عربي
Friday 1st of March 2024
0
نفر 0

المنهج السياسي للامام الصادق علیه السلام

من الواضح أن مبدأ العدالة - من أعظم مبادئ الشريعة الإسلامية - أصبح في عهد حكام الجور لا يعمل به ، فالولاة الجبابرة ظلمة لا يصلحون لمركز الولاية على المسلمين ، وفاقدو القدرة والكفاءة على التحلي بصفات الخلافة التي تسنموها ظلما وعدوانا ، ولا قدرة لهم على تنفيذ أحكام الإسلام ، وفاقد الشيء لا يعطيه ، ولا تجب طاعتهم بأي حال ، وإن في مؤازرتهم ومعاونتهم خروجا على أمر الله ، ومخالفة لكتابه . فسياسة أهل البيت (عليهم السلام) تقضي بحرمة التعاون مع الظالمين ،
المنهج السياسي للامام الصادق علیه السلام

من الواضح أن مبدأ العدالة - من أعظم مبادئ الشريعة الإسلامية - أصبح في عهد حكام الجور لا يعمل به ، فالولاة الجبابرة ظلمة لا يصلحون لمركز الولاية على المسلمين ، وفاقدو القدرة والكفاءة على التحلي بصفات الخلافة التي تسنموها ظلما وعدوانا ، ولا قدرة لهم على تنفيذ أحكام الإسلام ، وفاقد الشيء لا يعطيه ، ولا تجب طاعتهم بأي حال ، وإن في مؤازرتهم ومعاونتهم خروجا على أمر الله ، ومخالفة لكتابه . فسياسة أهل البيت (عليهم السلام) تقضي بحرمة التعاون مع الظالمين ، وعدم الركون إليهم. وقد صح عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنه قال لأصحابه : ما أحب أن أعقد لهم - أي الظلمة - عقدة ، أو وكيت لهم وكاء ، ولا مدة بقلم ، وإن الظلمة وأعوان الظلمة يوم القيامة في سرادق من نار حتى يحكم الله بين العباد . وكان ينهى عن المرافعة إلى حكامهم ، ولا يرى لزوم ما يقضون به ، لأن حكمهم باطل وغير نافذ ، كما كان يشدد على العلماء الذين يسيرون في ركاب الدولة ، ويأمر بالابتعاد عنهم ، حيث يقول : الفقهاء أمناء الرسل ، فإذا رأيتم الفقهاء قد ركبوا إلى السلاطين فاتهموهم (1) . لقد عرف المسلمون مقام أهل البيت (عليهم السلام) وحقهم على هذه الأمة وموقعهم السياسي الذي ينبغي أن يشغلوه ، وهو موقع القيادة والإمامة ، لذا كان أهل البيت (عليهم السلام) على امتداد تأريخ الإسلام السياسي على قمة الهرم السياسي ، وفي طليعة المعارضة المستهدفة للإصلاح وتطبيق أحكام الإسلام وإقامة العدل . وواضح لدى الدارسين لتأريخ الإسلام السياسي أن الخلافة ورعاية شؤون الأمة بعد انقراض الخلافة الراشدة تحولت إلى ملك عائلي ، وسلطة وتسلط ، واستئثار بالأموال والمناصب ، وتعطيل لأحكام الشريعة وتلاعب بها ، فسبب هذا التلاعب بالشريعة ومصالح الأمة قيام الثورات والانتفاضات والصراع المرير الدامي ، فسفكت الدماء ، وانتشرت الفرقة والفتن ، ونشأت الأفكار والنظريات المنحرفة على طرفي نقيض ، فبعضها يبرر للحكام ظلمهم وسيطرتهم على الأمة ويدعو للخنوع والاستسلام وتحريم المعارضة وعدم نقض بيعة الظالم والرضا به على كل حال ، وبعضها استغل الفرصة للقضاء على الإسلام وأهله ، فدعا بدعوات ضالة جاهلية ، دعا إلى إباحة المحرمات والأموال والنساء وترك الواجبات ، كالقرامطة والمزدكية والخرمية وأمثالهم ، وبعضهم دعا إلى الفوضى والتخريب وإباحة الدماء وتكفير الجميع كالخوارج ومن تأثر بتيارهم . وهكذا تبلبل الفكر السياسي ونشأت الاضطرابات والحروب الداخلية ، وفي كل مشكلة فكرية وعقائدية تعايشها الأمة يكون أهل البيت (عليهم السلام) هم الفئة الرائدة والمركزية الرسالية الموجهة للتيار السليم ، والمثبتة لمنهج الحق ، فيتبع رأيهم ،ويأخذ بموقفهم المسلمون ، العلماء والعامة ، عدا من يرتبط بالسلطة ، ويبرر لها تصرفها ، ويدافع عن مصالحه المرتبطة بمصالحها . وفي بحثنا هذا سنتحدث باختصار عن منهج أهل البيت (عليهم السلام) في العمل السياسي . إن من يستقرئ سياسة أهل البيت (عليهم السلام) وكفاحهم وعملهم السياسي - الظاهر منه والخفي - خلال قرنين ونصف تقريبا من الزمان ، يستطيع أن يكتشف أن عملهم كان يرتكز على المبادئ الآتية :

