عربي
Tuesday 21st of May 2024
0
نفر 0

المسيح.. في كربلاء

وفي هذا السياق.. نوجّه الأنظار والأذهان إلى شيءٍ ممّا اعتقده إنسان غير مسلم و صرّح به، وكتبه ببراعٍ صادق مۆمنٍ بالحقائق التي توصّل إليها بقلبه و ضميره . ذلك هو الكاتب « أنطون بارا » في مۆلَّفه: « الحسين في الفكر المسيحيّ ». فدَعُونا ـ أيّها الإخوة ـ نعيش مع هذا الكتاب بعض فقراته التي ترى الإمام الحسين عليه السّلام فوق الاعتبارات الضيّقة، وفوق نطاق الجغرافية.. نراه حاضراً في الضمير الإنسانيّ الحيّ والوجدان المتيقّظ.. وفي كلّ رسالات الأديان النزيهة. يدخل أنطون بارا في أجواء كربلاء و أيّام
المسيح.. في كربلاء

وفي هذا السياق.. نوجّه الأنظار والأذهان إلى شيءٍ ممّا اعتقده إنسان غير مسلم و صرّح به، وكتبه ببراعٍ صادق مۆمنٍ بالحقائق التي توصّل إليها بقلبه و ضميره . ذلك هو الكاتب « أنطون بارا » في مۆلَّفه: « الحسين في الفكر المسيحيّ ». فدَعُونا ـ أيّها الإخوة ـ نعيش مع هذا الكتاب بعض فقراته التي ترى الإمام الحسين عليه السّلام فوق الاعتبارات الضيّقة، وفوق نطاق الجغرافية.. نراه حاضراً في الضمير الإنسانيّ الحيّ والوجدان المتيقّظ.. وفي كلّ رسالات الأديان النزيهة.
يدخل أنطون بارا في أجواء كربلاء و أيّام عاشوراء، فيستوحي المعاني من أعماق التاريخ، و يتأمّل في مشاهد عديدةٍ من قصّة الشهادة العظمى التي تَجلَّت في مواقف الإمام الحسين عليه السّلام في أبعادٍ لا يمكن تصوّرها. ثمّ يبقى هذا الكاتب المسيحيّ معجبَاً و هو يحلّل الوقائع حتّى ينغمر في أجواء الطفّ وكأنّه مسلمٌ واعٍ ينتصر لسيّد الشهداء و يتنفّر من أعدائه و قتلته، ثمّ يعود إلى التاريخ فيسطّر عنواناً نصُّه: « المسيح.. هل تنبّأ بالحسين ؟ »، ليكتب هذه الفقرات:

أيُّها القاتلون ـ جهلاً ـ حسيناً               أبشِـروا بالعـذابِ والتنكيـلِ
قد لُعِنتُم على لسـان ابـن دا                 ودَ وموسى وصاحبِ الإنجيلِ

لقد لعنَ المسيحُ قاتلي الحسين و أمر بني إسرائيل بلعنهم، قائلاً:« مَن أدرك أيّامَه فليُقاتِلْ معه، فإنّه ( أي المقاتل مع الحسين ) كالشهيد مع الأنبياء مُقْبلاً غير مُدْبِر، و  كأنّي أنظر إلى بقعته، و ما مِن نبيٍّ إلاّ وزارها وقال: إنّكِ لَبقعةٌ كثيرة الخير، فيكِ يُدفَن القمرُ الزاهر » (1).
في هذا النصّ ( والحديث ما زال للكاتب أنطون بارا ) ثلاثُ نقاطٍ ذات دِلالةٍ و أهميّة:
1 ـ لعنُ المسيح لقاتلي الحسين، و أمرُه لبني إسرائيل بلعنهم.
2 ـ الحثّ على المقاتلة مع الحسين، بإيضاح أنّ الشهادة في هذا القتال كالقتال مع الأنبياء.
3 ـ التأكيد على زيارة كلّ الأنبياء لبقعة كربلاء، بالجزم التامّ على أنّ « ما مِن نبيّ إلاّ وزارها ».
و تذكر بعض المصادر التاريخيّة(2) أنّعيسى ابن مريم عليهما السّلام مرّ بأرض كربلاء، و توقّف فوق مطارح الطفّ، ولعن قاتلي الحسين و مُهْدِري دمه الطاهر فوق هذا الثرى(3).

