عربي
Thursday 23rd of May 2024
0
نفر 0

الميرزا الشيرازي ودوره السياسي في ثورة التنباك

شهد عصر المجدد الشيرازي الكبير، أحداث سياسية ضخمة، أشارت بوضوح إلى دور المرجعية وقيادتها في مسيرة الأمة، وقد تحدث الدكتور علي الوردي عن هذا الدور الذي مثل الزعامة الدينية والسياسية في آن واحد، حيث توطأ هذا الدور وا
الميرزا الشيرازي ودوره السياسي في ثورة التنباك

شهد عصر المجدد الشيرازي الكبير، أحداث سياسية ضخمة، أشارت بوضوح إلى دور المرجعية وقيادتها في مسيرة الأمة، وقد تحدث الدكتور علي الوردي عن هذا الدور الذي مثل الزعامة الدينية والسياسية في آن واحد، حيث توطأ هذا الدور واثر بعد أن تولى السيد الشيرازي منصب المرجعية العليا للشيعة في العالم، إذ جرت في عهده أحداث هامة كان لها أثرها الاجتماعي في العراق وإيران. وفي ضوء هذه الأحداث اُعتبر الشيرازي الكبير، أعظم مجتهد شيعي في العهد الحميدي العثماني. ووصف بأن عقله السياسي كان محيراً للسياسيين وأن أهل العلم والسلاطين يرجعون إليه في الأمور السياسية.

لقد اتسمت مرجعية السيد الشيرازي بمواقف سياسية رئيسة بارزة، حملت دلالات (دينية – سياسية) كبيرة الأهمية، وهي:

ثورة التنباك:

هذا الحدث السياسي من أهم القضايا الساخنة التي تعرضت لها مرجعية الإمام الشيرازي الكبير، وكان موقفه الجريء يمثل انتفاضة عارمة ضد السلطة حينذاك، وأكدت أن (سلطان الدين أقوى من كل سلطان).

وبدأت فصول القضية، حين قام ناصر الدين شاه القاجاري سنة 1306هـ، بعقد اتفاقية مع شركة إنكليزية باحتكار (التبغ الإيراني) وبموجب هذا العقد فإنه يحق للإنكليز التصرف بالتبغ (التتن) في داخل إيران وخارجها، وعلى أثر هذا الامتياز، وصل إلى إيران أكثر من مئتي ألف أجنبي، قاموا باستغلال المواطنين واستضعافهم، وإشاعة المفاسد الاجتماعية والأخلاقية، وقد أرسل المجدد الشيرازي برقية من سامراء المقدسة إلى الشاه القاجاري حول هذا الموضوع، جاء في بعض فقراتها: (إن تدخل الأجانب في الأمور الداخلية للبلاد، واختلاطهم بالمسلمين، وإشاعة الفساد تحت ستار امتياز التنباكو، يُعتبر منافياً لصريح القرآن الكريم، والقوانين الإلهية، وبالتالي يؤدي إلى ضعف الدولة وعدم تمكنها من المحافظة على سيادتها واستقلالها، وهذا مما يزيد قلق المواطنين وقلقنا على مستقبل المسلمين).

كما أثر هذا الامتياز للشركة الأجنبية على الحركة التجارية الداخلية والسوق المحلية، وكلما حاول الأهالي ثني الشاه عن عقد هذه الاتفاقية لم يجدِ نفعاً، وأصر على إبرامها وتنفيذها، والتي من نصوصها: أن تتولى الشركة زراعة التبغ وبيعه وتصديره لمدة خمسين عاماً بدءً من سنة 1890م، كما حدث في الهند.

وعلى أثر ذلك اندلعت انتفاضة شعبية عام 1890م بقيادة العلماء في إيران، وكان من أبرز المجتهدين في طهران الذين قادوا الانتفاضة آية الله الميرزا محمد حسن الآشتياني -قدس سره- وأدرك علماء إيران أن توفير فرصة أكبر لنجاح الانتفاضة الشعبية من أجل إلغاء الاتفاقية يتطلب دعم وتأييد المرجع الأعلى للشيعة السيد الشيرازي، فأرسل عدد منهم برقيات إليه طالبين منه دعمهم، فرد عليهم طالباً منهم توضيحاً أكثر لمطالبهم، كما أرسل المجدد الشيرازي رسائل عديدة إلى الشاه يطالبه فيها بـ‍الاستجابة للرعية في إلغاء الاتفاقية، غير أن الشيرازي عندما يئس من إقناعه بإلغائها، أصدر فتواه الشهيرة، والتي كان نصها:

(بسم الله الرحمن الرحيم، استعمال التنباك والتتن حرام بأي نحو كان، ومن استعمله كمن حارب الإمام عجل الله فرجه. محمد حسن الحسيني الشيرازي) وهذه الفتوى كانت بمثابة (القنبلة) من حيث تأثيرها على المجتمع الإيراني فقد تم استنساخها بمئة ألف نسخة، وزعت في مختلف أنحاء إيران وتليت من على المنابر في المساجد والحسينيات.

ثم أعقبها المجدد بالفتوى الأخرى: (إذا لم يُلغ امتياز التنباكو بشكل كامل، سأعلن الجهاد العام خلال ثمان وأربعين ساعة) وعلى أثر ذلك حدثت أضطرابات وتظاهرات في أماكن متعددة تطالب بالغاء الامتياز بصورة كاملة، وأخيراً أضطر الشاه القاجاري تحت ضغط الجماهير بقيادة العلماء إلى الإعلان عن إلغاء الامتياز كاملاً.

وفي الحقيقة كانت قضية التنباكو، نهضة إسلامية ضد الأهداف الاستعمارية، قادها علماء الدين الأفاضل بقيادة المجدد الشيرازي الكبير، لنيل الحرية والاستقلال، والحفاظ على الهوية الإسلامية للشعب الإيراني المسلم.

