عربي
Thursday 23rd of May 2024
0
نفر 0

الحجّ في نصوص أهل البيت(عليهم السلام)

البحث الرابع

الحجّ في نصوص أهل البيت(عليهم السلام)

 

من يرجع الى نصوص أهل البيت(عليهم السلام) حول الحجّ يجد نصوصاً تبلغ كثرتها عدة مجلّدات فقد خصص صاحب وسائل الشيعة ثلاث مجلدات من عشرين مجلداً من موسوعته الفقهية بكتاب الحجّ. هذا سوى ما استدركه عليه غيره من المؤلفين كصاحب مستدرك وسائل الشيعة. وهذا خير دليل على مدى اهتمام أهل البيت(عليهم السلام) بهذه الفريضة وبأحكامها. ونختار من هذه الموسوعة الحديثية نماذج لإيضاح موقف أهل البيت(عليهم السلام) من الحج في نصوصهم المباركة، وذلك ضمن نقاط عشرة:

 

أوّلاً: أهمية الحجّ وفضيلته

1 ـ قال الإمام عليّ(عليه السلام) ـ فيما أوصى عند رحيله ـ «الله الله في بيت ربّكم لا تخلّوه ما بقيتم، فإنه إن تُرك لم تُناظروا»([1]) .

2 ـ وقال(عليه السلام): «الحجّ جهاد الضعيف»([2]) .

3 ـ وقال: «نفقة درهم في الحجّ تعدل ألف درهم»([3]) .

4 ـ وقال: «الحاجّ والمعتمر وفد الله، ويحبوه بالمغفرة»([4]) .

 

ثانياً: فلسفة الحجّ وعلل تشريعه

1 ـ قال الإمام عليّ(عليه السلام) : «وفرض عليكم حجّ بيته الحرام الّذي جعله قبلة للأنام، يردونه ورود الأنعام، ويألهون إليه وُلوه الحمام، وجعله سبحانه علامة لتواضعهم لعظمته وإذعانهم لعزّته»([5]) .

2 ـ خطب الإمام عليّ(عليه السلام) قائلاً: «ألا ترون أنّ الله سبحانه اختبر الأوّلين من لدن آدم ـ صلوات الله عليه ـ إلى الآخرين من هذا العالم بأحجار لا تضرّ ولا تنفع، ولا تبصر ولا تسمع، فجعلها بيته الحرام الّذي جعله للناس قياماً، ثمّ وضعه بأوعر بقاع الأرض حجراً، وأقلّ نتائق الدنيا مدراً، وأضيق بطون الأودية قطراً، بين جبال خشنة، ورمال دمثة، وعيون وشلة، وقرى منقطعة، لا يزكو بها خفّ ولا حافر ولا ظلف.

ثمّ أمر سبحانه آدم وولده أن يثنوا أعطافهم نحوه، فصار مثابة لمنتجع أسفارهم، وغاية لملقى رحالهم، تهوي إليه ثمار الأفئدة من مفاوز قفار سحيقة، ومهاوي فجاج عميقة، وجزائر بحار منقطعة،  حتى يهزّوا مناكبهم ذللاً، يُهلّلون لله حوله، ويرملون على أقدامهم، شعثاً غبراً له، قد نبذوا السرابيل وراء ظهورهم، وشوّهوا بإعفاء الشعور محاسن خلقهم، إبتلاءً عظيماً، وامتحاناً شديداً، واختباراً مبيناً، وتمحيصاً بليغاً، جعله الله سبباً لرحمته، ووصلة إلى جنّته.

ولو أراد سبحانه أن يضع بيته الحرام ومشاعره العظام، بين جنات وأنهار، وسهل وقرار جمّ الأشجار، داني الثمار، ملتف البُنى، متّصل القرى، بين برّة سمراء، وروضة خضراء، وأرياف محدقة، وعراص مغدقة، وزروع ناضرة، وطرق عامرة، لكان قد صغر قدر الجزاء على حسب ضعف البلاء.

ولو كان الأساس المحمول عليها والأحجار المرفوع بها، بين زمرّدة خضراء، وياقوتة حمراء، ونور وضياء، لخفف ذلك مصارعة الشك في الصدور، ولوضع مجاهدة إبليس عن القلوب، ولنفى معتلج الريب من الناس، ولكنّ الله يختبر عباده بأنواع الشدائد، ويتعبّدهم بألوان المجاهد، ويبتليهم بضروب المكاره، إخراجاً للتكبر من قلوبهم، وإسكاناً للتذلل في نفوسهم، وليجعل ذلك أبواباً فُتحاً إلى فضله، وأسباباً ذُللاً لعفوه»([6]) .

3 ـ قال الإمام زين العابدين(عليه السلام) : «حجّوا واعتمروا، تصحّ أجسادكم، وتتّسع أرزاقكم، ويصلح إيمانكم، وتكفوا مؤونة الناس ومؤونة عيالاتكم»([7]) .

4 ـ قال الإمام الباقر(عليه السلام) : «الحجّ تسكين القلوب»([8]) .