1 - تربية الأمة

على كراهية الظلم ، وتركيز مفهوم العدل ، وشرح فكرة الإمامة والسياسة ، وتوضيح أسس الحكم والسياسة في الإسلام ، لتنمية الوعي السياسي في الأمة ، وتعميق حسها وزيادة نقمتها على الظالمين ، وتحريك ركودها ، ومن يستقرئ ما صدر عن أهل البيت (عليهم السلام) وما رووا ونشروا في هذا الشأن من روايات عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يكتشف أهمية هذه الخطوة في إيقاظ الحس السياسي وتعميق الوعي الإسلامي . نذكر نماذج من الروايات والأحاديث التي تتحدث عن السلطة ومسؤولية الحاكم المسلم ، ورفض الإسلام للظلم ودعوته للعدل ، لنقف على جانب من فكر أهل البيت (عليهم السلام) ومنهجهم في مقاومة الظلم وتحريك الركود السياسي ودفع الأمة للإصلاح والتغيير . روي عن الإمام الباقر (عليه السلام) أن شيخا من النخع قال : قلت لأبي جعفر (عليه السلام) : إني لم أزل واليا منذ زمن الحجاج إلى يومي هذا ، فهل لي من توبة ؟ قال : فسكت ، ثم أعدت عليه ، فقال : لا ، حتى تؤدي إلى
كل ذي حق حقه . وعن أبي حمزة الثمالي ، عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام) ، قال : لما حضرت علي بن الحسين (عليه السلام) الوفاة ضمني إلى صدره ثم قال : يا بني ، أوصيك بما أوصاني به أبي (عليه السلام) حين حضرته الوفاة ، وبما ذكر بأن أباه أوصاه به ، قال : يا بني ، إياك وظلم من لا يجد عليك ناصرا إلا الله . وعن الإمام الصادق (عليه السلام) ، قال : ما من مظلمة أشد من مظلمة لا يجد صاحبها عليها عونا إلا الله عز وجل . وروى الصادق (عليه السلام) عن جده رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، قال : قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : اتقوا الظلم فإنه ظلمات يوم القيامة . وعن الصادق (عليه السلام) : إن الله عز وجل أوحى إلى نبي من أنبيائه في مملكة جبار من الجبارين أن ائت هذا الجبار فقل له : إنني لم أستعملك على سفك الدماء واتخاذ الأموال ، وإنما استعملتك لتكف عني أصوات المظلومين ، فإني لم أدع ظلامتهم وإن كانوا كفارا . وروي عن الإمام الصادق (عليه السلام) : العالم بالظلم ، والمعين له ، والراضي به ، شركاء ثلاثتهم . وقال (عليه السلام) : من عذر ظالما بظلمه ، سلط الله عليه من يظلمه ، فإن دعا لم يستجب له ، ولم يأجره الله على ظلامته (2) .
وروى أبو بصير قال : دخل رجلان على الإمام الصادق (عليه السلام) في مداراة بينهما ومعاملة ، فلما أن سمع كلامهما قال : أما إنه ما ظفر أحد بخير من ظفر بالظلم ، أما إن المظلوم يأخذ من دين الظالم ، أكثر مما يأخذ الظالم من مال المظلوم . ثم قال : من يفعل الشر بالناس فلا ينكر الشر إذا فعل به ، أما إنه إنما يحصد ابن آدم ما يزرع ، وليس يحصد أحد من المر حلوا ، ولا من الحلو مرا ، فاصطلح الرجلان قبل أن يقوما (3) . وورد عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام) عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : من مشى مع ظالم ليعينه ، وهو يعلم أنه ظالم ، فقد خرج عن الإسلام (4) . ورووا عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : عدل ساعة خير من عبادة سبعين سنة ، قيام ليلها وصيام نهارها ، وجور ساعة في حكم أشد وأعظم عند الله من المعاصي ستين سنة (5) . وورد عن جابر بن عبد الله الأنصاري ، قال : قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : من أرضى سلطانا بسخط الله خرج من دين الله (6) . وروي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : من ولي عشرة فلم يعدل بينهم ، جاء يوم القيامة ويداه ورجلاه ورأسه في ثقب فأس (7) .
وجاء عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) : أيما رجل ولي شيئا من أمور المسلمين فأغلق بابه دونهم وأرخى ستره ، فهو في مقت من الله عز وجل ، ولعنه حتى يفتح بابه فيدخل إليه ذو الحاجة ومن كانت له مظلمة (8) . وهكذا كان منهجهم في تربية أصحابهم وتوجيه الرأي العام الإسلامي نحو التغيير والإصلاح ، والدخول في ميدان العمل السياسي من بابه الطبيعي .

