عربي
Thursday 25th of July 2024
0
نفر 0

في فضائل الأخلاق و رذائلها

في فضائل الأخلاق و رذائلها

فصل (في فضائل الأخلاق و رذائلها)

فضائل الأخلاق من المنجيات الموصلة إلى السعادة الأبدية، و رذائلها من المهلكات الموجبة للشقاوة السرمدية، فالتخلي عن الثمانية و التحلي بالأولى من أهم الواجبات. و الوصول إلى الحياة الحقيقية بدونهما من المحالات، فيجب على كل عاقل أن يجتهد في اكتساب فضائل الأخلاق التي هي الأوساط«» المثبتة من صاحب الشريعة و الاجتناب عن رذائلها التي هي الأطراف، و لو قصّر أدركته الهلاكة الأبدية، إذ كما أن الجنين لو خرج عن طاعة ملك الأرحام المتوسط في الخلق لم يخرج إلى الدنيا سويا سميعا بصيرا ناطقا كذلك من خرج عن طاعة نبي الأحكام المتوسط في الخلق لم يخرج إلى عالم الآخرة كذلك.
وَ مَن كانَ فِي هَذِهِ أَعمى فَهوَ فِي الآخِرَةِ أَعمى‌
جامع‌السعادات ج : 1 ص : 42
وَ أَضَلُّ سَبِيلا 17: 72«».
ثم ما لم تحصل التخلية لم تحصل التحلية و لم تستعد النفس للفيوضات القدسية، كما أن المرآة ما لم تذهب الكدورات عنها لم تستعد لارتسام الصور فيها، و البدن ما لم تزل عنه العلة لم تتصور له إفاضة الصحة، و الثوب ما لم ينقّ عن الأوساخ لم يقبل لونا من الألوان، فالمواظبة على الطاعات الظاهرة لا تنفع ما لم تتطهر النفس من الصفات المذمومة كالكبر و الحسد و الرياء، و طلب الرياسة و العلى و إرادة السوء للأقران و الشركاء، و طلب الشهرة في البلاد و في العباد، و أي فائدة في تزيين الظواهر مع إهمال البواطن، و مثل من يواظب على الطاعات الظاهرة و يترك تفقد قلبه كبئر الحش«» ظاهرها جص و باطنها نتن، و كقبور الموتى ظاهرها مزينة و باطنها جيفة، أو كبيت مظلم وضع السراج على ظاهره فاستنار ظاهره و باطنه مظلم، أو كرجل زرع زرعا فنبت و نبت معه حشيش يفسده فأمر بتنقية الزرع عن الحشيش بقلعه عن أصله فأخذ يجز رأسه و يقطعه فلا يزال يقوى أصله و ينبت، فإن الأخلاق المذمومة في القلب هي مغارس المعاصي فمن لم يطهر قلبه منها لم تتم له الطاعات الظاهرة، أو كمريض به جرب و قد أمر بالطلاء ليزيل ما على ظهره و يشرب الدواء ليقلع مادته من باطنه فقنع بالطلاء و ترك الدواء متناولا ما يزيد في المادة فلا يزال يطلي الظاهر و الجرب
جامع‌السعادات ج : 1 ص : 43
يتفجر من المادة التي في الباطن.
ثم إذا تخلت عن مساوئ الأخلاق و تحلت بمعاليها على الترتيب العلمي استعدت لقبول الفيض من رب الأرباب، و لم يبق لشدة القرب بينهما حجاب، فترتسم فيها صور الموجودات على ما هي عليها، على سبيل الكلية أي بحدودها و لوازمها الذاتية لامتناع إحاطتها بالجزئيات من حيث الجزئية، لعدم تناهيها، و إن علمت في ضمن الكليات لعدم خروجها عنها، و حينئذ يصير«» موجودا تاما أبدي الوجود سرمدي البقاء، فائزا بالرتبة العليا، و السعادة القصوى، قابلا للخلافة الإلهية و الرئاسة المعنوية، فيصل إلى اللذات الحقيقية، و الابتهاجات العقلية التي ما رأتها عيون الأعيان، و لم تتصورها عوالي الأذهان.
فصل (الأخلاق الذميمة تحجب عن المعارف)