5 ـ قال الإمام الصادق(عليه السلام): «عليكم بحجّ هذا البيت فأدمنوه، فإنّ في إدمانكم الحجّ دفع مكاره الدنيا عنكم، وأهوال يوم القيامة»([9]) .

6 ـ وقال الإمام الصادق(عليه السلام): «ما من بقعة أحبّ إلى الله تعالى من المسعى لأنه يُذلّ فيه كلّ جبار».

7 ـ أتى ابن أبي العوجاء الى الإمام الصادق(عليه السلام)، فجلس إليه في جماعة من نظرائه، ثمّ قال له: يا أبا عبدالله إنّ المجالس أمانات، ولا بدّ بكلّ من كان به سعال أن يسعل، فتأذن لي في الكلام؟ فقال الصادق(عليه السلام) تكلّم بما شئت.

فقال ابن أبي العوجاء: إلى كم تدوسون هذا البيدر، وتلوذون بهذا الحجر، وتعبدون هذا البيت المرفوع بالطوب والمدر، وتهرولون حوله هرولة البعير إذا نفر؟ مَن فكّر في هذا أو قدّر علم أنّ هذا فعل أسّسه غير حكيم ولا ذي نظر، فقل فإنّك رأس هذا الأمر وسنامه وأبوك أُسّه ونظامه.

فقال الصادق(عليه السلام) : «إنّ من أضلّه الله وأعمى قلبه استوخم الحقّ فلم يستعذبه، وصار الشيطان وليّه يورده مناهل الهلكة ثمّ لا يصدره.

وهذا بيتٌ استعبد الله به خلقه ليختبر طاعتهم في إتيانه، فحثّهم على تعظيمه وزيارته، وقد جعله محلّ الأنبياء وقبلة للمصلّين له، وهو شعبة من رضوانه، وطريق يؤدّي إلى غفرانه، منصوب على استواء الكمال، ومجتمع العظمة»([10]) .

8 ـ قال الإمام الصادق(عليه السلام): وقد سأله هشام بن الحكم عن علّة الحجّ والطواف بالبيت؟ «إنّ الله خلق الخلق... وأمرهم بما يكون من أمر الطاعة في الدين، ومصلحتهم من أمر دنياهم، فجعل فيه الاجتماع من المشرق والمغرب ليتعارفوا، وليتربّح كلّ قوم من التجارات من بلد إلى بلد، ولينتفع بذلك المكاري والجمّال، ولتعرف آثار رسول الله(صلى الله عليه وآله) وتعرف أخباره ويذكر ولا ينسى. ولو كان كلّ قوم ]إنّما[ يتّكلون على بلادهم وما فيها هلكوا، وخربت البلاد، وسقطت الجلب والأرباح، وعمّيت الأخبار، ولم يقفوا على ذلك، فذلك علّة الحجّ»([11]) .

9 ـ وجاء عن الإمام الرضا(عليه السلام): «علّة الحجّ الوفادة إلى الله تعالى، وطلب الزيادة، والخروج من كلّ ما اقترف، وليكون تائباً ممّا مضى مستأنفاً لما يستقبل، وما فيه من استخراج الأموال، وتعب الأبدان، وحظرها عن الشهوات واللّذات...، ومنفعة في شرق الأرض وغربها، ومن في البرّ والبحر، ممّن يحجّ وممّن لا يحجّ، من تاجر وجالب وبايع ومشتر وكاتب ومسكين، وقضاء حوائج أهل الأطراف والمواضع الممكن لهم الاجتماع فيها كذلك ليشهدوا منافع لهم»([12]) .

10 ـ قال الإمام الرضا(عليه السلام) : «فإن قال: فلمَ أمر بالحجّ؟ قيل: لعلّة الوفادة وطلب الزيادة... مع ما فيه من التفقّه ونقل أخبار الأئمة(عليهم السلام) إلى كلّ صقع وناحية، كما قال  الله عزّ وجلّ: (فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَة مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ... وَلِيَشهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ)»([13]) .

 

ثالثاً: آثار الحجّ وبركاته

1 ـ قال رسول الله(صلى الله عليه وآله): «الحجّ ينفي الفقر»([14]) .

2 ـ قال الإمام عليّ(عليه السلام) : «وحجّ البيت والعمرة، فإنّهما ينفيان الفقر، ويكفّران الذنب، ويوجبان الجنّة»([15]) .

3 ـ قال الإمام الصادق(عليه السلام) : «ما رأيت شيئاً أسرع غنىً ولا أنفى للفقر من إدمان حجّ البيت»([16]) .

 

رابعاً: الحجّ التّام

1 ـ قال الإمام الباقر(عليه السلام) : «تمام الحجّ لقاء الإمام»([17]) .

2 ـ وقال الإمام الصادق(عليه السلام)  في قوله تعالى: (لِيَقضُوا تَفَثَهُم)«لقاء الإمام»([18]) .

 

خامساً: مضاعفات ترك الحجّ

1 ـ قال الإمام الصادق(عليه السلام) : «مَن مات ولم يحجّ حجّة الإسلام، ولم تمنعه من ذلك حاجة تجحف به، أو مرض لا يطيق الحجّ من أجله، أو سلطان يمنعه، فليمت إن شاء يهودياً وإن شاء نصرانياً»([19]) .

