عربي
Saturday 20th of July 2024
0
نفر 0

ٍٍٍٍٍهل هناك ثمرة من ثورة الحسين (ع) للمسلمين ككل ؟

ٍٍٍٍٍهل هناك ثمرة من ثورة الحسين (ع) للمسلمين ككل ؟


أيها القارئ الكريم لا تظن أن ثورة الحسين (ع) وتضحياته السخية المباركة قد خدمت التشيع فحسب . كلا . وبل وخدمت المسلمين كأمة واحدة وبأجمعهم أيضاً وذلك بما ولدته فيهم من وعي وإحساس تنبهوا بهما إلى أمر خطير وغلط كبير جداً كان محدقاً بهم وكاد أن يبدل دينهم وهم لا يشعرون .
وهو أن المسلمين من حيث العموم كانوا ينظرون إلى الخلفاء والأمراء الذين حكموهم منذ أن قبض النبي محمد (ص) بصفة مزدوجة هي صفة المشرعين والمنفذين في آن واحد أي كانوا يتصورون أن الخليفة له صلاحية التشريع والتحليل والتحريم والتغيير والتبديل . كما له حق التطبيق وصلاحية التنفيذ قياساً لهم على رسول الله (ص) الذي كان هو المشرع والمنفذ معاً ومن هذه النظرة الخاطئة من المسلمين إلى حكامهم تجرأ بعض أولئك الحكام على الاجتهاد ضد نصوص الكتاب والسنة الشريفة وعلى التلاعب بأحكام الإسلام حسب شهواتهم ومصالحهم .
فما أن التحق رسول الله (ص) بالرفيق الأعلى حتى بدأ الاختلاف بين سيرته وسيرة المسؤولين بعده إلى أن جاء دور عثمان فكان الاختلاف بين سيرته وسنة رسول الله بلغ الى حد قالت عنه أم المؤمنين عائشة وقد أخرجت ثوباً من ثياب النبي (ص) تعرضه على الناس . انظروا هذا ثوب رسول الله بعد لم يبل وعثمان قد ابلى سنته .

مأساة الحسين (ع) بين السائل والمجيب

127


والخطر الأكبر الذي كان يكمن في تلك الظاهرة هو أن المسلمين كانوا يأخذون تلك التصرفات الشاذة عن نصوص القرآن والسنة الشريفة من قبل الخلفاء بعين الاعتبار وبأنها من صميم الإسلام وشريعة الله تعالى . لذا فقد استغل الأمويون تلك النظرة أكبر فرصة لهم في سبيل تحقيق مؤمراتهم العدوانية ضد الإسلام ونبي الإسلام فأخذوا يحرفون ويشوهون ويتلاعبون بشعائره ومقدساته حيثما شاءوا . فمن ذلك مثلاً أن معاوية صلى بهم ذات مرة صلاة الجمعة يوم الأربعاء فصلوها معه . وسن لهم سب الإمام أمير المؤمنين على المنابر وفي صلاة الجمعة . وأعطى الجزية للرومان مقابل سحبه المرابطين على الحدود ليحارب بهم أمير المؤمنين (ع) ولبس الحرير والذهب وشرب الخمر وقتل النفوس المحترمة على الظنة والتهمة وألحق زياد بن سمية بأبيه أبي سفيان خلافاً لنص الحديث الشرف : الولد للفراش وللعاهر الحجر وحول الخلافة الإسلامية الى ملك وراثي عضوض . والخ . وإلى ذلك من بدعه ومخالفاته التي يطول شرحها وكان الناس يأخذون تلك البدع بعين الاعتبار وإنها من الدين كما قدمنا . ولكن بعد ثورة الحسين (ع) تغيرت نظرة المسلمين الى الحكام والأمراء وظهروا أمام الرأي العام الإسلامي على أنهم سلاطين جور وحكام بالقهر والغلبة وملوك دنيويون ليس لهم صفة شرعية ولا سلطة تشريعية . فالإسلام شيء وسيرة الحكام والأمراء الذين يحكمون المسلمين شيء آخر لا يمثل أحدهما الآخر في شيء أبداً.
ولهذا التبدل والفصل بين الحكام وأعمالهم من جهة وبين الإسلام والمسلمين من جهة أخرى بقي الإسلام محفوظاً ومصاناً على الصعيد الفكري إلى يومنا هذا . ولولا ذلك لكان الإسلام خبراً بعد عين ولكان المسلمون اليوم أمة جاهلية أباحية لا تعرف الله ولا تؤمن بنبي ولا تقرأ كتاباً .
وليس أدل على ذلك أي على ما قلناه من أن ثورة الحسين (ع) عزلت الحكام عن الشعب وانتزعت منهم صلاحية التشريع وصفة الشرعية عن سلوكهم . من ظهور الطوائف ، وتعدد المذاهب وتزايد الفرق الإسلامية بعد عصر