2 - المقاطعة :

أما الأسلوب الثاني من أساليب العمل السياسي الذي لجأ إليه أهل البيت (عليهم السلام) كلما تغشى الظلم والانحراف في الفهم والتطبيق ، فقد اتخذوا بالإضافة إلى التوجيه وتعميق الوعي والحس السياسي ، اتخذوا أسلوب المقاطعة ، وقد قرأنا الحديث الشريف . وهكذا تأتي الدعوة صريحة إلى مقاطعة الظالمين وعدم معاونتهم ، فقد ورد في حديث آخر : إذا كان يوم القيامة نادى مناد : أين الظلمة وأعوانهم ، من لاق لهم دواة ، أو ربط لهم كيسا ، أو مد لهم مدة قلم ، فاحشروهم معهم (9) . نذكر نموذجا لهذه المقاطعة ، هو موقف أئمة أهل البيت (عليهم السلام) من الحكام الأمويين والعباسيين في عهد الإمام علي بن الحسين السجاد ثم الإمام محمد الباقر وجعفر الصادق وموسى بن جعفر وعلي بن موسى (10) ومحمد الجواد (11) والإمام الهادي والإمام الحسن العسكري (عليهم السلام) . وهكذا كانت هذه الفترة فترة مقاطعة وعدم استجابة للحكام أو أي تعاون معهم . . . وقد عانى أهل البيت (عليهم السلام) من الحكام الأذى والمطاردة والمراقبة والسجن والتشريد والضغط والإرهاب ، سنعرض جانبا منها . ولنضرب مثلا لتلك المقاطعة ، موقف الإمام الصادق (عليه السلام) من الخليفة العباسي أبي جعفر المنصور الذي عرف بقسوته وسفكه للدماء وظلمه لذرية الإمام علي (عليه السلام) . فقد ذكر المؤرخون أن المنصور كتب إلى الإمام الصادق (عليه السلام) كتابا يطلب منه مصاحبته ويحاول جعله من علماء السلطة ، فرفض الإمام (عليه السلام) رغم الإرهاب وقساوة الظروف ، ورد على المنصور ردا حاسما . جاء في كتاب المنصور : ولم لا تغشانا كما يغشانا الناس ؟ فكتب إليه الصادق (عليه السلام) : ليس لنا ما نخافك من أجله ، ولا عندك من أمر الآخرة ما نرجوك له ، ولا أنت في نعمة فنهنئك ، ولا نراها نقمة فنعزيك . فكتب إليه المنصور : تصحبنا لتنصحنا ، فأجاب الصادق (عليه السلام) : من أراد الدنيا لا ينصحك ، ومن أراد الآخرة لا يصحبك (12) . وهكذا كان رد الإمام وموقفه من الحاكم الذي لا يطبق أحكام الشريعة ولا يلتزم بمبادئها . وعلى هذا النهج ، نهج مقاطعة الحكام الذين يمارسون الظلم ولا يطبقون أحكام الشريعة ، سار فقهاء أهل البيت (عليهم السلام) ، فأفتوا بحرمة معونة الظالم ، أو تولي الوظائف له ، فقد ثبت الفقهاء جميعهم ذلك في كتب الفقه - باب المكاسب المحرمة - نذكر منها قول الشهيد السعيد محمد بن جمال مكي العاملي (رحمه الله) ، المعروف ب‍(الشهيد الأول) (13) ، قال (رحمه الله) - في معرض تعداده للمكاسب المحرمة - : ومعونة الظالمين بالظلم . وعلق الشارح عليها بقوله : كالكتابة لهم وإحضار المظلوم ونحوه (14) . وحرم الفقهاء قبول الوظائف للظالم أو الانضمام إلى أي مجال من مجالات السلطة ، إلا إذا كان الهدف خدمة الإسلام من خلال الموقع ودفع الظلم عن الآخرين ، وعدم معونة الظالم بشكل يفوق ما يحققه من يتولى منصبا من إصلاح ومنفعة .

3 - الثورة وإسناد الثوار واستعمال القوة :

