عربي
Saturday 20th of July 2024
0
نفر 0

مراحل تاريـخ التشـيع

مراحل

تاريـخ التشـيع

اعتبرت الرجعية ما أعلنه النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) يوم غدير خم شيئاً خطيراً، فلم يكن من السهل عليها وصول علي(عليه السلام) إلى الحكم بعصبته المتماسكة ورجاله المتشبعين بمبادىء الحرية والعدالة والمساواة، والعازمين على عدم التفريط بذرّة مما قرره الاسلام للشعوب من حق الحياة الكريمة، والمتصلبين في دفع الانتهازيين والاستغلاليين والمنحرفين عن التغلغل إلى ازمّة القيادات الاسلامية.

لقد صبرت الرجعية وقرّت في عهد النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) ولم يبق لمناهجها مكان في المسيرة الاسلامية المتوثّبة، هذه الرجعية التي رأت آخر آمالها ينهار يوم فتح مكة حين أبصرت أنّ الرجل الاسود « بلالاً » الحبشي هو الذي عهد إليه النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) بأن يصعد على ظهر الكعبة معلناً كلمة الاسلام، صارخاً بالشهادتين[1]

لقد كان ممكناً أن يصعد أيّ رجل غير (بلال) فيقف هذا الموقف، ولكن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) اختار (بلالاً) بالذات ليُري قريشاً الحّد الفاصل بين الماضي والحاضر: العبيد السود حين يخلصون لدعوة الهدى هم اليوم السادة، والقرشيون الّذين قاتلوا الدعوة هم الذين ينفّذون أوامر السادة الجدد في وجوب تلبية نداء الحق.

ولم تكتم الرجعية حنقها حتى وهي في هزيمتها الفاصلة، فقال قائلها: ألم يجد محمد غير هذا الغراب الاسود ينعب بهذا النداء في آفاقنا؟([2]).

لقد صبرت الرجعية متسائلةً بينها وبين نفسها: أتسنح الفرصة من جديد؟ وكان عليها أن تفكّر طويلاً، وأن تخطط للبعيد، ولما رأت النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) يعلن ما أعلنه يوم الغدير عزمت على أن تدعم أيّة جماعة تتصدّى لابطال هذا الاعلان. ولمّا مرض النبيّ وازداد مرضه حاول أن يؤكد ما بدأ إعلانه يوم الغدير وأن يسجّل هذا الاعلان بوثيقة خطية قائلاً إنه سيكتب لهم ما لن يضلّوا بعده أبداً، لكنه لم تساعده الظروف. فكان كل ما استطاع النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) أن يفعله في تلك الساعة هو أن يطردهم من مجلسه على ما يؤكد البخاري في صحيحه([3]).

على أنّ هذه الرجعية رأت أن تحتاط لنفسها، فبمجرد موت النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) قصد زعيم من أبرز زعمائها بل ربما كان أبرز زعمائها (أبو سفيان) قصد إلى علي عارضاً عليه خدماته. وهنا يتجلّى المعيار الاساس للتشيّع الذي هو رفض الانحراف مهما كان في هذا الرفض، فاعرض عليّ(عليه السلام) عن الرجل رافضاً استغلال ما عرضه عليه من جهود وقوى([4]).

وهدف الرجعية من هذا العرض كان هدفاً مزدوجاً: فعلى احتمال قبول عليّ(عليه السلام) بما عرضته عليه ; فإنّ ذلك سيكون تزكية لها، ثم سيكون من وراء ذلك إلقاح الفتنة بين المسلمين.

وعلى احتمال رفض عليّ(عليه السلام) لعرضها فإنّ مجرد اتصالها بعليّ سيحّرك الحكم الجديد لاسترضائها! وقد تحقق ذلك، فعُيّن ابن أبي سفيان والياً على مكة، ثمّ عيّن قائداً فوالياً على دمشق([5]).