2 ـ قال الإمام الكاظم(عليه السلام) في قوله تعالى: «(وَمَن كَانَ فِي هذِهِ أعمى فَهوَ فِي الآخرة أعمى وأضلّ سبيلاً): ذاك الذي يسوّف الحجّ ـ يعني: حجّة الإسلام ـ يقول: العام أحجّ العام أحجّ حتى يجيئه الموت»([20]) .

3 ـ قال الإمام الصادق(عليه السلام) ـ لمّا قال له عبدالرحمن: إنّ ناساً من هؤلاء القصّاص يقولون إذا حجّ رجل حجّة ثمّ تصدّق ووصل كان خيراً له ـ : «كذبوا، لو فعل هذا النّاس لعطّل هذا البيت، إنّ الله عزّ وجلّ جعل هذا البيت قياماً للناس»([21]) .

4 ـ وقال(عليه السلام) : «لو عطّل النّاس الحجّ لوجب على الإمام أن يجبرهم على الحجّ إن شاءوا وإن أبو لأنّ هذا البيت إنّما وضع للحجّ»([22]) .

 

سادساً: قلّة الحجيج وكثرة الضجيج

قال عبدالرحمن بن كثير: حججت مع أبي عبدالله(عليه السلام)، فلمّا صرنا في بعض الطريق صعد على جبل فأشرف فنظر إلى الناس فقال: «ما أكثر الضجيج وأقلّ الحجيج؟!»([23]) .

 


سابعاً: أدب الحاجّ وعرفان الحجّ

1 ـ قال الإمام الباقر(عليه السلام) : «ما يُعبأ بمَن يؤمّ هذا البيت إذا لم يكن فيه ثلاث خصال: ورع يحجزه عن معاصي الله، وحلم يملك به غضبه، وحسن الصحابة لمَن صحبه»([24]) .

2 ـ وقال الإمام الصادق(عليه السلام) : «إذا أحرمت فعليك بتقوى الله وذكر الله كثيراً، وقلّة الكلام إلاّ بخير; فإنّ من تمام الحجّ والعمرة أن يحفظ المرء لسانه إلاّ من خير، كما قال الله تعالى، فإنّ الله عزّ وجلّ يقول: (فَمَن فَرَضَ فِيهنّ الحجّ فَلا رفث ولا فُسوق ولا جدال في الحجّ)»([25]) .

3 ـ وقال(عليه السلام) : «إذا أردت الحجّ فجرّد قلبك لله تعالى من قبل عزمك من كلّ شاغل، وحجاب كلّ حاجب، وفوّض أُمورك كلّها إلى خالقك، وتوكّل عليه في جميع ما يظهر من حركتك وسكناتك، وسلّم لقضائه وحكمه وقدره، وودّع الدنيا والراحة والخلق، واخرج من حقوق تلزمك من جهة المخلوقين، ولا تعتمد على زادك وراحلتك وأصحابك وقوّتك وشبابك ومالك، مخافة أن يصير ذلك عدواً ووبالاً، فإنّ من ادّعى رضا الله واعتمد على شيء صيّره عليه عدوّاً ووبالاً، ليعلم أنّه ليس له قوّة ولا حيلة ولا لأحد إلاّ بعصمة الله وتوفيقه.

واستعدّ استعداد من لا يرجوا الرجوع، وأحسن الصحبة، وراع أوقات فرائض الله وسنن نبيّه(صلى الله عليه وآله)، وما يجب عليك من الأدب والاحتمال والصبر والشكر والشفقة والسخاء وإيثار الزاد على دوام الأوقات.

ثمّ اغتسل بماء التوبة الخالصة ذنوبك، والبس كسوة الصدق والصفاء والخضوع والخشوع.

وأحرم من كلّ شيء يمنعك من ذكر الله ويحجبك عن طاعته.

ولبّ بمعنى إجابة صافية زاكية لله عزّ وجلّ في دعوتك له متمسّكاً بالعروة الوثقى.

وطُف بقلبك مع الملائكة حول العرش كطوافك مع المسلمين بنفسك حول البيت.

وهرول هرولة من هواك، وتبرّياً من جميع حولك وقوّتك.

واخرج من غفلتك وزلاّتك بخروجك إلى منى، ولا تتمنّ ما لا يحلّ لك ولا تستحقّه.

واعترف بالخطايا بعرفات، وجدّد عهدك عند الله بوحدانيّته.

وتقرّب إلى الله واتّقه بمزدلفة([26]) .

واصعد بروحك إلى الملأ الأعلى بصعودك إلى الجبل.

واذبح حنجرتي الهوى والطمع عند الذبيحة.

وارم الشهوات والخساسة والدناءة والأفعال الذميمة عند رمي الجمرات.

واحلق العيوب الظاهرة والباطنة بحلق رأسك.

وادخل في أمان الله وكنفه وستره وكلاءته من متابعة مرادك بدخولك الحرم.

وَزُر البيت محقّقاً لتعظيم صاحبه ومعرفة جلاله وسلطانه.

واستلم الحجر رضاً بقسمته وخضوعاً لعزّته.