مأساة الحسين (ع) بين السائل والمجيب

128


ٍٍٍٍٍٍالحسين (ع) مباشرة . ووجه الدلالة فيه هو من حيث أن الحكام لما شعروا بمقت الأمة لهم وتنفر الرأي العام منهم وان الحسين (ع) قد انتزع بثورته المقدسة الخالدة . السلطة الروحية من أيديهم وبالتالي تبين لهم أنهم أصبحوا معزولين عن الشعب روحياً ودينياً لذا حاولوا أن يستعبدوا سلطتهم على الأمة . وسيطرتهم على الشعب ولو من طريق غير مباشر أي بواسطة عملاء لهم من رجال الدين والعلماء الذين تغريهم المناصب وتستغويهم الأموال ليكون هؤلاء العملاء كحلقة وصل بين الشعب والحكام ينفذون سياسة الحكام ويبررون اجرامهم ويدعون سلطانهم اللاشرعي ومن ثمة يكونوا سلاحا بيد السلطات يحاربون بهم الدين ويدافعون بهم عن حكمهم وسلطانهم القائم باسم الدين .
وهكذا كان . فقد بدأ الحكام بعد الحسين سياسة التفرقة الطائفية وتمزيق وحدة المسلمين بالطائفية وتعدد المذاهب التي بلغت في أواسط الدولة العباسية إلى أكثر من ثلاثمائة طائفة وفرقة وكل طائفة تنتمي وتنتسب إلى رجل دين أو عالم أو محدث إما مساير للسياسة والحكام كلياً . أو سلبي مجامل لهم على أحسن الفروض وبذلك نجحت سياسة (فرق تسد) في خدمة الحكام نجاحاً كبيراً وظلوا محتفظين بكراسيهم وسيطرتهم من هذا الطريق . وظل أئمة الهدى من أهل البيت عليهم السلام ومعهم شيعتهم وأصحابهم هم الطائفة الوحيدة بين تلك الطوائف الإسلامية الكثيرة الذين يمثلون الحزب المعارض لتلك الحكومات الجائرة والذين يقفون في وجه أولئك العلماء الدجالين ورجال الدين المنافقين السائرين في ركاب الحكام والأمراء . فهذا مثلاً الإمام جعفر بن محمد الصادق عليه السلام بعث اليه المنصور الدوانيقي مرة يقول له يا ابا عبد الله هلا تغشانا وتزورنا كما يغشنا غيرك من العلماء . فأرسل اليه الإمام (ع) يقول له ليس عندنا من الدنيا ما نخافك عليه وليس عندك من الآخرة ما نرجوك له ولست في نعمة حتى نهنيك ولا ترى نفسك في مصيبة حتى نعزيك وقد قال رسول الله (ص) إذا رأيتم العلماء على أبواب الأمراء فقولوا بئس العلماء وبئس الأمراء وإذا رايتم الأمراء على أبواب العلماء فقولوا نعم العلماء ونعم الأمراء . فعلام

مأساة الحسين (ع) بين السائل والمجيب

129


ٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍنصحبك بعد هذا . فأرسل اليه المنصور ثانية يقول له تصحبنا لتنصحنا . فقال الإمام عليه السلام ان من يريد الدنيا لا ينصحك وان من يريد الآخرة لا يصحبك .
ولقد بذل الحكام جهوداً كثيراً وحاولوا شتى المحاولات لكي يستميلوا أهل البيت (ع) نحوهم ويجذبوهم الى جانبهم ليكسبوا تأيدهم . ولكن فشلوا وخاب ظنهم وما وجدوا من آل محمد (ص) إلا الاستقامة على الحق والتصلب ضد الباطل واعلان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا تأخذهم في الله لومة لائم . لذلك قابلوهم بكل ظلم واضطهاد وحاربوهم بكل قسوة وعنف واضطهدوا شيعتهم ومنعوا الناس من الوصول اليهم وأغلقوا أبوابهم وتركوهم شتى مصارعهم وأجمعها فظيعة :