مبدأ الثورة ضد الظالم وعدم إقرار الظلم ، مبدأ إسلامي يقرره وجوب الأمربالمعروف والنهي عن المنكر ، ويلزم المسلمين به . ومن يتابع سيرة أهل البيت (عليهم السلام) السياسية وكفاحهم ومعارضتهم ، يجدهم خط معارضة ودعاة إصلاح وكفاح وقادة مسيرة السياسة ، فقد رفض أهل البيت (عليهم السلام) مبدأ الوراثة في الحكم الذي فرض على الأمة الإسلامية أيام معاوية بن أبي سفيان ، وتسلط ابنه يزيد على رقاب المسلمين ، والذي لم يكن مؤهلا للخلافة ، وفاقد لكل شرط من شروطها ، فجرها إلى الفساد والانحراف ، مما جعل الإمام الحسين السبط بن علي بن أبي طالب (عليه السلام) يعلن الثورة ، ويتوجه من المدينة إلى العراق بعد أن استقر في مكة نحو أربعة أشهر ، وهناك في كربلاء في أرض العراق كانت المعركة وانطلاقة الثورة وشلال الدم المقدس وشهادة الحسين السبط (عليه السلام) ، فهز ضمير الأمة وحرك ركودها بدمه الطاهر ودم أهل بيته وصحبه الأبرار، الذين نيف عددهم على السبعين شهيدا . لقد كانت هذه الثورة أول ثورة في الإسلام ضد الحاكم الظالم وخلع البيعة المزيفة والإعلان عن إسقاط الحكم الفاسد المخالف لمبادئ الإسلام ، مقابل دعوات الخنوع والاستسلام وتخدير الرأي العام من قبل علماء البلاط الذين كانوا يرفعون شعار الالتزام بالبيعة للظالم والوفاء بالعهد له مهما يفعل ، متناسين قول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : ليس لمستعص يمين . وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم) : لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق . ومتغافلين عن قوله تعالى : (ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار) (15) . أما السبط الشهيد الحسين بن علي (عليه السلام) فقد رفع شعار الثورة واستشهد في العاشر من محرم عام 61 ه‍في كربلاء العراق ، ومزق كل تلكم الشعارات .
موقفه (عليه السلام) من الحكم الأموي ولد الإمام جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام) في عهد عبد الملك بن مروان سنة 83 للهجرة (16) وعاصر عشرة من حكام بني أمية ، وهم : عبد الملك بن مروان ، والوليد بن عبد الملك ، وسليمان بن عبد الملك ، وعمر ابن عبد العزيز ، الذي وجد الناس في عهده بعض العدل الذي فقدوه زمانا ، واستراحوا في أيامه القليلة ، ويزيد بن عبد الملك الذي فكر أن يسير بسيرة سلفه عمر بن عبد العزيز غير أنه لم يوفق ، ومن بعده جاء هشام بن عبد الملك ، هذا الجبار الحاقد على أهل البيت ، والوليد الفاجر بن يزيد بن عبد الملك ، ويزيد الثالث الملقب بالناقص (17) ، وإبراهيم بن الوليد بن عبد الملك ، وآخرهم مروان بن محمد المعروف بالحمار (18) . وكشفا لأعمال حكام بني أمية وفضح جرائمهم وما عاناه الإمام الصادق (عليه السلام) نوضح بعض سلوكهم .
1 - عبد الملك بن مروان : ابن الحكم بن أبي العاص بن أمية ، أمه عائشة بنت معاوية بن المغيرة
