عربي
Saturday 22nd of June 2024
0
نفر 0

صلح الإمام الحسن عليه السلام يحفظ وحدة الكتاب والقبلة ويثقف أهل الشام بالسنة النبوية الصحيحة:

 

صلح الإمام الحسن عليه السلام يحفظ وحدة الكتاب والقبلة ويثقف أهل الشام بالسنة النبوية الصحيحة:

بايع أهل العراق الحسن عليه السلام تبعاً للنصوص النبوية الواردة في حق أهل البيت عليهم السلام ، التي تعيِّنهم أئمة هدى وحججاً إلهيين بعد النبي صلى الله عليه وآله ، والتي أحيا نشرها علي عليه السلام ، وكانت حكومته مشروعة لأنّ بيعة الأمة وقعت في محلها الشرعي ، وبايع أهل الشام معاوية ولم تكن بيعة مشروعة لأنها لم تقع في محلها الشرعي ، وانقسمت الأمة بذلك إلى كيانين سياسيين:

أحدهما : كيان سياسي محوره العراق يرأسه الحسن عليه السلام وهو عازم على مواصلة مسيرة أبيه في إحياء السنة النبوية والعمل بها ونشرها بين المسلمين .

وثانيهما : كيان سياسي محوره الشام ، يرأسه معاوية وهو عازم على إحياء مسيرة أبي بكر وعمر وعثمان ونشر اجتهاداتهم من جديد.

عرض معاوية الصلح على الحسن عليه السلام لحقن الدماء ، وأن يبقى كل طرف على البلاد التي بايعته واقتنعت به .

وكان الحسن عليه السلام أمام هذا العرض بين إحراجين :

فهو إن رفض أطروحة الصلح يكون قد سجل على نفسه أمام الشاميين مخالفة لقوله تعالى ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا الأنفال/60-61 ، ويكون بذلك قد أمدَّهم بمبرر قوي لحربه .

وهو إن أقرَّ أطروحة معاوية في الصلح يكون قد كرَّس جهلَ أهل الشام بالأحاديث النبوية في حق علي عليه السلام وجهلهم بسيرته التي هي سيرة رسول الله صلى الله عليه وآله ، مضافاً إلى ذلك فان أطروحة معاوية في الصلح تستبطن إجراءاً سوف يتخذه معاوية مستقبلاً يقضي بمنع أهل الشام من الذهاب إلى مكة ، حتى لا يختلطوا بالعراقيين ومن ثم يتعلموا منهم أحاديث النبي صلى الله عليه وآله في حق علي عليه السلام ، ولا يتعرفون على سيرته المشرقة ، وهذه الخطوة سوف تجر إلى تبني القبلة الأولى (بيت القدس) في قبال مكة ، وحذف آيات ونسخها من القرآن ، وبذلك تتعدد القبلة ويتعدد الكتاب ، وكذلك تجر إلى أمور أخرى(1) .

ومن هنا قدم الحسن عليه السلام أطروحة جديدة للصلح ، تستند إلى أطروحة جده النبي صلى الله عليه وآله في صلحه مع قريش ، مع تطوير يناسب المقام ويحقق الأهداف كاملة ، وتمثلت هذه الأطروحة الحسنية بأن يسلم الأمر كله لمعاوية لقاء شروط يصوغها الحسن عليه السلام .

وفوجئ معاوية بهذه الأطروحة وطار لها فرحا ، ولم يكن يصدِّق ذلك .

أرسل معاوية للحسن عليه السلام صحيفة بيضاء موقعة من طرفه يكتب شروطه عليها .

وكان من هذه الشروط : أن يكون الأمر للحسن عليه السلام بعد معاوية .

ومنها : أن يترك لعن علي عليه السلام .

ومنها : أن يسير معاوية بالكتاب والسنة .

ومنها : أمان كل شيعة علي عليه السلام.

وغير ذلك .

وحاول معاوية أن يستثني عشرة من شيعة علي عليه السلام من الأمان ، ولكن الحسن عليه السلام رفض ذلك .

واستجاب معاوية أخيراً للشروط ، واتضح لأهل الشام جلياً أن معاوية كان يقاتل على الملك ، وليس من أجل دم عثمان بدليل أنه لما عرض عليه الملك بشرط أمان الناس كلهم بما فيهم من هو متهم من قبل الإعلام الأموي بدم عثمان رضيَ به بل طار له فرحا(2) .