الأخلاق المذمومة هي الحجب المانعة عن المعارف الإلهية، و النفحات القدسية إذ هي بمنزلة الغطاء للنفوس فما لم يرتفع عنها لم تتضخ لها جلية الحال اتضاحا، كيف و القلوب كالأواني فإذا كانت مملوءة بالماء لا يدخلها الهواء فالقلوب المشغولة بغير اللّه لا تدخلها معرفة اللّه و حبه و أنسه، و إلى ذلك‌أشار النبي صلى اللّه عليه و آله و سلم بقوله:«لو لا أن الشياطين يحرمون إلى قلوب بني آدم لنظروا إلى ملكوت السماوات و الأرض»
فبقدر ما تتطهر القلوب هن هذه الخبائث تتحاذى شطر الحق الأول«» و تلألأ فيها حقائقه
جامع‌السعادات ج : 1 ص : 44
كما أشار إليه صلى اللّه عليه و آله:«ان لربكم في أيام دهركم نفحات ألا فتعرضوا لها»
فإن التعرض لها إنما هو بتطهير القلوب عن الكدورات الحاصلة عن الأخلاق الردية«» فكل إقبال على طاعة و إعراض عن سيئة يوجب جلاء و نورا للقلب يستعد به لإفاضة علم يقيني، و لذا قال سبحانه:
و الَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنهدِيَنَّهُم سُبُلَنَا 29: 69«».
و قال النبي صلى اللّه عليه و آله و سلم:«من عمل بما علم ورثه اللّه علم ما لم يعلم»
فالقلب إذا صفى عن الكدورات الطبيعية بالكلية يظهر له من المزايا الإلهية و الإفاضات الرحمانية ما لا يمكن لأعاظم العلماءكما قال سيد الرسل:«إن لي مع اللّه حالات لا يحتملها ملك مقرب و لا نبي مرسل».
و كل سالك إلى اللّه إنما يعرف من الألطاف الإلهية و النفحات الغيبية ما ظهر له على قدر استعداده، و أما ما فوقه فلا يحيط بحقيقته علما لكن قد يصدّق به إيمانا بالغيب كما انا نؤمن بالنبوة و خواصها و نصدّق بوجودهما و لا نعرف حقيقتهما كما لا يعرف الجنين حال الطفل و الطفل حال المميز و المميز من العوام حال العلماء و العلماء حال الأنبياء و الأولياء.
فالرحمة الإلهية بحكم العناية الأزلية مبذولة على الكل غير مضنون بها على أحد، لكن حصولها موقوف على تصقيل مرآة القلب و تصفيتها عن الخبائث الطبيعية، و مع تراكم صدأها الحاصل منها لا يمكن أن يتجلى فيها شي‌ء من الحقائق، فلا تحجب الأنوار العلمية و الأسرار الربوبية عن قلب من القلوب لبخل من جهة المنعم تعالى شأنه عن ذلك، بل الاحتجاب
جامع‌السعادات ج : 1 ص : 45
إنما هو من جهة القلب لكدورته و خبثه و اشتغاله بما يضاد ذلك.
ثم ما يظهر للقلب من العلوم لطهارته و صفاء جوهره هو العلم الحقيقي النوراني الذي لا يقبل الشك و له غاية الظهور و الانجلاء لاستفادته من الأنوار الإلهية و الإلهامات الحقة الربانية، و هو المرادبقوله عليه السلام:«إنما هو نور يقذفه اللّه في قلب من يشاء
«و إليه أشار مولانا أمير المؤمنين عليه السلام بقوله:«ان من أحب عباد اللّه إليه عبدا أعانه اللّه على نفسه فاستشعر الحزن و تجلبب الخوف فزهر مصباح الهدى في قلبه» (الى أن قال):
«قد خلع سرابيل الشهوات، و تخلى من الهموم إلا هما واحدا انفرد به، فخرج من صفة العمى و مشاركة أهل الهوى، و صار من مفاتيح أبواب الهدى و مغاليق أبواب الردى، قد أبصر طريقه و سلك سبيله و عرف مناره، و قطع غماره«»، و استمسك من العرى بأوثقها و من الحبال بأمتنها فهو من اليقين على مثل ضوء الشمس»
و في كلام آخر له عليه السلام«قد أحيى قلبه و أمات نفسه حتى دقّ جليله«» و لطف غليظه، و برق له لامع كثير البرق، فأبان له الطريق و سلك به السبيل، و تدافعته الأبواب إلى باب السلامة و دار الإقامة، و ثبتت رجلاه لطمأنينة بدنه في قرار الأمن و الراحة بما استعمل قلبه و أرضى ربه».