• من الخصائص الحسينية المتألّقة
و نظرة واحدة إلى الملايين المۆمنة من البشر، التي تۆمّ قبر الحسين و مزارات آل البيت في كلّ مكان، لَكافيةٌ كي تدعم الرأي بتعاظم قوّة العقيدة وتمكّنها من النفوس، ورغبةِ المۆمنين في أن يظلَّ لقتل الحسين حرارةٌ متأجّجة لا تبرد في قلوبهم أبداً.. طالما هم مو’منون، و صراطهم مستقيم.
فكيف سيكون ما كان، لولا الذي كان من استشهاد سيّد شباب أهل الجنّة، و إزهاق الباطل الذي عبّر عنه القرآنُ الكريم بقوله: إنَّ الباطِلَ كانَ زَهُوقاً ؟
و كيف كان وسيكون، مِن خَلْق هذا الشهيد لولا اختيار العناية الإلهيّة له، ولولا تعهّدُ جَدّه النبيّ الأكرم بتنشئته تنشئةً نبويّة ؟ فارتقت إنسانيّته إلى حيث نبوّة الجَدّ « أنا مِن حسين »، ( واصطفّت ) نبوّة الجدّ إلى حيث إنسانيّته « حسينٌ منّي ». ولا عجب في ذلك... فالحسين ـ في هذا ـ وَرِث خصائصَ جدّه من حيث الغَيرة على الدِّين، والاستعداد لبذل ما هو غالٍ في سبيله.
وقولة الرسول: « حسينٌ منّي و أنا مِن حسين »، و « اللهمّ أحِبَّه؛ فإنّي أُحبّه » فيهما شهادةٌ و تكليف :
شهادة: بأنّ النبيّ ( صلّى الله عليه وآله ) قد عَهِد براية الإسلام الذي أُنزِل عليه إلى سِبطه الحسين الذي هو بضعةٌ منه.
و تكليف: للابن الذي أحبّه الرسول و طلب من ربّه أن يُحبّه، بالاستشهاد صَوناً للعقيدة، و دفاعاً عن روح الدين من العبث والاستهتار اللَّذينِ كادا يۆدّيانِ إلى اضمحلاله، فكانت هذه الشهادة و هذا التكليف هما العنوانَ الضخم والرمز الخالد لنهضة الابن في سبيل عقيدة الجدّ، حتّى استحقّ ـ عن جدارة ـ مغزى قولة: الإسلام.. بَدۆُه محمّديّ، و بقاۆه حسينيّ ».
فالحسين.. البضعة الرسوليّة، قام بمهمّةٍ لا تقلّ خطراً عن مهمّة جَدّه، فأبقى الإسلامَ كما بشّر به جدُّه الكريم، و أودع في صدور المسلمين وديعةً ثمينةً تنبّههم بوجوب الحفاظ عليها، كأندرِ و أغلى ما يملكون(4).