زيارة مندوب الشاه إلى المجدد الشيرازي:

عندما أصدر المجدد الكبير فتواه، بعث الحاكم ناصر الدين شاه القاجاري، مندوباً إلى الإمام الشيرازي ليشرح له فوائد المعاهدة مع البريطانيين، لعله يقنع السيد في سحب فتواه، فدخل المندوب على السيد الشيرازي، وأخذ يتكلم بكلام مسهب حتى انتهى بعد إطناب وتملق، فكان جواب الشيرازي الكبير، هذه الكلمة الشريفة فقط: (لا اله إلا الله) ثم أمر المجدد بإحضار القهوة، إشارة إلى ختام الجلسة، وعندها خرج المندوب الإيراني، وعاد مرة أخرى في اليوم الثاني، وهو يعيد كلامه الأول بأسلوب آخر. ولما انتهى من كلامه، أعاد السيد الشيرازي، كلمته بإضافة (ثم) فقال: (ثم لا اله إلا الله) وهكذا أمر بإحضار القهوة إشارة إلى انتهاء اللقاء. ولما رجع المندوب، سأله الشاه: ماذا كانت نتيجة اللقاء بالإمام الشيرازي؟ فقال المندوب: (لا شيء، فقد قال السيد: لا اله إلا الله).

أثار الفتوى:

إن جميع أهالي إيران تركوا التدخين، وكسروا (النارجيلات) وكل آلة تستعمل للتدخين في بلاد إيران، حتى أن نساء قصر الشاه كسرن آلات التدخين في القصر، وعرف الشاه هذه الحقيقة التي لم يتصورها لحظة ما، بأن قوة المرجع الديني أقوى من سلطته.

إن ملايين من المتعاطين للتنباك –حينذاك- في إيران تركوا التدخين امتثالاً لأوامر الإمام الشيرازي، وكانت النتيجة المباشرة للفتوى والانتفاضة إرغام حكومة الشاه على إلغاء الاتفاقية، فإن نتائجها الفكرية والسياسية في إيران والعراق كانت بعيدة الأثر، واضطر الشاه إلى فسخ الاتفاقية، ودفع خسارة الشركة.

وحُكي أن بعض الفسقة كانوا جالسين في إحدى المقاهي، فعندما سمعوا إن الميرزا الشيرازي قد حرم التدخين، قاموا على التو بكسر وتحطيم نارجيلاتهم، فقال لهم بعض الجالسين في المقهى: انتم ترتكبون كل منكر ولاتتورعون عن فعل المُحرّم وكيف والحالة هذه تمتثلون لفتوى الشيرازي وتمتنعون عن التدخين وتكسرون آلته، إن هذا الأمر مستغرب منكم، فقالوا: إننا نفعل المعاصي ولنا أمل بالرسول وآله بيته أن يشفعوا لنا إلى الله سبحانه وتعالى ويطلبوا لنا غفران ذنوبنا، والميرزا الشيرازي اليوم هو نائبهم وحامي شرعهم ومُؤديه إلى الناس، فنحن نأمل أن يشفع لنا عندهم، فإذا أغضبناه فمن الذي يشفع لنا ويسأل من الله غفران ذنوبنا؟ إن هذا الكلام البسيط يبرهن لنا كيف أن فتاوى الميرزا الشيرازي كانت تترك تأثيراً عميقاً وعلى أوسع نطاق، سواء في الوسط الشعبي أو في الأوساط السياسية الحاكمة.

وبالرغم من أن قضية (التنباك) قد حصلت في إيران، وأن ما أسفر عنها من تفاعلات ونتائج أثرت بشكل أساسي في المجتمع الإيراني، فقد كان لها صدى قوي في العراق، ولا سيما في المناطق والمدن الشيعية، الذي كانت من بين أسبابه تشابك العلاقات بين هذه المناطق والمدن وإيران، وانعكاس الأحداث عليها، وكذلك بسبب التدخل للمرجع الأعلى -الذي مقره في العراق- في القضية، وتزعمه للانتفاضة.     

وقد تابع العراقيون، وخاصة في المناطق الشيعية تلك الأحداث باهتمام كبير. وأما داخل الحوزات والحلقات والمدارس العلمية فإنها أثارت جدلاً فكرياً وسياسياً عاماً، وهكذا مثلت الفتوى التي أصدرها الإمام الشيرازي، وتدخله المباشر في قضية التنباك، والانتفاضة المتولدة عنها، إحدى أهم المواقف والنشاطات الفكرية والسياسية للعلماء المسلمين الشيعة في العراق في أواخر القرن التاسع عشر، وشكلت مظهراً رئيساً من مظاهر الاتجاه الثقافي الفكري السياسي الإسلامي الذي مهد لقيام الحركة الإسلامية في العراق أوائل القرن العشرين.


source : abna24
0
0% (نفر 0)
 
نظر شما در مورد این مطلب ؟
 
امتیاز شما به این مطلب ؟
اشتراک گذاری در شبکه های اجتماعی:

آخر المقالات

نبذة تاريخية عن سامراء العراق ومشهدي العسكريين
خالد بن الوليد و الطوق في الجيد
العراق ودوره في عصر الظهور:
تأملات وعبر من حياة النبي سليمان (ع)
دوافع المأمون من تولية العهد للإمام الرضا (عليه ...
قالوا في زيد بن علي
تأملات وعبر من حياة يوسف (ع) - ج 4
حقيقة معنى الانتقال من الأمويين الى العباسيين
في الاعراب لأن الفعل اذا كان صفة مرفوع واذا كان ...
تشكيل الحكومة الاسماعيلية في ايران .

 
user comment