عربي
Friday 1st of March 2024
0
نفر 0

هزيمة التتار في عين جالوت

هزيمة التتار في عين جالوت

 

عن أحد المواقع

 

 قدم التتار إلى البلاد العربية الإسلامية ، وقد سبقتهم سمعتهم الرهيبة وأفعالهم المتوحشة ، فعاثوا في الأرض فساداً في بغداد وحلب ودمشق ، واتجهوا إلى الديار المصرية ليأخذوها، وكانت تحت حكم السلطان المملوكي قطز.

وجاء الخبر إلى الناس في مصر أنّ عسكر هولاكو قد وصل إلى دمشق ، ونهب البلاد ، وقتل العباد ، فاضطربت من هذا الخبر القاهرة ، وعظمت البلية ، ووصلت رسل خمسة من هولاكو برسالة جاء فيها بعد كلام فيه احتقار للمماليك : ( سلموا إلينا الأمر تسلموا قبل أن ينكشف الغطاء فتندموا ، وقد سمعتم أنّا أخربنا البلاد وقتلنا العباد ، فلكم منا الهرب ، ولنا خلفكم الطلب ، فمالكم من سيوفنا خلاص ، وأنتم معنا في الأقفاص ، خيولنا سوابق ، وسيوفنا صواعق ، فقلوبنا كالجبال ، وعددنا كالرمال ، فمن طلب حربنا ندم ، ومن تأخر عنا سلم ) .

ثُمّ قال له بعد كلام : ( فأسرعوا إلينا بالجواب قبل أن تضرم الحرب نارها ، وترميكم بشرارها ، فلا يبقى لكم جاه ولا عزّ ، ولا يعصمكم منا حصن ولا حرز ، وتترك الأرض منكم خالية ، والمنازل خاوية ، فقد أيقظناكم إذ حذرناكم ، فما بقي لنا مقصد سواكم ، وقد حذرنا قبلكم أهل بغداد بمثل ذلك فما سمعوا فجرى عليهم ما سمعتم به ، وقتلنا خطيبهم الذي يزعمون أنّه الخليفة ، وخرّبنا عواقب الردى ) ، فها أنت ذا ترى أخي القارئ شدّة التتار في كلامهم ، وقوّة تهديدهم ، وجلبهم العبارات الميئسة ، خاصة أنّ هولاكو ختم الرسالة بهذين البيتين :

أيـن الـمفرّ ولا مفرّ iiلهارب      ولـنا البسيطان:الثرى iiوالماء
 ذلت لهيبتنا الأسود وأصبحت      فـي  يـدنا الأمراء iiوالخلفاء

فماذا فعل المظفر قطز بعد هذا التهديد الذي لا مثيل له ؟ إنّ الرجل توكل على مولاه الذي لا يخيب قاصده ، وقرر أن يدخل الحرب ضدّ هولاكو ، وذلك بعد أن جمع الأمراء فاستشارهم فقال لهم فيما قال : ( إن تأخرتم عن قتالهم ملكوا الديار المصرية ، وفعلوا بنا كما فعلوا في بغداد )، فأجمع أمرهم على الخروج إلى هولاكو ، وهنا فعل قطز فعلاً عجيباً لا يقدم عليه إلاّ من كان قد عقد العزم على المناجزة ، وبثّ الرعب في العدوّ المقابل ، وذلك أنّه أمر بالرسل الخمسة فقتلوا ، وهذا مخالف لما هو معروف من أنّ الرسل لا يقتلون ، لكنه صنع هذا ليخيف الأعداء ويشعرهم بقوته وهيبته وسطوته .

واستعدّ المظفر قطز للقتال وجمع عدداً ضخماً من الجنود بينهم كثير من عربان الشرقية والغربية ، ونادى بالنفير العام إلى الغزو في سبيل الله تعالى ، فاجتمع عنده من عساكر مصر نحو أربعين ألفاً ، ثُمّ برزت مشكلة جمع الأموال اللازمة لهذا الجهاد ، فعقد مجلساً دعا إليه القضاة والمشايخ ، وكان على رأسهم شيخ الإسلام عزّ الدين عبد العزيز بن عبد السلام رحمه الله تعالى ، واستشار السلطان قطز عزّ الدين بن عبد السلام في شأن المال ، فقال الإمام كلاماً عظيماً لا يصدر إلاّ ممن وثق بنصر الله تعالى لعبيده فقال : (اخرجوا وأنا أضمن لكم على الله النصر )، فقال السلطان : ( إنّ المال في خزانتي قليل وأنا أريد أن أقترض من أموال التجار )، فقال له الإمام ابن عبد السلام :( إذا أحضرت ما عندك وعند حريمك ، وأحضر الأمراء ما عندهم من الحلي الحرام اتخاذه ، وضربته سكة ونقداً ، وفرّقته في الجيش ولم يقم بكفايتهم ، ذلك الوقت اطلب القرض ، وأمّا قبل ذلك فلا )، فأحضر السلطان والعسكر كلهم ما عندهم من ذلك بحضرة الشيخ ، وكانت له عندهم عظمة ، وله في أنفسهم مهابة بحيث لا يستطيعون مخالفته ، فامتثلوا ما قاله ، وهذا يدل على أنّ لمشايخ الإسلام القدماء عظمة ومكانة لا تدانيها مكانة .