ابن أبي العاص ، فهو أموي بين أمويين . وكان جده المغيرة من أشد الناس عداء لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فظفر به (صلى الله عليه وآله وسلم) في خروجه لغزوة (حمراء الأسد) فأمر بضرب عنقه . قال ابن كثير : المغيرة جد عبد الملك لأمه ، وهو الذي جدع أنف حمزة يوم أحد . تولى عبد الملك الحكم بعهد من أبيه مروان سنة 65 ه‍. وبقي في الملك إلى سنة 86 ه‍. وهي سنة هلاكه ، ومدة حكمه 21 سنة وأشهر . وكان قبل ولايته يجالس العلماء ، ويحفظ الحديث ويتعبد في المسجد وكان متقشفا ، وقد أنكر على يزيد بن معاوية حربه لعبد الله بن الزبير ، وقال - لبعض من سار في ذلك الجيش - : ثكلتك أمك أتدري إلى من تسير ؟ إلى أول مولود ولد في الإسلام ، ومن حنكه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وابن حواريه ، وابن ذات النطاقين . أما والله إن جئته نهارا وجدته صائما ، وإن جئته ليلا وجدته قائما ، فلو أن أهل الأرض أطبقوا على قتله لأكبهم الله جميعا في النار . متناسيا أفعال يزيد واقترافه جرائم عظيمة بحق أهل البيت (عليهم السلام) وقتل سيد الشهداء الحسين بن علي (عليه السلام) وأهله وأصحابه وسبي ذراريه . قال ذلك الرجل - الذي خاطبه عبد الملك بهذا - : فلما صارت الخلافة إلى عبد الملك وجهنا عبد الملك مع الحجاج حتى قتلناه ، أي ابن الزبير . وذلك أن عبد الملك بن مروان - عندما ولي الخلافة - أرسل الحجاج ابن يوسف لحرب ابن الزبير في جيش من أهل الشام ، وحوصر ابن الزبير ستة أشهر وسبع عشرة ليلة في بيت الله الحرام ، وكان الحجاج يرمي الكعبة بالمنجنيق من جبل أبي قبيس .
روى ابن عساكر : أن الحجاج لما رمى الكعبة بالمنجنيق أخذ قومه يرمون من أبي قبيس ويرتجزون : خطارة مثل الفنيق المزبد * أرمي بها أعواد هذا المسجد فجاءت صاعقة فأحرقتهم ، فامتنع الناس من الرمي ، وخطب بهم الحجاج فقال : ألم تعلموا أن بني إسرائيل كانوا إذا قربوا قربانا فجاءت نار فأكلته ، علموا أنه قد تقبل منهم ، وإن لم تأكله النار علموا أن القربان لم يقبل ! ! ولم يزل يخدعهم حتى عادوا فرموا الكعبة مجددا . ودام الحصار والرمي للكعبة حتى قتل عبد الله بن الزبير في جمادى الآخرة سنة 83 ه‍وصلبه الحجاج منكوسا بعد قتله وبعث رأسه إلى عبد الملك بن مروان فطيف به في البلاد . ولما أفضى الأمر إليه [عبد الملك] كان المصحف بيده فأطبقه وقال : هذا آخر العهد بك ، أو هذا فراق بيني وبينك . قال ابن كثير : حج عبد الملك في سنة 75 ه‍وخطب الناس بخطبة قال فيها : إنه كان من قبلي من الخلفاء يأكلون ويؤكلون ، وإني والله لا أداوي أدواء هذه الأمة إلا بالسيف ، ولست بالخليفة المستضعف - يعني عثمان - ولا الخليفة المداهن - يعني معاوية - ولا الخليفة المأفون - يعني يزيد بن معاوية - . أيها الناس ، إنا نحتمل منكم ما لم يكن عقد راية ، أو وثوب على منبر ، هذا عمرو بن سعيد حقه حقه قرابته وابنه قال برأسه هكذا قلنا بسيفنا هكذا . وإن الجامعة التي خلعها من عنقه عندي ، وقد أعطيت الله عهدا أن لا أضعها في رأس أحد إلا أخرجها الصعداء فليبلغ الشاهد الغائب . وعمرو بن سعيد هو المعروف بالأشدق ، قتله عبد الملك بيده سنة 69 ه‍وقال - بعد أن فرغ من قتله - : كان أبو أمية أحب إلي من زهر النواظر .