الطريق الوعر الشاق:

تعطيل ما أراده النبيّ في أيامه الاخيرة من كتابة الوثيقة، حدّد للتشيّع اُسلوبه في الحياة ودلّه على أنّ الطريق أمامه ليست مفروشة بالورود، بل هي طريق طويلة شاقة مفروشة لا بالشوك وحده بل بظبا السيوف وأسنّة الحراب وأطراف الرماح، وأن ليس له إلاّ الحرمان والاقصاء، وأنَّ عليه أن يصبر ويصابر.

فبعد النجاح في إقصاء عليّ نفسه أصبحت المخططات تستهدف إقصاء المتألّبين معه الاخذين برأيه، فمارست الرجعية كل إمكاناتها في إقصاء الشيعة عن كل مظهر من مظاهر الحكم، وقد استطاعت ذلك مستغلة حاجة الحكم الجديد لها واستنصاره بها كقوة تستطيع أن تناهض المعارضة التحررية المتمثلة بالشيعة الاوائل، بل إنّ الحكم الجديد لم يتوان عن التحالف معها، ففي الحين الذي أُقصي فيه عن القيادات الجديدة حتى اُسامة بن زيد الذي عينه النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) نفسه، رأينا في رأس تلك القيادات أمثال يزيد بن أبي سفيان و عكرمة بن أبي جهل. بل حتى من الاموييّن انفسهم رأينا أنّ الذين اسلموا مخلصين في مطلع الدعوة مثل (أبان بن سعيد بن العاص) و (عمرو بن سعيد بن العاص بن امية ابن عبدشمس) قد أُقصوا عن ايّة قيادة.

وحين نستعرض أسماء الذين احتضنوا النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)واحتضنهم النبيّ في مطلع الدعوة ثم كانوا سيوفها القواطع في كل ميدان، حين نفتش عن تلك الاسماء في القيادات والولايات لا نرى أيّ واحد منها فيما عدا سلمان الفارسي الذي كان لابدّ من استعماله([6]) لانّ أي إنسان لا يسّد الفراغ الذي كان يمكن أن يسدّه سلمان، فالحاجة هي التي دعت إلى إشراكه([7]).

ومع ذلك فإنّه وضع بعيداً عن الاضواء بعيداً عن القيادة الفعلية.

وفيما عدا عمّار بن ياسر كذلك([8])، فيبدو أنّ رغبة شعبية ملّحة أدّت إلى تعيينه والياً على الكوفة، ولكن هذه الولاية لم تطل أكثر من سنة عُزل بعدها أمام الضغط الرجعي الذي لم يطق وجود رجل شعبيّ مناضل مثل عمّار بين رجال الحكم.

ولا يفوتنا أن نشير إلى أنّ التاريخ الشيعي لم يناقض نفسه، فهو يرفض الانحراف والمنحرفين إلى أية فئة انتموا، ويتبنّى الذين استقاموا على الطريقة ايّاً كان عنصرهم، فهو ـ على العكس مما يتهم به ـ لا يقاوم أهل بيت لمجرد انتمائهم إلى هذا البيت، ولا يوالي أهل بيت آخرين لمجرد أنهم أهل هذا البيت، فعمرو بن سعيد بن العاص بن اُمية بن عبدشمس الاُموي العريق سليل الامويين لم تمنع اُمويته التشيّع من أن يحترمه ويشيد به، لانّ التشيّع يعلم أنه اسلم في مفتتح الدعوة وأخلص لها صادقاً في إخلاصه وكذلك القول في عمر بن عبدالعزيز بن مروان([9]). إنّ التشيع لم يذكر له أنه حفيد مروان، بل ذكر له أنه كان عبداً صالحاً وحاكماً عادلاً، فالتشيّع يطعن بالجد في نفس الوقت الذي يكرم فيه الحفيد. والتشيّع نفسه لم يغفر لابن إمام وأخي إمام وحفيد أئمة أنه لم يكن مستقيماً، فسمّى ابن الامام (علي الهادي) أخا الحسن العسكري(عليهما السلام)، سمّاه (جعفر الكذّاب).

