خصائص، أهمّها ما يلي:

     1. انّ هذا الطريق لايحتاج إلي مقدّمات صعبه معقّده و فنيّه، و يمكن عرضه باسلوب ميسّر واضح في هذا المجال، و من هنا يمكن لجميع الناس علي اختلاف مستوياتهم الثقافيّه فهمه و استيعابه.

     2. إنّ هذا الطريق يوجّه الإنسان بصوره مباشره إلي الله الخالق العالم القادر، خلافاً للكثير من البراهين و الأدلّه الفلسفيّه و الكلاميه التي تثبت في البدايه موجوداً يتّسم بأنه واجب الوجود. لذلك كان من الضروريّ الاعتماد علي أدلّه اُخري لإثبات علمه و قدرته و حكمته و خالقيّته و ربوبيّته و سائر صفاته.

     3. إنّ مهمّه هذا الطريق، و دوره ـ قبل كلّ شيء ـ هو إيقاظ الفطره، و الأخذ بيد المعرفه الفطريه إلي عالم الوعي و الشعور، و لو تأمّل الإنسان في مفردات هذا الطريق، لعاش حاله عرفانيه، و كأنه يشاهد يدالله في إيجاد الظواهر و الحوادث الكونيّه و تدبيرها، تلك اليد التي تعرفها الفطره في عمق ذاتها.

     و من أجل هذه الخصائص و المميّزات، اختار قاده الدين و روّاد الأديان السماويّه هذا الدليل لعرضه علي الناس، و دعوا الجميع إلي السعي في هذا السبيل، خصّوا ببعض أتباعهم الخواصّ بأساليب و أدله أخري، أو استخدموها في احتجاجاتهم و حوارهم مع العلماء الملحدين أو الفلاسفه الماديين.

 

الايات الواضحه

     انّ هذا الطريق السهل لإثبات وجود الله تعالي، يتمثّل في التأمّل في آيات الله و شواهده و دلائله التي يحفل بها هذا العالم العريض، و كما يعبّر عنه القرآن الكريم ب«التفكر في الآيات الإلهيّه» و كأنّ كلّ واحده من الظواهر الكونيّه في الارض و السماء و في وجود الإنسان، دليل و آيه علي مقصود منشود، و مطلوب معروف، و تهدي القلب باتّجاه مركز الوجود، الحاضر في كلّ زمان و مكان.

     إنّ هذا الكتاب الذي بين يديك هو آيه و دليل عليه، ألا تتعرّف بقراءته علي وجود مؤلّف عالم و هادف؟ فهل احتملت يوماً أنّ هذا الكتاب وجود نتيجه مجموعهٍ من التفاعلات و المؤثّرات المادّيه دون أن يكون له مؤلّف هادف؟ أليس من الحماقه و الغباء أن يعتقد أحد بأنّ دائره المعارف التي تحتوي علي مئات الأجزاء الضخمه قد وجدت نتيجه انفجار نشب في منجم معدني، و بعد ذلك تحوّلت ذرّاتها المتطايره إلي حروف، و اصطدمت صدفه و اتّفاقاً ببعض القطع الورقيّه، فوجدت هذه الكتابات، ثمّ اجتمعت هذه الأوراق بطريق الصدفه، لتكوّن هذه الأجزاء المجلّده تجليداً منسّقاً و منظّماً؟!

     و لكنّ الإيمان بالصدفه العمياء في تفسير نشوء الكون الهائل الكبير، بكلّ ما يحمل من أسرار و حكم معروفه و غير معروفه، أكثر غباءً و حماقهً آلاف المرّات من تفسير الكتاب كظاهره ظهرت صدفهً!

     أجل كلّ نظام هادف، دليل علي منظّم هادف، و نحن نشاهد هذه الأنظمه الهادفه في أرجاء الكون كلّه، فإنّها جميعاً تؤلّف نظاماً شاملاً، و تدلّ علي خالق حكيم أوجدها، و هو دائماً و أبداً يواصل إدارتها و تدبيرها.

     إنّ غصن الورد الذي يفرع في حديقه، من بين التراب و السماد، بألوان زاهيه مختلفه و رائحه عطره، و شجرهً التفّاح التي تخرج من بذره صغيره، لتثمر كل عام أعداداً كثيره من التفّاح ذي الألوان الزاهيه، و الروائح العطره و الطعم الشهيّ و سائر الأشجار المختلفه، بأشكال و ألوان و خواصّ مختلفه.

     و ذلك البلبل المغرّد الذي يتنقل علي غصون الزهور، و الفرخه التي تفقس البيضه و تخرج لتنقر الأرض، و العجل الوليد الذي يرتضع من ثدي اُمّه، و الحليب الذي امتلأ به ثدي، الاُمّ، و أعدٍ لإرضاع الوليد الجديد كلّها أدلّه عليه.