تصدي الإمام الصادق عليه السلام لحركة الزندقة

من التغييرات الفكرية الطارئة في عصر الإمام الصادق (عليه السلام) حركة الزندقة ونشاطاتها الفكرية ، وبروز الأفكار الخطرة التي تسربت إلى منطلقات الفكر الإسلامي ، وأخطر من ذلك تسريبها من قبل الشخصيات التي تحملت مسؤولية البث لهذه الأفكار الفاسدة وإعطاء قوة الثبت والدفع . ونحن لا نريد أن نتطرق إلى حركة الزندقة ودوافعها السياسية والتأريخية ، ولكننا سنحاول عرض شيء موجز من ذلك مما يرتبط بالبحث . ولم تكن الزندقة بمفهومها الإلحادي بموضوع طارئ وغريب عن واقع الرسالة الإسلامية منذ بدء انطلاقها ، ففي الكتاب المجيد آيات كثيرة تطرقت إلى معالجة الإلحاد ووجود الله سبحانه ، ووجوب توحيده مما يشعر بأن قضية الإلحاد كانت من أهم المشاكل التي تعرضت الرسالة لمعالجتها وحسمها بما يتناسب وفطرة الإنسان السليمة وبساطة تفكيره ، بعيدا عن عقد الشبهات الفلسفية والالتباسات الفكرية ، كما ردهم القرآن الكريم بقوله : (كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ثم إليه ترجعون) (19) . غير أن فكرة الزندقة والإلحاد في عصر الإمام الصادق (عليه السلام) اتخذت شكلا علميا معمقا ، وجعلت من عقيدة التوحيد السهلة اليسيرة مشكلة فكرية معقدة ذات طابع فلسفي غامض . ولعل من أهم أسباب طروء هذا التغير الفكري هو انتشار البحوث الكلامية المعمقة ، والتوسع في جهاتها المنهجية التحليلية بعيدة عن البساطة الفطرية ، والصفاء الذهني والوجداني للإنسان . والسبب المهم الآخر هو الانفتاح العلمي المفاجئ على المدارس الفلسفية اليونانية ، والفلسفات الأخرى التي طورت الذهنية العلمية وأعطت للحوار العقائدي بين العلماء والمفكرين مجالا واسعا وعميقا بما تحمله من نظريات غامضة وشبهات وتشكيلات قد تبتعد بالإنسان عن معطيات الفطرة السليمة . وقد ظهرت الانقسامات الفكرية في عصر الإمام الصادق (عليه السلام) وتنوعت المذاهب والمدارس الفكرية الإسلامية واختلفت في إتجاهاتها وتباينت عمليات التركيز العام للأسس العقائدية والتشريعية فيما بينها ، وانطلقت حركة الجدل الحاد بين مختلف الفرق الكلامية ، ما بين المعتزلة والقدرية والمرجئة والخوارج وغيرها من الفرق التي خلفتها عوامل الانحراف الرهيب من سياسية وفكرية وغيرها من مسببات الانقسام والتمزق التي سببها غياب القيادة الإسلامية الملتزمة والمسؤولة ، وضعف القيادات القائمة رساليا وفكريا ، فضلا عن أن بعض القيادات الحاكمة كانت تشجعها .