وودّع ما سواه بطواف الوداع.

وصفّ روحك وسرّك للقاء الله يوم تلقاه بوقوفك على الصفاء.

وكن ذا مروّة من الله تقيّاً أوصافك عند المروة.

واستقم على شرط حجّك هذا ووفاء عهدك الذي عاهدت به مع ربّك وأوجبته إلى يوم القيامة»([27]) .

4 ـ قال مالك بن أنس: حججت مع الصادق(عليه السلام) سنةً، فلمّا استوت به راحلته عند الإحرام كان كلّما همّ بالتلبية انقطع الصوت في حلقه، وكاد أن يخرّ من راحلته، فقلت: قل يابن رسول الله! ولابدّ لك من أن تقول، فقال(عليه السلام) : «يابن أبي عامر! كيف أجسر أن أقول: لبّيك اللهمّ لبّيك، وأخشى أن يقول عزّ وجلّ لي: لا لبّيك ولا سعديك»([28]) .

5 ـ قال الإمام الصادق(عليه السلام) : «إذا اكتسب الرجل مالاً من غير حلّه ثمّ حجّ فلبّى، نودي: لا لبّيك ولا سعديك، وإن كان من حلّه فلبّى نودي: لبّيك وسعديك»([29]) .

6 ـ قال رسول الله(صلى الله عليه وآله) : «مَن حجّ بمال حرام فقال: لبّيك اللهمّ لبّيك، قال الله له: لا لبّيك ولا سعديك حجّك مردود عليك»([30]) .

7 ـ وقال الإمام الرضا(عليه السلام) : «إنّما أُمروا بالإحرام ليخضعوا قبل دخولهم حرم الله وأمنه، ولئلاّ يلهوا ويشتغلوا بشيء من أُمور الدنيا وزينتها ولذّاتها، ويكونوا جادّين فيما هم فيه، قاصدين نحوه، مقبلين عليه بكلّيتهم»([31]) .

 

ثامناً: الحجّ لله والحجّ لغير الله

1 ـ قال الإمام الصادق(عليه السلام) : «الحجّ حجّان: حجّ لله وحجّ للناس، فمَن حجّ لله كان ثوابه على الله الجنّة، ومن حجّ للناس كان ثوابه على الناس يوم القيامة»([32]) .

2 ـ وقال(عليه السلام) : «مَن حجّ يريد الله عزّ وجلّ لا يريد به رياءً ولا سمعة، غفر الله له البتّة»([33]) .

3 ـ وقال الإمام الصادق(عليه السلام) : «مَن مات في طريق مكة ذاهباً أو جائياً، أمن من الفزع الأكبر يوم القيامة»([34]) .

4 ـ وقال(عليه السلام) : «مَن مات محرماً بعثه الله ملبيّاً»([35]) .

5 ـ وقال(عليه السلام) : «مَن مات في أحد الحرمين بعثه الله من الآمنين، ومَن مات بين الحرمين لم ينشر له ديوان»([36]) .

 

تاسعاً: حرمة الحرم

1 ـ قال الإمام الصادق(عليه السلام) في قول الله تعالى : «(ومَن دخله كان آمناً): مَن دخل الحرم من الناس مستجيراً به فهو آمن من سخط الله، ومَن دخله من الوحش والطير كان آمناً من أن يهاج أو يؤذى حتى يخرج من الحرم»([37]) .

2 ـ عنه(عليه السلام) أيضاً: «إن سرق سارق بغير مكة، أو جنى جناية على نفسه ففرّ إلى مكّة، لم يؤخذ مادام في الحرم حتى يخرج منه، ولكن يمنع من السوق، فلا يبايع ولا يجالس حتى يخرج منه فيؤخذ، وإن أحدث في الحرم ذلك الحدث أخذ فيه»([38]) .

 

عاشراً: حضور الإمام الغائب في الموسم

قال الإمام الصادق(عليه السلام) : «يفقد الناس إمامهم فيشهد الموسم فيراهم ولا يرونه»([39]) .

 

حضور موسم الحج

وتصرح الأحاديث الشريفة بأن من سيرته(عليه السلام) في غيبته حضور موسم الحج في كل عام، وواضح مافي حضور هذا الموسم السنوي المهم من فرصة مناسبة للالتقاء بالمؤمنين من أنحاء أقطار العالم وإيصال التوجيهات إليهم ولو من دون التعريف بنفسه بصراحة والتعرف على أحوالهم عن قرب دون الحاجة الى أساليب إعجازية.

إنّ الأحاديث الشريفة التي تذكر حضوره(عليه السلام) هذا الاجتماع الإسلامي السنوي العام، ذكرت أنه(عليه السلام): «يشهد الموسم فيراهم ولا يرونه»([40])، ويبدو أن المقصود هو الرؤية مع تحديد هويته(عليه السلام)، بمعنى أن يعرفوه أنه هو المهدي، إذْ توجد عدة روايات اُخرى تصرح برؤيته في هذا الموسم وبعضها يصرح بعدم معرفة المشاهدين لهويته على نحو التحديد واقتصار معرفتهم بأنّه من ذرية رسول الله(صلى الله عليه وآله)([41]).