     حقاّ إنّه لتوافق عجيب، و تدبير مدهش، في ظهور الحليب في أثداء الامّهات متزامناً تماماً مع ولاده أبنائهنّ!

     و الأسماك التي تجتاز كلّ عام الكيلومترات لأوّل مرّه، لتضع البيض، و الطيور البحريّه التي تعرف أوكارها من بين كلّ النباتات البحريه الكثيره، و لم يتّفق لها أن تخطئ و لا مرّهً واحده، و أفواج النحل التي تخرج كلّ صباح من خلاياها و بعد أن تطوي المسافات الطويله للاستفاده من الورود العطره، تعود ليلا إلي خلاياها، . كلّها آيات عليه.

     و الأعجب من ذلك، أنّ النحل و البقر و الشياه، تدّر في كلّ مره لبناً أو عسلاً أكثر ممّا تحتاجه، ليستفيد منه الإنسان، هذا المخلوق المتميّز الاستثنائي!

     و لكّن الإنسان الجاحد، يتنكّر للمنعم عليه، و يجادل فيه و يحاربه!

     و في هذا البدن الإنسانيّ، تلاحظ أكثر آثار التدبير الحكيم دهشهً و إعجاباً، حيث يتألّف البدن من أجهزه متناسقه، و كلُّ جهاز يتألّف من أعضاء متناسبه، و كلُّ عضو يتألّف من ملايين الخلايا الحيّه الخاصّه، مع أنّها كلّها نشأت من خليّه واحده هي الخليّه الامّ، و كلّ خليّه مشتملهٌ علي موادّ لازمه بنسب و مقادير معيّنه، و قد وضع كلّ عضو في الموضع المناسب له من البدن. و النشاطات الهادفه لأعضائه و أجهزته، أمثال استنشاق الأوكسجين بواسطه الرئه، و نقله بوساطه كريّات الدم الحمراء، و صنع الكبد للسكّر، بالمقدار الضروريّ، و ترميم الأنسجه المصابه و استبدال التالفه بخلايا جديده، و محاربه الجراثيم و الميكروبات و الأعداء التي تهاجمها بوساطه الكرّيات البيض، و إفراز  الغدد المتعدّده للهرمونات المختلفه، و التي لها دور كبير في تنسيق الفعّاليات الحياتيّه للبدن و كلّها شواهد عليه1.

     فمن الذي أقام هذا النظام المدهش العجيب، الذي لم يتمكّن آلاف العلماء علي امتداد عشرات القرون المتماديه من اكتشاف أسراره و افتضاضها؟ و كلّ خليّه تمثّل نظاماً صغيراً هادفاً، و كلّ مجموعه من الخلايا تؤلّف عضواً من الأعضاء و تشكل نظاماً هادفاً أكبر، و هذه المجاميع من الأنظمه الكثيره المختلفه المعقّده تؤلّف النظام الكلّي الشامل الهادف للبدن، و لاينتهي الأمر بذلك، فإنّ هذه الأنظمه التي لاتعدّ و لاتحصي من الكائنات الحيّه و غير الحيّه، تؤلّف نظام الكون الكبير، الذي لاتسبر أغواره، و هو عالم الطبيعه، يديرها الإله الواحد بتدبيره الحكيم بكلّ نظام و تناسق و انسجام (ذلكم الله فأنّي تؤفكون)2.

     و من البديهي انه كلمّا ازداد علم البشر و اتّسع، و اكتشف أكثر القوانين و العلاقات بين الظواهر الطبيعيّه تبينت أسرار و حكم الخلق أكثر، و لكن التدبر و التفكير حول هذه الظواهر البسيطه و الدلائل الواضحه النيّره يكفي للقوب الطاهره غير الملوثه.

 

الهوامش:

     1. للتوسع أكثر حول هذه المعلومات و الحقائق يراجع كتاب «الله يتجلي في عصر العلم».

     2. الأنعام: 95.

 

0
0% (نفر 0)
 
نظر شما در مورد این مطلب ؟
 
امتیاز شما به این مطلب ؟
اشتراک گذاری در شبکه های اجتماعی:

آخر المقالات

مراتب التوحيد
أصول الدين عند الشيعة
آية الوضوء آية محكمة
الطريق السهل لمعرفه الله
مباحث النبوّة
القدرة المطلقة وإحياء الموتى
عقائد الشيعة اصولاً وفروعاً
العدل الالهي
عصمة الأنبياء (عليهم السلام) عند المذاهب ...
الإمامة في السنّة النبوية

 
user comment