عاشت الأمة عشر سنوات من الصلح ، وكانت سنوات أمان تام ، وتحرَّك أصحاب علي عليه السلام من العراقيين ينشرون سنة النبي صلى الله عليه وآله واختلطوا بأهل الشام في موسم الحج والعمرة ، ومن خلال سفرات إلى الشام كان يعرضها معاوية عليهم ، وانتشرت أحاديث النبي صلى الله عليه وآله في حق علي عليه السلام ، وعرف الشاميون موقعه في الإسلام ، وعرفوا سيرته المشرقة المتطابقة مع سيرة النبي صلى الله عليه وآله .

وأحب الناس جميعاً الحسن عليه السلام لِما حقق لهم من الإمان ولِما رأوا من أخلاقه وعبادته وعلمه من خلال موسم الحج الذي أحياه بالحج ماشياً عشر سنوات بعد الصلح(3) ومن خلال سفراته إلى الشام ، وأدرك الناس بعمق كلمة النبي صلى الله عليه وآله في حق الحسن عليه السلام حين قال : إن إبني هذا سيد وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين(4) .

ضلالة بني أمية:

لم يَرُق لمعاوية أن يموت ويترك الأمور ممهَّدة للحسن بن علي عليه السلام، وقد برَّزته الأحداث كأعظم مُصلح في الأمة ، ثم يستمر الأمر من بعده للحسين بن علي والائمة عليهم السلام من ذريته شهداء على الناس وأئمة هدى يقودون الناس إلى الله تعالى .

وخطط معاوية ليستولي على الأمور ، وليكون هو ونسله أولى بالنبي وبدين إبراهيم عليه السلام ، وأن يعرضوا أنفسهم على الناس أنهم أئمة الهدى ، وخلفاء الله وشفعاؤه في خلقه ، وأن يعرضوا علياً وأهل بيته عليهم السلام ملحدين في الدين استوجبوا اللعنة والبراءة على لسان النبي صلى الله عليه وآله . وبذلك يثأر لأسلافه الذين قُتِلوا في معركة بدر على الشرك ، ويحقق ما لم يخطر على بال أمه هند من صور الانتقام .

كانت العقبة الكؤود أمام هذا المخطط الرهيب وجود الحسن عليه السلام ، ومحبة الناس له ، والكوفة قلعة الولاء لعلي عليه السلام، والأحاديث النبوية الصحيحة في حق علي وأهل بيته ، وتاريخ بني أمية في حرب النبي صلى الله عليه وآله ومخالفات الخلفاء السابقين لسنة النبي صلى الله عليه وآله التي انتشرت أخبارها بين المسلمين جميعا .

كانت ركائز خطة معاوية هي :

1 . اغتيال الحسن عليه السلام بالسم .

2 . المنع من رواية فضائل علي عليه السلام وأهل بيته عليهم السلام .

3 . وضع أحاديث تطعن بعلي عليه السلام وتشوه سيرته وتسوغ لعنه والبراءة منه ثم وضع أحاديث تجعل من شيخصية النبي صلى الله عليه وآله شخصية اعتيادية .

4 . وضع أحاديث في فضائل معاوية والخلفاء السابقين توجب الولاء لهم والتقرب بهم إلى الله تعالى والطاعة المطلقة لهم .

5 . قتل وجوه أصحاب علي عليه السلام باعتبارهم سيقفون معارضين لتلك السياسة وتفريغ الكوفة من شيعة علي بإشغالهم بالفتوح ، وتحويل الكوفة إلى بلد مطيع لبني أمية .

وجَدَّ في ذلك معاوية كل الجِدّ وصرف كل قدراته في تنفيذ تلك الخطوات .