• صورة النبيّ صلّى الله عليه وآله
لقد جاء في أخبار الحسين عليه السّلام أنّه كان صورةً تشكّلت من صورة جدّه النبيّ صلّى الله عليه وآله، له شَبَهُه في الخُلُق والخِلقة.. تطلّع إليه الجدّ فرأى في مَخايِله سيماءَ مستقبل الأمّة وسۆددها، و حاملَ لوائها مِن بعده.
السبط النبويّ ـ تطلّع إلى جَدّه.. فرأى فيه معنى الدِّين و معنى العقيدة، واستشفّ من الأذان الذي كبّره ( جَدُّه ) في سريرته ـ ولمّا يَزَل ( الحسين ) رضيعاً ـ رۆى المستقبل الآتي.
سيّد الشهداء ـ سما في شهادته فوق سمّو كلّ الشهادات التي أُوتيها أرباب الديانات و شهداۆها.. منذ زكريّا و يحيى حتّى المسيح، فكان ( الحسين ) إمامَ حقّ، و سيّدَ شهداءِ الحقّ.
سيّد شباب أهل الجنّة ـ أتمَّ حجّةَ الله في خَلْقه وفي دِينهِ الحنيف، و أبرزَ مظلوميّةَ آل محمّد، و أعاد دين النبيّ ـ الذي بشّر به إلى صراطه المستقيم ـ فأفنى ذاته و أهله في هذا السبيل، رَخّص نفسه الغالية فأغلى له اللهُ تعالى نفسَه على أنفُسِ ساكني جنّة خُلده، فصار سيّدَهم بما عَمِل وضحّى، و صار أحبَّ أهل الأرض إلى أهل السماء(5).
• شمعة الإسلام ـ أضاءت لملايين المسلمين دربَ خلاصهم، و عرّفت لهم موطئ أقدامهم، و جنّبتْهمُ الزللَ في حُفَر الضلالة والسقوطَ في فِخاخ الخطيئة والتهاون، و أبانت لبصائرهم ـ بسطوعها المتجلّي أبداً ـ مسالكَ الحقّ، و طردت عنها معالمَ الوحشة لقلّة سالكيها، فعَبَرها المۆمنون آمنينَ مستنيرين بأنوار الشمعة التي أضاءت ـ باحتراقها فوق ثرى كربلاء ـ ولم تَزَل تُضيء.. حتّى يقضيَ اللهُ أمراً كان مفعولاً.
دِرع الإسلام ـ ذبَّ عن الإسلام الأذى المتمثّلَ بوهن العقيدة و انحلال روحانيّة الدِّين، بعد أن غدت العقيدة ( في قلوب الناس ) ضَعفاً لا يتّصل بقوّة، بعد أن كانت قوّةً لا تتّصل بضَعف، فأغار ( الحسين عليه السّلام ) على مواطن الوهن والإثم، بالقول والفعل، و تلّقى ( عليه السّلام ) ـ بصبرٍ نادرٍ عجيبٍ ـ كلَّ ما شَهَره في وجهه: حَفَدةُ الشيطان، مستحلّو حُرَم الله و ناكثو عهوده، و مخالفو سُنّة رسوله، العاملون في عباد الله بالإثم والعدوان.. فكان ( عليه السّلام ) ـ بتصدّيه للأذى اللاّحق بالعقيدة ـ دِرعَ الإسلام بحقّ. فلولاه، لَما كان الإسلام إلى ما صار إليه: عقيدةً ثابتة تترع في وجدان المسلمين و ضمائرهم، بعد أن كاد يتحوّل إلى مذهبٍ باهتٍ يُركَن في ظاهر الرۆوس التي أدارتها نحو المذهبيّة الساذجة الحمقاء ممارساتُ القائمين على أمور المسلمين من حكّامٍ و أذنابِ سلطةٍ و مَدّاحي دواوين!
ضمير الأديان إلى أبد الدهور ـ.. باستشهاده ( عليه السّلام )، الذي لم يسجّل التاريخ مثيلاً له، تكرّست ثورته كضمير للأديان السماويّة، يستصرخ أبداً مناطقَ الشعور في الأنفس، و ينبّه بتواترٍ لا يَهدأ مَثاوي العقيدة في الحَنايا، فكأنّه من الدين المعنى الدينيّ، ( رتّله ) في المهج على مقدار ما فيه من معناه.
حسيننا ضمير الأديان، والضمير محبّةٌ و تحابٌّ و غَيرة، في تلافيفه حنوُّ المستقبل و نَصَعانه، و من آياته المُعبِّرة في صيغةٍ تعبيريّة عن حقيقتها: يا أيُّها الذينَ آمَنُوا مَن يَرتَدَّ مِنكُم عن دِينهِ فسوفَ يأتي اللهُ بقومٍ يُحبُّهم و يُحبّونَه، أذلّةٍ على المۆمنين، أعزّةٍ على الكافرين، يُجاهِدونَ في سَبيلِ اللهِ لا يَخافونَ لَومَةَ لائم، ذلك فضلُ اللهِ يُۆتيهِ مَن يشاء، واللهُ واسعٌ عليم (6)...
خير الأمم أمّةٌ هُدِيَت إلى الحقّ فهَدَتْ به، فالحقُّ يَجعل من الأمّة خيرَ الأمم، و من المۆمنين خيرَ البشر وممّن خَلَقْنا أُمّةٌ يَهدون بالحقِّ وبهِ يَعْدِلون (7).
مقياس الأمم قبول الحقّ والعمل به، و مقياس المقاييس خير المۆمنين فئةٌ هدَتْ إلى الحقّ و عدلَتْ به، و نَهَتْ عن نقيضه.
فمَن مِن المۆمنين فعَلَ هذا ؟