فمكابد للسم قد سقيت

حشـاشتـه نقـيعـه

ومضرج بالسيف آثر

عـزه وأبى خضوعه

ومصفد لله سلم أمـر

مـا قـاسـا جميعه

و سبية باتت بأفعـى

الهم مهجهـا لسيعـه


وهذا الاضطهاد والتعسف الذي مارسه الحكام ضد أئمة الهدى من آل البيت (ع) هو السبب في انقسام الشيعة أنفسهم إلى عدة فرق وطوائف ايضاً لأن امام الحق كان ممنوعاً من اظهار نفسه والدعوة اليه وكان بسطاء من الشيعة يخدعون بالدعايات المضلة والمظاهر الجذابة فيلتفون حول بعض الأشخاص من أبناء الأئمة عليهم السلام أو من أقاربهم ويقولون بإمامتهم . مثل الكيسانية الذين دانوا بإمامة محمد بن الحنفية (ره) بعد الحسين (ع) لما كان يتحلى به محمد من علم وشجاعة وانه ابن الإمام علي (ع) وأخو الحسين (ع) وبالتالي هو أكبر من الإمام زين العابدين (ع) .

 

مأساة الحسين (ع) بين السائل والمجيب

130


ثم الزيدية الذين دانوا بإمامة زيد بن علي بن الحسين (ع) بدل الإمام محمد الباقر (ع) . ثم الاسماعيلية الذين قالوا بإمامة اسماعيل بن الصادق (ع) بدل أخيه الإمام موسى الكاظم (ع) . وهكذا الى غيرها من الفرق الشيعية الأصل والتي شذت عن طريق الحق بسبب اختفاء صوت امام الحق أو الارهاب الذي كان يحول دون وصولهم إلى امام الحق وقد أبيد أكثر تلك الطوائف والفرق ولم يبق منها الى اليوم سوى الطائفة الزيدية في اليمن والطائفة الاسماعيلية في الهند والباكستان . إلى جانب الطائفة الحقة الجعفرية الإمامية الذين يشكلون أكبر طائفة إسلامية في العالم والذي ساروا مع التشيع الصحيح إلى آخر الشوط ودانوا بإمامة الأئمة الاثني عشر المنصوص عليهم من رسول الله (ص) بالإمامة وهم علي بن أبي طالب ثم ابنه الحسن (ع) ثم أخوه الحسين (ع) ثم ابنه علي زين العابدين (ع) ثم ابنه محمد الباقر (ع) ثم ابنه جعفر الصادق (ع) ثم ابنه موسى الكاظم (ع) ثم ابنه علي الرضا (ع) ثم ابنه محمد الجواد (ع) ثم ابنه علي الهادي (ع) ثم ابنه الحسن العسكري (ع) ثم ابنه محمد المهدي (ع) صاحب العصر والزمان عليهم السلام جميعاً صلوات الله وسلامه .
وهنا بمناسبة ذكر صاحب الزمان يتولد سؤال كثيراً ما يتسائل به شباب عصرنا الحاضر حول هذا الإمام الثاني عشر عند الشيعة الجعفرية الذي يعتقد في أنه غاب عن الأبصار بعد وفاة أبيه الامام الحادي عشر الحسن العسكري عليه السلام وذلك قبل أكثر من ألف ومائة وعشرين عاماً اي في سنة 260من الهجرة وهو لا يزال حياً يرزق حتى الآن في هذه الدنيا إلى أن يأذن الله له بالظهور فيظهر ويطهر العالم من الظلم والجور والفساد في وقت لا يعرفه على وجه التحديد إلا الله تعالى .
والسؤال في هذا الموضوع يدور غالباً حول بقائه حياً هذه المدة الطويلة وانه كيف يعيش انسان حوالي ألف ومائة وعشرين سنة ولا يزال حياً إلى ما شاء الله ؟