 

حجّ الأنبياء(عليهم السلام) في نصوص أهل البيت(عليهم السلام)

 

1 ـ قال زرارة: سئل أبوجعفر(عليه السلام) عن البيت: أكان يُحجّ إليه قبل أن يُبعث النبيّ(صلى الله عليه وآله)؟ قال: «نعم، لا يعلمون أنّ الناس قد كانوا يحجّون، ونخبركم أنّ آدم ونوحاً وسليمان قد حجّوا البيت بالجنّ والإنس والطير. ولقد حجّه موسى على جمل أحمر، يقول: لبّيك لبّيك، فإنّه كما قال الله تعالى: (إِنَّ أَوَّلَ بَيْت وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ)»([42]) .

2 ـ وعن الإمام الصادق(عليه السلام): «لما أفاض آدم من منى تلقّته الملائكة، فقالوا: يا آدم برّ حجّك، أما إنّه قد حججنا هذا البيت قبل أن تحجّه بألفي عام»([43]) .

3 ـ قال الإمام الرضا عن آبائه(عليهم السلام) : «إنّ رجلاً سأل أميرالمؤمنين(عليه السلام): كم حجّ آدم من حجّة؟ فقال له: سبعين حجّة ماشياً على قدميه، وأوّل حجّة حجّها كان معه الصّرد([44]) يدلّه على مواضع الماء، وخرج معه من الجنّة، وقد نُهي عن أكل الصرد والخطّاف([45]) فقام إليه آخر... وسأله عن أوّل من حجّ من أهل السماء، فقال له: جبرئيل»([46]) .

4 ـ قال ابن عبّاس: لمّا مرّ رسول الله(صلى الله عليه وآله) بوادي عسفان حين حجّ، قال: يا أبا بكر، أيّ واد هذا؟ قال: وادي عسفان.

قال: «لقد مرّ به هود وصالح على بكرات حُمر خطمها الليف، أُزرهم العباء، وأرديتهم النمار، يلبّون يحجّون البيت العتيق»([47]) .

5 ـ وعن الإمام الباقر أو الإمام الصادق(عليهما السلام): «إنّ إبراهيم أذّن في الناس بالحجّ، فقال: أيّها الناس، إنّي إبراهيم خليل الله، إنّ الله يأمركم أن تحجّوا هذا البيت فحجّوه. فأجابه من يحجّ إلى يوم القيامة، وكان أوّل من أجابه من أهل اليمن وحجّ إبراهيم هو وأهله وولده»([48]) .

6 ـ قال الإمام الصادق(عليه السلام) : «مرّ يونس بن متّي(عليه السلام) بصفاح الروحاء([49]) وهو يقول: لبّيك كشّاف الكرب العظام لبّيك، ومرّ عيسى بن مريم(عليهما السلام) وهو يقول: لبّيك عبدك ابن أمتك (لبّيك). ومرّ محمّد(صلى الله عليه وآله) بصفاح الروحاء وهو يقول: لبّيك ذا المعارج لبيّك»([50]) .

 

 

حجّ خاتم الأنبياء(صلى الله عليه وآله)

 

أ ـ في نصوص أهل البيت(عليهم السلام)

روى معاوية بن عمّار عن الإمام الصادق(عليه السلام): «إنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله)أقام بالمدينة عشر سنين لم يحجّ، ثمّ أنزل الله عليه: (وَأَذِّن فِى النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالا وَعَلَى كُلِّ ضَامِر يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجّ عَمِيق)([51]) فأمر المؤذنين أن يؤذنوا بأعلى أصواتهم: إنّ رسول الله يحجّ من عامه هذا، فعلم به من حضر المدينة، وأهل العوالي والأعراب، فاجتمعوا فحجّ رسول الله(صلى الله عليه وآله)، وإنّما كانوا تابعين ينتظرون ما يؤمرون به فيصنعونه، أو يصنع شيئاً فيصنعونه، فخرج رسول الله(صلى الله عليه وآله) في أربع بقين من ذي القعدة، فلما انتهى إلى ذي الحليفة فزالت الشمس ثمّ اغتسل، ثمّ خرج حتى أتى المسجد الذي عند الشجرة فصلّى فيه الظهر، وعزم بالحجّ مفرداً، وخرج حتّى إنتهى إلى البيداء عند الميل الأوّل، فصف الناس له سماطين، فلبّى بالحجّ مفرداً، وساق الهدي ستّاً وستّين أو أربعاً وستّين، حتى انتهى إلى

مكة في سلخ أربع من ذي الحجّة، فطاف بالبيت سبعة أشواط، وصلّى ركعتين خلف مقام إبراهيم(عليه السلام)، ثمّ عاد إلى الحجر فاستلمه، وقد كان استلمه في أوّل طوافه.

ثمّ قال: إنّ الصفا والمروة من شعائر الله، فابدءوا بما بدأ الله به.