و قال عليه السلام‌في وصف الراسخين من العلماء: «هجم بهم العلم على حقيقة البصيرة و باشروا روح اليقين و استلانوا ما استوعره المترفون و أنسوا بما استوحش منه الجاهلون و صحبوا الدنيا بأبدان أرواحها معلقة بالمحل الأعلى».
جامع‌السعادات ج : 1 ص : 46
و بالجملة ما لم يحصل للقلب التزكية لم يحصل له هذا القسم من المعرفة إذ العلم الحقيقي عبادة القلب و قربة السر، و كما لا تصح الصلاة التي هي عبادة الظاهر إلا بعد تطهيره من النجاسة الظاهرة فكذلك لا تصح عبادة الباطن إلا بعد تطهيره من النجاسة الباطنية التي هي رذائل الأخلاق و خبائث الصفات، كيف و فيضان أنوار العلوم على القلوب إنما هو بواسطة الملائكةو قد قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلم:«لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب»
فإذا كان بيت القلب مشحونا بالصفات الخبيثة التي هي كلاب نابحة لم تدخل فيه الملائكة القادسة و الحكم بثبوت النجاسة الظاهرة للمشرك، مع كونه مغسول الثوب نظيف البدن، إنما هو لسراية نجاسة الباطنيةفقوله صلى اللّه عليه و آله و سلم:«بني الدين على النظافة»
يتناول زوال النجاستين،و ما ورد من«أن الطهور نصف الإيمان»
المراد به طهارة الباطن عن خبائث الأخلاق، و كان النصف الآخر تحليته بشرائف الصفات و عمارته بوظائف الطاعات.
و بما ذكر ظهر أن العلم الذي يحصل من طريق المجادلات الكلامية و الاستدلالات الفكرية، من دون تصقيل لجوهر النفس، لا يخلو عن الكدرة و الظلمة، و لا يستحق اسم اليقين الحقيقي الذي يحصل للنفوس الصافية فما يظنه كثير من أهل التعلق بقاذورات الدنيا انهم على حقيقية اليقين في معرفة اللّه سبحانه خلاف الواقع، لأن اليقين الحقيقي يلزمه «روح»«» و نور و بهجة و سرور، و عدم الالتفات إلى ما سوى اللّه، و الاستغراق في أبحر عظمة اللّه، و ليس شي‌ء من ذلك حاصلا لهم، فما ظنوه يقينا إما تصديق مشوب بالشبهة، أو اعتقاد جازم لم تحصل له نورانية و جلاء و ظهور
جامع‌السعادات ج : 1 ص : 47
و ضياء، لكدرة قلوبهم الحاصلة من خبائث الصفات.
و السر في ذلك أن منشأ العلم و مناطه هو التجرد كما بين في مقامه، فكلما تزداد النفس تجردا تزداد إيمانا و يقينا، و لا ريب في أنه ما لم ترتفع عنها أستار السيئات و حجب الخطيئات لم يحصل لها التجرد الذي هو مناط حقيقة اليقين فلا بد من المجاهدة العظيمة في التزكية و التحلية حتى تنفتح أبواب الهداية و تتضح سبل المعرفة كما قال سبحانه:
وَ الَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهدِيَنَّهُم سُبُلَنَا 29: 69«».


source : دار العرفان /جامع‏السعادات
0
0% (نفر 0)
 
نظر شما در مورد این مطلب ؟
 
امتیاز شما به این مطلب ؟
اشتراک گذاری در شبکه های اجتماعی:

آخر المقالات

الامام السجاد عليه السلام
وصايا الإمام الصادق ( عليه السلام )
إضاءاتٌ هادية من كلمات الإمام الباقر عليه ...
الثورة الحسينية اسبابها ومخططاتها القسم الثاني
أدب الحوار.. عند الإمام الرِّضا عليه السلام
متى يكون حبّ المعصومين (عليهم السلام) قيّما
عيد الغدير الأغر
السيّدة فاطمة بنت الإمام الكاظم عليه السّلام
الوقفة الثانية سند هذا الحديث
على هدى كربلاء:

 
user comment