المصادر :
1- حلية الأولياء 3 : 194
2- الكليني ، الأصول من الكافي ، الجزء الثاني ، باب الظلم
3- الكليني ، الكافي ، الجزء الثاني ، باب الظلم .
4- الطبرسي ، مشكاة الأنوار ، فصل الظلم : 315
5- الطبرسي ، مشكاة الأنوار ، فصل الظلم : 316
6- الطبرسي ، مشكاة الأنوار ، فصل الظلم : 318
7- الطبرسي ، مشكاة الأنوار : 316
8- الطبرسي ، مشكاة الأنوار : 316
9- المجلسي ، بحار الأنوار 75 : 372 ، عن كتاب ثواب الأعمال
10- قاطع الإمام علي بن موسى الرضا (عليه السلام) الحكام في عصره ، إلا أنه لظروف خاصة قبل ولاية عهد المأمون وبشروط وتحفظات تحفظ للإمام بعده عن سوء التصرف وسوء استعمال السلطة والتسلط الظالم .
11- أما الإمام الجواد (عليه السلام) فلم تطل فترة حياته ، وزوجه الخليفة المأمون ابنته ، وحاول تكوين علاقة معه لاستمالة الرأي العام الموالي لأهل البيت (عليهم السلام) ، ومع ذلك فإن الإمام الجواد لم يساهم في شيء ، ولم يعن المأمون أو يتعاون معه .
12- محمود أبو زهرة ، الإمام الصادق (عليه السلام) : 139
13- من عظماء فقهاء مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) ، عاش في الفترة ما بين 734 - 786 ه‍.
14- الشهيد الثاني ، الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية للشهيد الأول 3 : 213 ، الطبعة الثانية
15- هود : 113
16- الكليني ، أصول الكافي 1 : 306
17- ابن الأثير ، الكامل في التأريخ 4 : 499
18- المسعودي ، مروج الذهب 3 : 240
19- البقرة : 28


source : rasekhoon
0
0% (نفر 0)
 
نظر شما در مورد این مطلب ؟
 
امتیاز شما به این مطلب ؟
اشتراک گذاری در شبکه های اجتماعی:

آخر المقالات

جامعة أهل البيت
فضائل الامام الهادي عليه السلام
ابن حجر و التوسّل
حق الأئمة
حياته الاجتماعية
عصر الإمام السجاد (عليه السلام)
ألإمام علی زین العابدین علیه السلام
راية العزاء الحسيني ترتفع فوق قبة مرقد الإمام ...
شذرات من حياة الامام علي بن موسى الرضا عليه ...
الامام الحسين عليه السلام منهج ثوري متكامل

 
user comment