وأن المسلمين كانوا يظنّون أنّ السعي بين الصفا والمروة شيء صنعه المشركون فأنزل الله تعالى: (إِنَّ الصَّفَا وَا لْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ ا لْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا)([52]) . ثمّ أتى إلى الصفا، فصعد عليه فاستقبل الركن اليماني، فحمد اللهوأثنى عليه، ودعا مقدار ما يقرأ سورة البقرة مترسلاً، ثمّ انحدر إلى المروة، فوقف عليها كما وقف على الصفا، حتى فرغ من سعيه.

ثمّ أتاه جبرئيل(عليه السلام) وهو على المروة فأمره أن يأمر الناس أن يحلّوا إلاّ سائق الهدي، فقال رجل: أنحُلّ ولم نفرغ من مناسكنا؟ فقال: نعم.

قال(عليه السلام) : فلما وقف رسول الله(صلى الله عليه وآله) بالمروة بعد فراغه من السعي أقبل على الناس بوجهه فحمد اللهوأثنى عليه، ثمّ قال: إنّ هذا جبرئيل ـ وأومى بيده إلى خلفه ـ يأمرني أن آمر مَن لم يسق هدياً أن يحلّ، ولو استقبلت مَن أمرني مثل ما استدبرت لصنعت مثل ما أمرتكم، ولكنّي سقت الهدي، ولا ينبغي لسائق الهدي أن يحلّ حتى يبلغ الهدي محلّه.

قال(عليه السلام) : قال له رجل من القوم: لنخرجنّ حجّاجاً وشعورنا تقطر! فقال له رسول الله(صلى الله عليه وآله) : أما إنّك لن تؤمن بعدها أبداً. فقال له سراقة بن مالك بن جعشم الكناني: يا رسول الله، علّمنا ديننا كأنّما خلقنا اليوم، فهذا الّذي أمرتنا به لعامنا هذا أم لما يستقبل؟ فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله): بل هو للأبد إلى يوم القيامة، ثمّ شبّك أصابعه بعضها إلى بعض وقال: «دخلت العمرة في الحجّ إلى يوم القيامة».

وقدم عليّ(عليه السلام) من اليمن على رسول الله(صلى الله عليه وآله) وهو بمكة، فدخل على فاطمة(عليها السلام) وهي قد أحلّت، فوجد ريحاً طيّبة، ووجد عليها ثياباً مصبوغة، فقال: ما هذا يا فاطمة؟ فقالت: أمرنا بهذا رسول الله(صلى الله عليه وآله). فخرج عليّ(عليه السلام) إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله)مستفتياً محرشاً على فاطمة(عليها السلام)فقال: يا رسول الله، إنّي رأيت فاطمة قد أحلّت وعليها ثياب مصبوغة! فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله) : أنا أمرت الناس بذلك، وأنت يا عليّ بم أهللت؟ قال: قلت يا رسول الله، إهلالاً كإهلال النبيّ(صلى الله عليه وآله)، فقال له رسول الله(صلى الله عليه وآله): كن على إحرامك مثلي، وأنت شريكي في هدْيي.