شهد الحسين عليه السلام نقض معاوية لشروط الحسن عليه السلام بعد وفاته وشهد فصول حركته التحريفية التي استهدفت (تفريغ) الإسلام من محتواه المحمدي الأصيل ، الذي يقوم على الولاء لله ولرسوله صلى الله عليه وآله ولعلي والأئمة عليهم السلام من ولده بصفتهم أولى بالنبي صلى الله عليه وآله وبدين إبراهيم ، و(استبداله) بمحتوى أموي يقوم على البراءة من علي عليهم السلام ولعنه بصفته ملحداً في الدين ثم الولاء لبني أمية بصفتهم أولى بالنبي صلى الله عليه وآله وبدين إبراهيم وأنهم أئمة هدى وأنهم خلفاء الله وشفعاؤه في خلقه .

جدَّد وجوه الكوفيين العهد مع الحسين عليه السلام بعد وفاة الحسن عليه السلام وعرضوا عليه النهوض في وجه معاوية لنقضه الشروط ، فأجابهم الحسين عليه السلام أن يكونوا أحلاس بيوتهم ريثما يموت معاوية(5) ، وطلب منهم العمل سراً على مواصلة نشر الحديث النبوي الصحيح ، وتكررت لقاءاتهم مع الحسين عليه السلام لأخذ التوجيه منه وكان آخر لقاء له معهم هو قبل موت معاوية بسنة حيث جمعهم في مؤتمر سري تدارس فيه معهم الخطة بعد موت معاوية .

عيَّن معاوية ولده يزيد خليفة من بعده ، وأخذ البيعة له من الناس وحاول أخذ البيعة له من وجوه كان يخشى أن لا تبايعه بعد موته ، منها الحسين عليه السلام وعبد الله بن الزبير وغيرهما ، ولم ينجح معهم .

المعركة بين الطرفين حول الهداية :

يتضح من ذلك أنَّ المعركة الأساسية بين الحسين عليه السلام وبين ومعاوية وولده يزيد لم تكن معركة حول السلطة بل كانت حول الهداية.

فهي نظير المعركة بين النبي صلى الله عليه وآله وقريش لمّا بُعث في مكة ، حيث كانت قريش بعد وفاة عبد المطلب /بعد ان ميَّزه الله تعالى بقصة الفيل وإبرزه أولى بإبراهيم ودينه/ قد عرضت نفسها على أنها أولى الناس بمقام إبراهيم وبدينه ومن ثم يتعين على الناس أخذ أحكام الحج من قريش ، وخضعت الناس لقريش في ذلك حتى بعث الله تعالى محمد صلى الله عليه وآله وميَّز بني هاشم على غيرهم مرة أخرى .

وهي أيضا نظير المعركة بين موسى وفرعون في مصر كانت معركة حول التوحيد وليست حول السلطة فقد عرض فرعون نفسه على أنه خليفة الله وشفيعه والهادي إلى دينه ورضاه في قبال آل يعقوب واستضعف الأئمة من آل يعقوب بسب عدم خضوعهم له في ذلك ، وبعث الله تعالى موسى ليميِّز آل يعقوب من جديد ولينقذهم من العذاب المهين ويفتح الطريق لإمامتهم الهادية.

وكذلك فإنَّ المعركة الأساسية بين علي عليه السلام والخلفاء القرشيين الثلاثة كانت حول الهداية وليس حول السلطة ، علي عليه السلام يرفض بيعة أبي بكر ولو وجد أربعين ذوي عزم لجاهدهم ليس لأجل الملك بل لأجل حفظ رسالة النبي صلى الله عليه وآله من أن تعبث بها قريش المسلمة قريش التي جعلت من سيرة أبي بكر وعمر في عداد كتاب الله وسيرة النبي صلى الله عليه وآله ، وقد رفض علي عليه السلام أن يبايعه عبد الرحمن بن عوف على أساس ذلك ، ولما وجد الأنصار نهض وقاتل كما فعل النبي صلى الله عليه وآله . وانتشرت سنة النبي صلى الله عليه وآله من جديد في الجيل الذي حرم منها ولولا علي عليه السلام لم تنتشر .

وكذلك فإن المعركة بين معاوية والحسن عليه السلام لم تكن حول السلطة بمعنى أن الحسن عليه السلام لم يصالح معاوية من أجل أن يرجع إليه الملك حسب ، وإن كان هذا الملك من حقه ولكنه صالَح حتى تحفظ الرسالة من خطر التحريف المستلزم بعثة نبيّ وبطلان ختم النبوة . ولولا الصلح لتعددت القبلة وتعدد الكتاب فضلاً عن ضياع الشريعة وأحكامها.