مأساة الحسين (ع) بين السائل والمجيب

131


ٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍالجواب : أولاً من الناحية العلمية لا مانع في ذلك ولا استحالة . لأن العلم لم يحدد عمر الانسان وإنما حدد أسباب الوفاة وهي تتلخص في اختلال المزاج والتوازن الصحي واصابة الأعضاء الرئيسية في الجسم بعطب خطير فكلما حافظ الانسان على توازن صحته وسلامة أعضائه الرئيسية كلما استمر بقائه وطالت حياته ومن هنا يختلف الناس في طول البقاء وقصره تبعاً لسلامة أجسامهم من الأمراض .
ومما لا شك فيه أن الإمام المعصوم المؤيد من قبل الله تعالى يكون أعرف الناس بقوانين الوقاية الصحيحة واكثر الناس عملاً بها وتمسكاً بها فلا بد أن يكون أطول الناس عمراً وأكثرهم بقاء في هذه الحياة . وقد حدثنا التاريخ عن أشخاص عمروا في الدنيا مئات السنين مثل نوح عليه السلام الذي عمر أكثر من ألف وخمسمائة سنة وغيره كثيرون ممن عمر مدداً ترواح بين المائة سنة والألف سنة وأحوالهم مذكورة في بطون كتب التاريخ والمعمرين ومنهم مثلاً سطيح كاهن الشام الذي عاش ثلاثين قرناً حسب نصوص التاريخ ومات بعد ولادة النبي محمد (ص) بمدة قليلة وقصته معروفة ... والواقع أن البحث حول الإمام المهدي (ع) يحتاج إلى تفصيل واسع لا يسعه المقام وسنعود اليه بمناسبة أخرى إن شاء الله .
والخلاصة هي : ان ثورة الحسين (ع) حفظت للمسلمين اسلامهم من خطر انقلاب جاهلي ماحق وعرفتهم بأعدائهم المتسترين بثياب الإسلام والحاكمين باسم الإسلام وبعثت فيهم روح الثورة والمعارضة ضد أولئك الأعداء وحفظت لهم شخصيتهم الإسلامية وقد أجاد المرحوم السيد جعفر الحلي (ره) حيث قال :

مأساة الحسين (ع) بين السائل والمجيب

132

 

يوم بحامية الإسلام قـد نهضـت

لـه حميـة ديـن الله إذ تركـا

رأى بـأن سبيـل الغنـيّ متّبــعٌ

والرشد لم تـدرِ قـومٌ أية سلكـا

و النـاس عادت اليهـم جاهليتهـم

كأن مـن شرع الإسلام قد أفكـا

وقـد تحكـم بالإسـلام طـاغيـة

يمسي و يصبح بالفحشاء منهمكـا

لم أدرى أين رحال المسلمين مضوا

وكيـف صار يزيـد بينهم ملكـا

العاصر الخمـر من لئـم بعنصره

و من خساسة طبع يعصر الودكـا

لئن جرت لفظة التوحيد مـن فمـه

فسيفه بحشـا التوحيـد قـد فتكا

قد أصبح الدين منه يشتكـي سقمـاً

ومـا إلى أحد غيـر الحسين شكا

فما رأى السبط للدين الحنيف شفـاً

إلا إذا دمـه فـي كربـلا سفكـا

و ما سمعنـا عليـلاً لا علاج لـه

إلا بنفـس مـداويـة إذا هلـكـا

نفسـي الفداء لفـادٍ شـرع والـده

بنفـسـه وبـأهليـه ومـا ملكـا

بقتلـه فـاح للاسـلام نشر هـدى

وكلمـا ذكرتـه المسلمـون ذكـا

 

هل يصح البكاء على الحسين (ع) وهو الثائر الفاتح ؟


يقول الأعسم (ره) وهو يخاطب الحسين (ع) :

تبكيك عيني لا لأجل مثوبة

لكنما عيني لأجلك باكيـه

تبتل منكم كربلاء بدم و لا

تبتل مني بالدموع الجاريه


تعرفنا في بحث سابق على أن الذين قتلوا الحسين (ع) بكربلا لم يكونوا شيعة ولم يكن فيهم شيعي واحد قط . وعليه : فبكاء الشيعة اليوم وقبل اليوم على مصاب الحسين (ع) ليس بدافع الشعور بالاثم أو لغرض التكفير عن جريمة الآباء حسب ما يتهمهم المغرضون ويشوه عليهم الجاهلون .
والسؤال الآن هو :
إذاً ما وجه الصحة وما المبرر في بكاء الشيعة على الحسين (ع) بعد علمنا أن الحسين ثائر ناجح في ثورته محقق لكثير من أهدافه السامية في اظهار الحق وفضح الباطل . فلماذا هذا النوح والبكاء والأسى ومظاهر الحداد في كل عام ؟
فنقول : اولاً أن البكاء والتأثر على الحسين (ع) ليس فرضاً إسلامياً ولا واجباً شرعياً ولا ركناً من أركان التشيع بحيث لا يتم بدونه ولا يتحقق بتركه .
وإنما هو ظاهرة حب وولاء للحسين (ع) وهل يمكن أن تنزل نكبة ومصيبة بحبيب لك وعزيز عليك ثم لا تبكي ولا تتأثر منها . والحسين (ع) حبيب كل مؤمن وعزيز كل انسان وقد أصيب بأعظم المصائب وأفدح الكوارث