وتمّ الاقصاء: فكان أول اجراء اتّخذه الحكم الجديد هو مصادرة أموال فاطمة بنت محمد(صلى الله عليه وآله وسلم) مصادرة جريئة وعنيفة، فسجلت بذلك صفحة جديدة في تاريخ التشيّع. وبطلة هذه الصفحة هي السيّدة الزهراء(عليها السلام) حيث شاركت بنفسها في قيادة التشيّع بعد أبيها.

والذين لا يتعمقون في الامور ويأخذون بالسطحيات يتساءلون، إن لم يكن علناً فبينهم وبين أنفسهم، أتستحق فدك وغير فدك أن تخرج فاطمة بنت محمد(صلى الله عليه وآله وسلم) من أجلها إلى المجالس العامة مطالبةً ملحةً بالطلب، وأن تخطب وتستثير، وتتكلم بالقول الكثير؟!

ولكن هؤلاء ينسون أو يجهلون ماذا قالت فاطمة(عليها السلام) في تلك الخطب، ولا يذكرون أو لا يعلمون سوى أنها خرجت وخطبت في موضوع فدك خاصة وإرثها من أبيها عامّة([10]).

صفحة الكفاح:

ولكننا نقول: كما كان صوت محمد هو الصوت الّذي سجل الصفحة الاولى، لا في تاريخ الكفاح الشيعي فحسب، بل في كفاح جميع المستضعفين المضطهدين التائقين إلى الحريّة والحق. كفاح جميع ضحايا الاستبداد والظلم والحكم الغاشم.

كانت فدك أهون على فاطمة(عليها السلام) من كلّ هيّن، لو أنّ فدكاً هي المقصودة بالذات، ولكن فدكاً كانت رمزاً للامّة كلها. وكانت فاطمة أجلّ من أن ترفع صوتاً مطالبة بالمادة، لو كانت تطلب حقاً هذه المادة، ولكنها كانت تنذر الامّة الغافية وتنبه إلى المستقبل المظلم الّذي سيصير إليه الاسلام.

وأكتفي هنا بذكر مقطع واحد من خطبة فاطمة، قالت(عليها السلام): « اطمئنّوا للفتنة جأشاً، وأبشروا بسيف صارم وسطوة معتد غاشم، وهَرج دائم شامل، واستبداد من الظالمين يَدَعُ فَيْأَكم زهيداً وجمعكم حصيداً، فياحسرة عليكم »([11]).

كانت فاطمة(عليها السلام) تستشف الغيب وترى بفطنتها ما سيصير إليه حال الامّة، فمادام الحكم الجديد يفتتح أمره باضطهادها هي نفسها وهي بنت محمد(صلى الله عليه وآله وسلم) فإلى أين سيصير أمر الناس فيما سيأتي من الايّام.

وقوع ما حذرت منه فاطمة:

ومن العجيب أنّ الّذي حذرت منه فاطمة(عليها السلام) وقع كله، وأنّ ما نبهت إليه قد رآه الناس بعدها جلياً واضحاً، وأنّ الضحايا الاولى للظّلم المتمادي كانوا الّذين سمعوا كلام فاطمة أنفسهم، أو أبناء من مات منهم.

فالمدينة ـ مدينة الرسول ـ نفسها الذي تعالى فيها صوت فاطمة منذراً محذراً قد شهدت من السيف الصارم وسطوة المعتدي الغاشم ومن الهرج الشامل الدائم واستبداد الظالمين ما ترك فيئها زهيداً وجمعها حصيداً، على حد تعبير فاطمة(عليها السلام).

فقد أباحها يزيد بن معاوية لجنوده في وقعة الحَرَّة ثلاثة أيام، وأجبر قائده([12]) سكانها على أن يبايعوه على أنّهم عبيد أرقّاء ليزيد([13]).