وأمّا قول العزّ بن عبد السلام :( اخرجوا وأنا أضمن لكم على الله النصر ) فهو من باب الثقة بنصر الله تعالى ، وأنّ النصر يتنزل إن حققت شروطه ، والشيخ قد رأى أنّ شروطه تحققت ، أو أنّ ذلك من باب الكرامة للشيخ رحمه الله تعالى ، ويشبه هذا ما وقع لأحد الشيوخ فإنّه كان يقسم للناس أنّ الله سينصرهم على التتار في وقعة شقحب سنة 702هـ وكانت مع التتار أيضاً ، وكان إذا قيل له : قل إنّ شاء الله يقول : إن شاء الله تحقيقاً لا تعليقاً .

ثُمّ إنّ المظفر قطزاً جمع المال من الناس ، فقرر على كلّ رأس من أهل مصر والقاهرة من كبير وصغير ديناراً واحداً ، وأخذ من أجرة الأملاك شهراً واحداً ، وأخذ من أغنياء الناس والتجار زكاة أموالهم معجلاً ، وأخذ أشياء أخرى كثيرة ، واجتمع له من الأموال بسبب هذا ستمائة ألف دينار وكسور ، فأنفق ذلك على العسكر والعربان وجهز جيشه ، والطريف أنّ أحد الشعراء قال في صنيعه هذا الذي اتكأ فيه على فتوى الإمام ابن عبد السلام :

إنّ  سلطاننا الذي iiنرتجيه      واسع الحال ضيق الإنفاق
هو  سيف كما يقال iiولكن      قـاطع للرسوم iiوالأرزاق

وصل المظفر قطز إلى فلسطين في موقع هنالك يقال له ( عين جالوت ) ، وكان ذلك في العشر الأواخر من رمضان سنة 658 ، وكان يوم جمعة ، فلما رأى جنود التتار وكثرتهم قال رحمه الله تعالى للأمراء والجيوش الذين معه: لا تقاتلوهم حتى تزول الشمس وتفيء الظلال وتهب الرياح ويدعو لنا الخطباء والناس في صلاتهم ، وقد التقى مع التتار فانكسر الجيش الإسلامي ابتداء ، فترجل عن جواده ورمى خوذته وقال : وا إسلاماه ، فكان لهذه الكلمة فعلها في النفوس ، فاجتهد الجند والأمراء وقاتلوا قتالاً هائلاً ، وكان بينهما ما تشيب من هوله النواصي ، وقتل من الفريقين عسكر لا يحصى في معركة هائلة ، ثُمّ انجلت المعركة عن هزيمة شنيعة للتتار ما ذاقوا مثلها من قبل ، وقتل قائدهم المحنك كَتْبُغانُوِين نائب هولاكو على بلاد الشام ، ولله الحمد حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه ، وما قامت للتتار قائمة بعد تلك المعركة ، بل كان أمرهم إلى بوار ، وفرح المسلمون فرحاً شديداً بهذه النتيجة ، واتبعوا التتار يقتلونهم في كلّ موضع ، وهرب التتار من دمشق وحلب ، وأيد الله الإسلام وأهله ، وكبت الله النصارى واليهود والمنافقين الذين فرحوا بانتصار التتار قبل ذلك ، وظهر دين الله وهم كارهون .

وبعد : لقد نصر الله المسلمين في عين جالوت نصراً عظيماً لم يكن أكثر الناس تفاؤلاً يتوقعه ، والمسلمون اليوم تحيط بهم أخطار كثيرة من جهات عديدة لكن بشائر النصر قريبة إن شاء الله تعالى ، فهاهم أسود الله في فلسطين والشيشان وكشمير وغيرها يجاهدون في سبيل الله ، ويرفعون راية الدين عالية ، ويثبتون للدنيا جميعها أنّ هذه الأمة لا تموت ، ولا ينبغي لها أن تموت ، وأنّ رحمها ولود بالأبطال ، وأنّها تستعصي على كلّ المؤامرات الدولية والمؤتمرات التيئيسية .

0
0% (نفر 0)
 
نظر شما در مورد این مطلب ؟
 
امتیاز شما به این مطلب ؟
اشتراک گذاری در شبکه های اجتماعی:

آخر المقالات

في رحاب نهج البلاغة (الإمام علي عليه السلام ...
تأملات وعبر من حياة نبي الله صالح (ع)
أربعينية الإمام الحسين ( عليه السلام )
الوحی المباشر
حبيب بن مظاهر الاسدي ومكانته عند الحسين (ع)
الاسلام 2
من هم قتلة عثمان
زواج عمر من ام كلثوم (سلام الله عليها)
مناظرة هشام مع عمرو بن عبيد في مسجد البصرة
محاولة اغتيال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في ...

 
user comment