مأساة الحسين (ع) بين السائل والمجيب

134


لأجل الحق والعدالة دفاعاً عن الايمان والانسانية فكيف لا يبكيه أو لا يتأثر عليه الانسان . ومع غض النظر عن هذا فإن في البكاء عليه وجوهاً أخرى للحسن والصحة نذكر بعضها فما يلي :
الوجه الاول : توقع الثواب من الله سبحانه والأجر منه تعالى في الآخرة حيث أن في البكاء على الحسين (ع) تآسي بالنبي الأكرم وأهل بيته المعصومين (ع) إذ قد ثبت بالتواتر أن رسول الله (ص) كان يعلم بما جرى على الحسين (ع) بعده وبكى على مصابه في عدة مواطن ولعن قاتليه وعبر عنهم بأشرار الأمة . وكذلك ابنته فاطمة الزهراء (ع) والإمام أمير المؤمنين (ع) والحسن السبط قد ثبت عنه في الأخبار الصحيحة أنهم بكوا على مصاب الحسين (ع) كلما تذكروه .
وأما بكاء الائمة المعصومين على الحسين بعده فمعروف مشهور فهذا مثلاً الإمام زين العابدين (ع) عاش بعد أبيه الحسين خمساً وثلاثين سنة ما قدم بين يديه طعام ولا شراب إلا وتذكر أباه الحسين (ع) وبكى وهو يقول كيف آكل وقد قتل أبي جائعاً وكيف أشرب وقد قتل ابي عطشانا . وذاك امامنا موسى بن جعفر الكاظم (ع) الذي كان إذا أهل عليه شهر المحرم لا يرى ضاحكاً حتى تمضي منه تسعة أيام فإذا كان اليوم العاشر منه كان يوم بكائه ومصيبته وحزنه .
وقبله أبوه الإمام الصادق (ع) الذي دخل عليه الراوي يوم العاشر من المحرم فوجده كاسف اللون باكياً حزيناً وكان غافلاً عن يوم عاشوراء فلما سأل الامام (ع) عن السبب قال (ع) أو غافل أنت عن هذا اليوم الذي قتل فيه الحسين (ع) فمن جعله يوم حزنه ومصيبته جعل الله له يوم القيامة يوم فرحه وسروره وقرت بنا في الجنان عينه ... إلى أن قال عليه السلام أن يوم الحسين أقرح جفوننا واسبل دموعنا واذل عزيزنا واورثنا الكرب والبلاء إلى يوم الانقضاء فعلى مثل الحسين فليبكي الباكون فإنه ذبح كما يذبح الكبش .

مأساة الحسين (ع) بين السائل والمجيب

135


ولا تنسى الأمام الرضا (ع) الذي يقول عنه دعبل بن علي الخزاعي (ره) أنشدته فبكى حتى أغمي عليه فأمسكته حتى افاق فقال أنشد يادعبل فأنشدته فبكى حتى أغمي عليه ثانية وهكذا إلى ثلاث مرات . وهو القائل عليه السلام كل جزع وبكاء مكروه للعبد إلا الجزع والبكاء على الحسين (ع) فانه فيه مأجور .
فكيف لا يحسن البكاء على الحسين (ع) والحزن والحداد على مصابه بعد أن بكاه النبي محمد (ص) وآله أهل بيت العصمة . وهل التآسي برسول الله مكروه وقبيح بعد أن أمرنا الله في كتابه العزيز بالتآسي به على وجه عام فقال سبحانه : «لقد كان لكم في رسول الله اسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيراً ...» س الأحزاب 21.
وهل يسوغ للمؤمن أن يرغب عن التآسي بآل البيت (ع) بعد أن ثبت عنده أن يوم الحسين (ع) كان مثاراً للحزن ومدعاة للأسى والبكاء بالنسبة لهم عليهم السلام دائماً وفي كل الأحوال والمناسبات . ورد في أحوال الإمام الصادق عليه السلام أنه كان إذا ذكر جده الحسين (ع) أو ذكر عنده لا يرى ضاحكاً طيلة ذلك اليوم وتغلب عليه الكآبة والحزن . وكان عليه السلام يتسلى عن المصائب التي ترد عليه من قبل الأعداء بمصائب الحسين (ع) فمن ذلك مثلاً .
لما أمر المنصور الدوانيقي عامله على المدينة أن يحرق على أبي عبد الله الصادق (ع) داره فجاءوا بالحطب الجزل ووضعوه على باب دار الصادق (ع) وأضرموا فيه النار فلما أخذت النار ما في الدهليز تصايحن العلويات داخل الدار وارتفعت أصواتهم فخرج الإمام الصادق (ع) وعليه قميص وازار وفي رجليه نعلان وجعل يخمد النار ويطفئ الحريق حتى قضى عليها فلما كان الغد دخل عليه بعض شيعته يسلونه فوجدوه حزيناً باكياً فقالوا ممن هذا التأثر والبكاء امن جرأة القوم عليكم أهل البيت وليس منهم بأول مرة ؟ فقال الإمام (ع) لا ... ولكن لما أخذت النار ما في الدهليز نظرت إلى نسائي وبناتي يتراكضن