ومن قبل ذلك أُصيب عبدالرحمن بن أبى بكر بسطوة المعتدين الغاشمين واستبداد الظالمين فأهين وروّع فمات قهراً وكمداً([14])، كما أُصيب أخوه محمد بن أبي بكر فقتل أشنع قتلة([15])، وقتل عبدالرحمن بن خالد بن الوليد بالسم([16]) وأُصيب عبدالله بن عمر فأُذلّ وأُهين وبايع نفس بيعة أهل المدينة([17]). وأُصيبت أسماء بنت أبي بكر بالذلّ، وأُصيب سبط أبي بكر ابنها عبدالله ابن اُخت عائشة فذبح وصلب واُمه تسمع وترى([18]). وبعد ذلك أُصيب محمد بن سعد بن أبي وقاص فشتمه الحجاج وضربه ثم قتله، واُصيب المطرف بن المغيرة بن شعبة كذلك بيد الحجّاج. والاولى أن نقول: إنّ الامّة كلّها قد أُصيبت.

شعارات التشيع:

لقد سجّلت الزهراء صفحة بدء الكفاح في تاريخ التشيّع فحددت مناهجه ورفعت شعاراته وأوضحت طريقه.

أما هذه الشعارات فهي كما رأينا صريحة واضحة في خطبتها: تَوقّع سيف الظالمين الصارم وسطوة المعتدي الغاشم، ثم سَلب الشعب أقواته لينعم بها الظالمون وتَركه للفقر والذلّ.

وأما المنهج والطريق فهو بطبيعة الحال رفضُ ذلك والتصدّي له. فهل وفى التشيّع لهذه المبادىء الّتي أعلنتها الزهراء؟

إن مبدأ يعلنه محمدٌ(صلى الله عليه وآله وسلم)، وتفصّل أصوله فاطمة ويتزعمه علي، إن مبدأً هؤلاء الثلاثة أركانه ودعاته، سيجد حتماً المتألبين معه المتمسكين به، المستعدين للتضحية حفاظاً عليه وصوناً له، وهذا ما كان.

وانطلق الحكم الجديد ومضى في طريقه بعد وفاة الزهراء.

في هذه الفترة كان شعار التشيّع وكان منهجه الكلمة الّتي أطلقها علي، والّتي كان مؤداها: سأصبر مادام الحيف ينالني شخصيا، دون أن ينال العبث المبادىء العامة للاسلام([19]).

وقد كان كل منتم للتشيع يردد ما ردده علي، فاذا كانوا هم المقصودين بالذات، فهم لم ينشدوا في يوم من الايام مغنماً ولا اتخذوا الاسلام سُلّماً، بل هم الّذين تحملوا التعذيب فمات آباؤهم بسياط قريش احتفاظاً بالاسلام، فهم سيصبرون مادام الاسلام سليماً.

وبالفعل فقد ظلت الخطوط الكبرى في الاسلام صحيحة، والتطبيق العملي له قائماً.

واكتفت المعارضة بتسجيل المخالفات، ورفضت الاعتراف بها، ولكنّها لم تر فيها ما يوجب تحركاً أو يستدعي نهوضاً، وظلّت على موقفها تراقب وتشير.

0
0% (نفر 0)
 
نظر شما در مورد این مطلب ؟
 
امتیاز شما به این مطلب ؟
اشتراک گذاری در شبکه های اجتماعی:

آخر المقالات

السلاجقة والتشيع .
الامام السجاد و وقعة الحرة :
الله سبحانه وتعالى و إحياء قتيل بني إسرائيل
وجه الشبه بين الحسين عليه السلام و بين نبي الله ...
مناظرة الإمام الصادق(ع) مع أبي حنيفة في حكم ...
من هم قتلة عثمان
أي لو أخبر حذيفة بأسماء المنافقين الأحياء منهم ...
الكيسانية
الممتنعون عن الصلاة على عثمان
كيفيّة‌ نزول‌ التوراة‌ علی النبيّ موسى‌، و ...

 
user comment