قال(عليه السلام): ونزل رسول الله(صلى الله عليه وآله) بمكة بالبطحاء هو وأصحابه، ولم ينزل الدُّور، فلمّا كان يوم التروية عند زوال الشمس أمر الناس أن يغتسلوا ويُهلوا بالحجّ، وهو قول الله الذي أنزله على نبيّه(صلى الله عليه وآله): (فاتّبعوا ملّة إبراهيم حنيفاً)([53]) فخرج النبيّ(صلى الله عليه وآله) وأصحابه مهلّين بالحجّ حتى أتوا منى، فصلّى الظهر والعصر والمغرب والعشاء الآخرة والفجر، ثمّ غدا الناس معه، وكانت قريش تفيض من المزدلفة ـ وهي جُمَع ـ ويمنعون الناس أن يفيضوا منها، فأقبل رسول الله(صلى الله عليه وآله)وقريش ترجو أن تكون إفاضته من حيث كانوا يفيضون، فأنزل الله على نبيّه(صلى الله عليه وآله)(ثمّ أفيضوا من حيث أفاض الناس واستغفروا الله)([54])، يعني: إبراهيم وإسماعيل وإسحاق(عليهم السلام) في إفاضتهم منها ومن كان بعدهم. فلمّا رأت قريش أنّ قبّة رسول الله(صلى الله عليه وآله) قد مضت، كأنّه دخل في أنفسهم للذي كانوا يرجون من الإفاضة من مكانتهم، حتى انتهى إلى نمرة ـ وهي بطن عرنة بحيال الاراك ـ فضرب قبته، وضرب الناس أخبيتهم عندها. فلمّا زالت الشمس خرج رسول الله(صلى الله عليه وآله)ومعه فرسه، وقد اغتسل وقطع التلبية حتى وقف بالمسجد، فوعظ الناس وأمرهم ونهاهم، ثمّ صلّى الظهر والعصر بأذان واحد وإقامتين، ثمّ مضى إلى الموقف فوقف به فجعل الناس يبتدرون أخفاف ناقته يقفون إلى جنبها فنحّاها، ففعلوا مثل ذلك، فقال: أيّها الناس، إنّه ليس موضع أخفاف ناقتي الموقف، ولكن هذا كلّه موقف ـ وأومى بيده إلى الموقف ـ فتفرّق الناس. وفعل مثل ذلك بمزدلفة، فوقف حتى وقع القرص ـ قرص الشمس ـ ثمّ أفاض. وأمر الناس بالدّعة حتى انتهى إلى المزدلفة ـ وهي المشعر الحرام ـ فصلّى المغرب والعشاء الآخرة بأذان واحد وإقامتين، ثمّ أقام حتى صلّى فيها الفجر، وعجّل ضعفاء بني هاشم بالليل، وأمرهم أن لا يرموا الجمرة ـ جمرة العقبة ـ حتى تطلع الشمس، فلمّا أضاء له النهار أفاض حتى انتهى إلى منى، فرمى جمرة العقبة. وكان الهَدْي الذي جاء به رسول الله(صلى الله عليه وآله) أربعاً وستّين، أو ستّاً وستّين([55])، وجاء عليّ(عليه السلام) بأربع وثلاثين، أو ست وثلاثين فنحر رسول الله(صلى الله عليه وآله) ستاً وستين ونحر عليّ(عليه السلام)أربعاً وثلاثين وبدنة، وأمر رسول الله(صلى الله عليه وآله) أن يؤخذ من كلّ بدنة منها جذوة من لحم، ثمّ تطرح في بُرمة([56]) ثمّ تطبخ، فأكل رسول الله(صلى الله عليه وآله) منها وعليّ(عليه السلام) وحسيا من مرقها، ولم يُعطِ الجزّارين جلودها ولا جلالها ولا قلائدهاوتصدّق به. وحلق وزار البيت ورجع إلى منى، فأقام بها حتى كان اليوم الثالث من آخر أيام التشريق، ثمّ رمى الجمار، ونفر حتى انتهى إلى الأبطح، فقالت له عائشة: يا رسول الله، ترجع نساؤك بحجّة وعمرة معاً، وأرجع بحجّة؟! فأقام بالأبطح وبعث معها عبدالرحمن بن أبي بكر إلى التنعيم([57]) فأهلّت بعمرة، ثمّ جاءت فطافت بالبيت، وصلّت ركعتين عند مقام إبراهيم(عليه السلام)، وسعت بين الصفا والمروة، ثمّ أتت النبيّ(صلى الله عليه وآله)، فارتحل من يومه، ولم يدخل المسجد، ولم يطف بالبيت، ودخل من أعلى مكّة من عقبة المدنيّين وخرج من أسفل مكّة من ذي طوى([58]) .

 

ب ـ في صحيح مسلم

حدّثنا أبوبكر بن أبي شيبة وإسحق بن إبراهيم، جميعاً عن حاتم، قال: أبوبكر: حدّثنا حاتم بن إسماعيل المدنيّ، عن جعفر بن محمّد، عن أبيه قال: دخلنا على جابر بن عبدالله  فسأل عن القوم حتى انتهى إليَّ، فقلت: أنا محمّد بن عليّ بن حسين، فأهوى بيده إلى رأسي فنزع زرّي الأعلى، ثم نزع زرّي الأسفل، ثم وضع كفّه بين ثدييّ وأنا يومئذ غلام شاب، فقال: مرحباً بك، يا ابن أخي! سل عمّا شئت، فسألته، وهو أعمى وحَضَرَ  وقت الصلاة، فقام في نساجة ملتحفاً بها، كُلّما وضعها على منكبه رجع طرفاها إليه من صغرها، ورداؤه إلى جنبه، على المشجب، فصلّى بنا، فقلت: أخبرني عن حجّة رسول الله(صلى الله عليه وآله)، فقال بيده، فعقد تسعاً، فقال: إنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله) مكث تسع سنين لم يحجّ، ثم أذّن في النّاس في العاشرة: أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله) حاجّ، فقَدِمَ المدينة بشرٌ كثيرٌ، كلّهم يلتمس أن يأتمّ برسول الله(صلى الله عليه وآله)، ويعمل مثل عمله، فخرجنا معه، حتّى أتينا ذا الحُليفة، فولدت أسماء بنت عميس محمّد بن أبي بكر، فأرسلت إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله): كيف أصنع؟ قال: «اغتسلي، واستثفري بثوب وأحرمي» فصلّى رسول الله(صلى الله عليه وآله) في المسجد، ثم ركب القصواء، حتى إذا استوت به ناقته على البيداء، نظرت إلى مدّ بصري بين يديه، من راكب وماش، وعن يمينه مثل ذلك، وعن يساره مثل ذلك، ومن خلفه مثل ذلك، ورسول الله(صلى الله عليه وآله) بين أظهرنا، وعليه ينزل القرآن، وهو يعرف تأويله، وما عمل به من شيء عَمِلْنا به، فأهلّ بالتوحيد: «لبيك اللهمّ! لبّيك، لبّيك لا شريك لك لبّيك، إنّ الحمد والنعمة لك، والملك لا شَرِيكَ لكَ»، وأهلّ الناس بهذا الذي يُهلّون به، فلم يردّ رسول الله(صلى الله عليه وآله) عليهم شيئاً منه، ولَزِمَ رسول الله(صلى الله عليه وآله)تلبيته، قال جابر(رضي الله عنه): لسنا ننوي إلاّ الحجّ، لسنا نعرف العمرة، حتى إذا أتينا البيت معه، استلم الركن فرَمَلَ ثلاثاً ومشى أربعاً، ثم نفذ إلى مقام إبراهيم(عليه السلام)، فقرأ (وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إبْرَاهِيمَ مُصَلَّى)([59]) فجعل المقام بينه وبين البيت، فكان أبي يقول ـ ولا أعلمه ذكره إلاّ عن النبيّ(صلى الله عليه وآله) : ـ كان يقرأ في الركعتين: (قُلْ هو الله أحد)، و(قل يا أيها الكافرون)، ثم رجع الى الركن فاستلمه، ثم خرج من الباب الى الصّفا، فلمّا دنا من الصّفا قرأ: (إنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِر الله)([60]) «أبْدأُ بِما بَدَأَ الله بِهِ» فبدأ بالصّفاء، فَرقى عليه، حتى رأى البيت فاستقبل القبلة، فوحّد والله، وكبّره، وقال: «لا إله إلاّ الله وحدهُ لا شريكَ له، له المُلك ولهُ الحمد وهو على كلّ شيء قدير، لا إله إلاّ الله وحده، أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده». ثم دعا بين ذلك، فقال مثل هذا ثلاث مرّات، ثم نزل الى المروة، حتى ]إذا [انصبّت قدماه في بطن الوادي سعى، حتّى إذا صعدتا مشى، حتى أتى المروة، ففعل على المروة كما فعل على الصّفا، حتّى إذا كان آخر طوافه على المروة فقال: «لو أنّي استقبلت  من أمري ما استدبرت لم أسق الهَدْيَ، وجعلتها عمرة، فمن كان منكم ليس معه هَدْيٌ فليحلّ، وليجعلها عمرةً».