مأساة الحسين (ع) بين السائل والمجيب

136


في صحن الدار من حجرة إلى حجرة ومن مكان إلى مكان هذا وأنا معهن في الدار فتذكرت روعى عيال جدي الحسين (ع) يوم عاشوراء لما هجم القوم عليهن ومناديهم ينادي أحرقوا بيوت الظالمين .
فالغرض : أن البكاء على الحسين (ع) والتأثر من مصائبه واظهار الحزن والأسى يوم قتله كل ذلك أمر محبوب ومرغوب فيه لأنه من التآسي برسول الله (ص) وبأهل بيته الطاهرين (ع) وقد قال الإمام الحسن العسكري (ع) في كلمته المعروفه : «شيعتنا منا يفرحون لفرحنا ويحزنون لحزننا . الخ» .
الوجه الثاني : تعظيم شعائر الحسين (ع) وتعزيز عظمته وتكريم مقامه أمام الرأي العام حيث ورد عن الرسول (ص) قوله (ميت لا بواكي عليه لا اعزاز له) أي لا احترام له . وهو امر طبيعي لان القيمة المعنوية للفقيد وعظمته الانسانية تعرف عند من لا يعرفونه من عظيم أثر فقده في نفوس عارفيه وكلما عظم الفقيد عظم مصابه على الناس ولذا غضب رسول الله (ص) لما لم يسمع البكاء على عمه حمزة بن عبد المطلب بعد رجوعه من معركة أحد . وذلك لأن حمزة لم يكن عنده أحد في الدار يبكون عليه فقال النبي (ع) متأثراً وخاصة لما سمع البكاء على الشهداء من الأنصار . قال ولكن عمي حمزة لا بواكي عليه . فلما سمع الأنصار بعثوا إلى دار حمزة من يبكي عليه فستر رسول الله (ص) وقال على مثل حمزة فلتبكي البواكي ... فلا شك في أن الميت الذي لا يبكي لفقده ولا يحزن على موته لا قيمة له في نظر الناس وان ذلك دليل حقارته وضعف شخصيته ومقامه وهذا أمر عرفي ومنطقي . وقد أشار اليه القرآن الكريم في قوله تعالى «كم تركوا من جنات وعيون وزروع ومقام كريم ونعمة كانوا فيه فاكهين كذلك وأورثناها قوماً آخرين فما بكت عليهم السماء والأرض وما كانوا منظرين» .
معلوم أن الغرض من بكاء السماء والأرض هو أهل السماء وأهل الأرض . أي أنهم ماتوا غير مأسوف عليهم ولم يؤثر موتهم حزناً في نفس أحد ولا