مَن الذي أعلن على رۆوس الملأ قوله هذا:
« إنّما خَرَجتُ لطلبِ الإصلاح في أمّةِ جَدّي.. أُريد أن آمرَ بالمعروفِ و أنهى عن المنكرِ. فمَن قَبِلَني بقبولِ الحقّ فاللهُ أولى بالحقّ، و مَن رَدَّ علَيّ هذا أصبِرُ حتّى يقضيَ اللهُ بيني وب ين القوم بالحقّ، واللهُ خير الحاكمين » ؟
إنّه الحسين سيّد الشهداء في ميادين الحقّ، والذي كانت نهضته تمثيلاً عمليّاً لضمير الأديان على مرّ الدهور.
ولئن اعتُديَ على الحقّ الإلهيّ في غفلةٍ من الزمن، وفي حَلْكة الظلام، فلهذا الحقّ في ضمير الكون شاهد. وكان الحسين عليه السّلام ضميرَ الأديان في عمر الدهور، هو الشاهد الأوحد على محاولة إزهاق الحقّ في ضمير الكون.
و يأبى اللهُ إلاّ أن يُتمّ نوره.. و تأبى حكمته إلاّ أن تبلغ مَداها في فضاء العزّة والجلالة، لتغمرَ آفاقَ البشريّة بالقدسيّة والعدل والنُّبْل.
لهذا المقصد الإلهيّ.. كان الحسين قبسَ هداية، ومِشكاةَ طُهْر، و نموذج أخلاقٍ فاضلة، فكان حقّاً ضميرَ الأديان إلى يوم القيامة(8).
فسلامٌ عليك يا شهيد الحقّ، ويا سفينة النجاة و مصباح الهدى،و سلام عليك يا منار الدين، و فخرَ الموالين والمحبّين.
( من كتاب: الحسين في الفكر المسيحي ـ تأليف انطون بارا)

الهوامش
1 ـ كامل الزيارات لابن قولويه 67.
2 ـ و منها: كمال الدين و تمام النعمة للشيخ الصدوق ص 295.
3 ـ ص 295 ، 296.
4 ـ ص 310 ـ 311.
5 ـ ص 346 ـ 347.
6 ـ سورة المائدة:54.
7 ـ الأعراف:181.
8 ـ ص 346 ـ 353.


source : alhassanain
0
0% (نفر 0)
 
نظر شما در مورد این مطلب ؟
 
امتیاز شما به این مطلب ؟
اشتراک گذاری در شبکه های اجتماعی:

آخر المقالات

أحاديث أهل السنّة في ولاية عليّ ووصياته
حب أهل البیت علیهم السلام فی الشعر العربی
السرّ في تقبيل التربة الحسينية
لماذا أبو نواس تأخر عن مدح الإمام الرضا(ع)؟
الامام علي (عليه السلام )
السيدة تكتم
شهر رمضان الكريم في كلام أهل البيت (عليهم السلام)
إجبار الإمام علي ( عليه السلام ) على بيعة أبي بكر
الهوية الشخصية للامام العسكري عليه السلام
عبد الله "الرضيع" يوم عالمي للدفاع عن ...

 
user comment