وكذلك الأمر بين الحسين عليه السلام ومعاوية ويزيد ، فلم يكن رفض البيعة من قبل الحسين عليه السلام ثم أخذ البيعة من أهل الكوفة لأجل الملك(6) ، بل رفض البيعة ليزيد وقال(لو لم يكن لي ملجأ لما بايعت يزيد) ، لأن البيعة ليزيد ولو كرها تعني السكوت عن أخطر عملية تحريف للسنة النبوية ، لأنه تحريف يجعل من عليٍّ عليه السلام رمزاً للإلحاد في الإسلام والإنحراف عنه ويكون لعنه من أفضل القربات عند الله ، ويجعل من الخليفة الأموي رمزاً للهداية تكون طاعته من أفضل الطاعات ، وبقي الحسين عليه السلام على موقفه حتى حين حوصر وفُصِل بينه وبين أنصاره ، وهذا النوع من الإنحراف لم يكن حتى زمن الخلفاء الثلاثة .

وفيما يلي تفصيل عن مفردات الواقع السياسي والإجتماعي الذي تحرك فيه الحسين عليه السلام وكيف انحصر التغيير وفتح خط الهداية به وكيف كانت خطة الحسين عليه السلام لذلك .

______________________

(1) من قبيل الاقتتال فيما بينهم ، ثم طمع الروم فيهم وزوال الدولة الاسلامية مبكرا .

(2) روى ابن عبد ربه في العقد الفريد أن معاوية حج سنة 44 ولما دخل المدينة وزار بيت عثمان استقبلته عائشة بنت عثمان صائحة واعثماناه ...

(3) يذكر المترجمون للحسن عليه السلام أنه حج خمساً وعشرين حجة ماشياً على قدميه ، فتكون هذه في السنوات الماضية من حياته عليه السلام .

(4) أوردتها كتب الصحاح والمسانيد .

(5) روى اليعقوبي في تاريخه قال : ولما توفي الحسن وبلغ الشيعة ذلك اجتمعوا بالكوفة في دار سليمان بن صرد ، وفيهم بنو جعدة بن هبيرة ، فكتبوا إلى الحسين بن علي يعزونه على مصابه بالحسن : (بسم الله الرحمن الرحيم ، للحسين بن علي من شيعتة وشيعة أبيه أمير المؤمنين سلام عليك ، فإنا نحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو ، أما بعد ، فقد بلغنا وفاة الحسن بن علي ... ما أعظم ما أصيب به هذه الامة عامة ، وأنت ، وهذه الشيعة خاصة ، بهلاك ابن الوصي وابن بنت النبي ، علم الهدى ، ونور البلاد المرجو لاقامة الدين ، وإعادة سير الصالحين ، فاصبر رحمك الله ... فإن فيك خلفا ممن كان قبلك ، وإن الله يؤتي رشده من يهدى بهديك ، ونحن شيعتك المصابة بمصيبتك ، المحزونة بحزنك ، المسرورة بسرورك ، السائرة بسيرتك ، المنتظرة لامرك ، شرح الله صدرك ، ورفع ذكرك ، وأعظم أجرك ، وغفر ذنبك ، ورد عليك حقك) .

(6) كما فعل ابن الزبير حين رفض بيعة يزيد وأخذ البيعة من أهل مكة لأجل الملك.

 

0
0% (نفر 0)
 
نظر شما در مورد این مطلب ؟
 
امتیاز شما به این مطلب ؟
اشتراک گذاری در شبکه های اجتماعی:

آخر المقالات

علي ( عليه السلام ) مع الحق والحق مع علي ( ع )
بكاء الإمام زين العابدين ( عليه السلام ) على أبيه ...
علی الأکبر (علیه السلام)
الامام محمّد الباقر علیه السلام
العباس ابن الإمام علي عليهما السلام
ما هي أهم وقائع حركة التوابين؟ و هل يتوب الله ...
ولادة الإمام علي الهادي(عليه السلام)
وصية فاطمة عليها السلام
الإمـام الكـاظـم عليه السلام في أسطر
استسقاء الإمام السجاد ( عليه السلام ) لأهل مكة

 
user comment