مأساة الحسين (ع) بين السائل والمجيب

137


فقدهم فراغاً في الحياة بعدهم . وهذا دليل هوانهم على الناس واحتقارهم في نظر الناس وانعدام احترامهم بين الناس رغم قوتهم وقدرتهم المالية ورغم ملكهم وسلطانهم الذي كانوا قد فرضوه على الناس .
سئل الإمام علي عليه السلام : ما هو حسن الخلق يا أمير المؤمنين فقال (ع) هو أن تعاشروا الناس معاشرة ان عشتم حنوا اليكم وإن متم بكوا عليكم . وقد أوصى الإمام محمد الباقر عليه السلام أن تستأجر له نوادب بعد موتـه يندبوا عليه بمنى من مكة أيام موسم الحج ولمدة عشر سنوات اظهاراً لمقامه المجهول لدى عامة الناس بسبب ظلم الأمويين واضطهادهم له عليه السلام .
فأي وسيلة يمكن أن نعبّر بها عن عظم منزلة الفقيد بين أصحابه ومحبيه أقوى دلالة وأوضح تعبيراً من البكاء عليه ثم اي ظاهرة أدل وأوضح تعبيراً عن شديد حبنا للفقيد وعظيم تعلقنا بالفقيد من ظاهرة البكاء عليه وجريان الدموع لموته .
وهل رأيت او سمعت أن زعيماً شعبياً في العالم مات أو قتل ولم يبك عليه أتباعه وأنصاره وشعبه . ولم يجعلوا يوم وفاته يوم حداد وأسى وخاصة إذا كان موته بصورة مفجعة وقاسية وتقتل أولاده وأطفاله واخوانه وعشيرته وتقطع رؤسهم وترض أجسادهم بحوافر الخيل وتحرق خيامه على نسائه وينهب ثقله وو ... إلى آخر ما هناك من صور إجرامية ووحشية تقشعر منها الجلود وتفتت الأكباد والقلوب .
ولا يقال هنا بأن حادثة الحسين (ع) قديمة جداً قد مضى عليها أكثر من ثلاثة عشر قرن فإلى متى هذا البكاء لها والحزن عليها وكل فقيد في العالم مهما عظم فإنما يبكى عليه لأيام معدودة ثم يطوى ذكره في زوايا التاريخ وبطون الكتب ؟
لأنا نقول : أولاً أن عظمة الحسين (ع) تفوق عظمة كل عظيم في العالم بعد

مأساة الحسين (ع) بين السائل والمجيب

138


جده المصطفى (ص) وأبيه المرتضى (ع) فقياسه على غيره من عظماء الانسانية قياس مع الفارق الكبير .
وثانياً أن الكيفية التي فقد عليها الحسين (ع) لم يفتقد عليها حتى الآن أي فقيد قط . قتل جائعاً عطشاناً شعثاً مغبراً غريباً وحيداً ثاكلاً مكروباًَ مستضعفاً يستغيث فلا يغاث ويستجير فلا يجار ويستعين فلا يعان يسمع ضجيج عياله وصراخ أطفاله وهم بين الآلاف من الأعداء ينتظرون منهم كل مكروه . ومن الناحية الثانية ينظر إلى قومه وصحبه حوله مجزرين كالأضاحي . مع العلم بان الذين قتلوه هم أمة جده المصطفى الذين ثار لأجلهم وقام لانقاذهم من الظلم والاضطهاد .
لذلك فإن فقده فريد في بابه جديد أبداً ودائماً لا يؤثر عليه مرور الزمن ولا يخفف من وقعه تعاقب القرون والأجيال فهو كما قال عنه الأدباء والشعراء قديماً وحديثاً .
فقال بعضهم :

فقيد تعفى كل رزء ورزءه

جديد على الأيام سامي المعالم


وقال الآخر :

وفجائع الأيام تبقى مدة وتزول

وهـي إلى القيامـة باقيـه


وقال الآخر :

كذب الموت فالحسين مخلد ..

كلمـا مرت الدهـور تجدد


وقال آخر :

مصاب له طاشت عقول ذوي الحجا

إذا مـا تعفا كـل رزء تجدّدا


لقد صلب المسيح عيسى بن مريم عليه السلام حسب زعم المسيحيين قبل ألفي عام تقريباً . وها هم المسيحيون لا يزالون يجددون ذكرى صلبه كل عام

مأساة الحسين (ع) بين السائل والمجيب

139


ويبكون له ويحزنون . وقد اتخذوا من خشبة صلبه شعاراً عاماً لهم يرفعونه فوق كل المؤسسات والجمعيات والكنائس معلنين بذلك اسفهم وحزنهم على مصابه ومأساته . مع العلم بان مأساة المسيح (ع) بسيطة جداً في جنب ماساة الحسين (ع) . فلماذا يلام الشيعة على حزنهم وبكائهم لمأساة الحسين (ع) ولا يلام غيرهم على الحزن والبكاء لمأساة سائر العظماء ...
والخلاصة هي : أن هناك شخصيات وحوادث في العالم لا يستطيع التاريخ هضمها ولا الزمان اسدال الستار عليها ولا الأجيال نسيانها لسبب بسيط . وهو عقم الأيام عن الاتيان بمثلها . وفي طليعة تلك الشخصيات شخصية الحسين (ع) وفي طليعة تلك الحوادث حادثة عاشوراء ..
الوجه الثالث : هو أن البكاء على الحسين (ع) يرمز إلى تأييد الحسين (ع) في ثورته المباركة واعلان الثورة العاطفية على الظلم والظالمين . والتعبير عن أعمق مشاعر الاستنكار والسخط ضد أعداء الحق والعدل . والاعراب عن الأسف على عدم وجودنا في صفوف أصحاب الحسين سادات الشهداء الخالدين وعدم نيلنا توفيق وسعادة نصرة الحسين (ع) في يوم عاشوراء . فيا ليتنا كنا معك أبا عبد الله فنفوز فوزاً عظيماً . لبيك داعي الله إن لم يجبك بدني عند استغاثتك ولساني عند استنصارك فقد اجابك قلبي وسمعي وبصري ...
هذا لسان حال شيعة الحسين في كل مكان وزمان فاجابة القلب بالايمان بمبدأ الحسين الذي قتل لأجله . واجابة السمع بالاستماع إلى سيرة الحسين وأقواله . واجابة البصر سكب الدموع على مآسي الحسين (ع) .
فالبكاء لكل واحد من هذه الأهداف والغايات الثلاث أمر طبيعي وعقلائي وظاهرة فطرية خيرة من ظواهر الفطرة السليمة التي وقاها الله تعالى من نكسة القساوة والغلظة وتحجر الضمير وهي أخطر الأمراض النفسية والانحرافات الروحية التي يتعرض لها بعض الأفراد وقانا الله شرها وهي المعبر عنها بموت القلب . واليك ما قاله الاستاذ العقاد ص 190 من كتابه (أبو الشهداء) ان

مأساة الحسين (ع) بين السائل والمجيب

140


ٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍالطبايع الآدمية قد أشربت حب الشهداء والعطف عليهم وتقديس ذكرهم بغير تلقين وإنما تنحرف عن سواء هذه السنة لعوارض طارئة تمنعها أن تستقيم أو من نكسة في الطبع . لأن العطف الانساني نحو الشهداء هو كل ما يملك التاريخ من جزاء . الخ ...
هل تتصور أيها القارئ الكريم انساناً يستمع إلى تلك المآسي الجسام التي وقعت على الحسين (ع) وآله من الصغار والكبار والرجال والنساء ولا ينكسر قلبه ولا يتأثر وجدانه ولا يتحرك ضميره ثم تعتبره انساناً طبيعياً سليم الفطرة ؟ كيف وقد قال الحسين (ع) نفسه في المأثور عنه انا قتيل العبرة ما ذكرت عند مؤمن إلا استعبر . وجاء في الحديث الشريف عن رسول الله (ص) قوله : جفاف العيون من قساوة القلوب وما ضرب بن آدم بعقوبة أشد عليه من قساوة القلب . وقد وصف الله سبحانه المؤمنين بقوله «رحماء بينهم» .
والخلاصة : لم يجد الخبراء وعلماء النفس والأخلاق بين الصفات الانسانية كلها صفة أفضل وأشرف من الرحمة ورقة القلب على الاخرين حتى أن بعض الفلاسفة عدل عن تعريف الانسان بالحيوان الناطق وهو التعريف المشهور . عدل عنه إلى أنه «حيوان ذو عطف» وعليه فلا انسانية مطلقاً بدون العطف على مصائب الآخرين وبدون الرحمة ورقة القلب على نكبات المظلومين ومآسي المنكوبين . والحقيقة أن الشيخ الأعسم رحمه الله قد مثل في البيتين السابقين شعور كل انسان سليم الفطرة تجاه الحسين (ع) حيث قال :

تبكيك عيني لا لأجل مثوبة

لكنمـا عينـي لأجلك باكيـة

تبتل منكم كربلا بـدم ولا

تبتل مني بالدموع الجارية ...

 

مأساة الحسين (ع) بين السائل والمجيب

141

 

0
0% (نفر 0)
 
نظر شما در مورد این مطلب ؟
 
امتیاز شما به این مطلب ؟
اشتراک گذاری در شبکه های اجتماعی:

آخر المقالات

السلاجقة والتشيع .
الامام السجاد و وقعة الحرة :
الله سبحانه وتعالى و إحياء قتيل بني إسرائيل
وجه الشبه بين الحسين عليه السلام و بين نبي الله ...
مناظرة الإمام الصادق(ع) مع أبي حنيفة في حكم ...
من هم قتلة عثمان
أي لو أخبر حذيفة بأسماء المنافقين الأحياء منهم ...
الكيسانية
الممتنعون عن الصلاة على عثمان
كيفيّة‌ نزول‌ التوراة‌ علی النبيّ موسى‌، و ...

 
user comment