فقام سراقة بن مالك بن جُشعم فقال: يا رسول الله! ألِعَامِنا هذا أم لأبد؟ فشبّك رسول الله(صلى الله عليه وآله) أصابعه واحدة في الأُخرى، وقال: «دخلت العُمرة في الحجّ» مرتين «لا بل لأبد أبد».

وقدم عليّ من اليمن ببُدْنِ النبيّ(صلى الله عليه وآله)، فوجد فاطمة ـ رضي الله عنها ـ ممّن حلّ، ولبست ثياباً صبيغاً، واكتحلت، فأنكر ذلك عليها، فقالت: إنّ أبي أمرني بهذا، قال: فكان عليّ يقول بالعراق: فذهبت إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله)محرّشاً على فاطمة، للّذي صنعت، مستفتياً لرسول الله(صلى الله عليه وآله) فيما ذكرت عنه، فأخبرته أنّي أنكرت ذلك عليها، فقال: «صَدَقتْ صَدَقَتْ، ماذا قُلتَ حين فرضت الحجّ؟» قال: قلتُ: اللهمّ! إنّي أُهلُّ بما أهلَّ به رسولك، قال: «فإنّ معي الهَدْيَ فلا تحلّ». قال: فكان جماعة الهدي الّذي قَدِم به عليّ من اليمن والذي أتى به النبيّ(صلى الله عليه وآله)مائة، قال: فحلّ الناس كلّهم وقصّروا، إلاّ النبيّ(صلى الله عليه وآله) ومن كان معه هَدْيٌ فلمّا كان يوم التروية توجّهوا إلى مِنى، فأهلّوا بالحجّ، وركب رسول الله(صلى الله عليه وآله)فصلّى بها الظُّهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر، ثم مكث قليلاً حتّى طلعت الشمس، وأمر بقبّة من شعر تضرب له بنمرةَ، فسار رسول الله(صلى الله عليه وآله) ولا تشكّ قريش إلاّ أنه واقف عند المشعر الحرام، كما كانت قريش تصنع في الجاهلية، فأجاز رسول الله(صلى الله عليه وآله) حتّى أتى عَرَفَة، فوجد القُبّة قد ضُربت له بنمرة، فنزل بها، حتّى إذا زاغت الشمس أمر بالقصواء، فرُحِلَتْ له، فأتى بطن الوادي، فخطب الناس
وقال:
«إنّ دماءكم وأموالكم حرام عليكم، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، ألا كلّ شيء من أمر الجاهلية تحت قدميّ موضوع، ودماء الجاهلية موضوعة، وإنّ أوّل دم أضَعُ من دمائنا دم ابن ربيعة بن الحارث، كان مُسترضعاً في بني سعد فقتله هُذيل، ورِبا الجاهلية موضوع، وأوّل رباً أضعُ رِبانا، رِبا العبّاس بن عبدالمطلب، فإنّه موضوع كلّه، فاتقوا الله في النّساء، فإنّكم أخذتموهنّ بأمان الله، واستحلَلْتُم فروجهنّ بكلمة الله، ولكم عليهنّ أن لا يُوطئن فُرُشكم أحداً تكرهونه، فإن فعلن ذلك فاضربوهنّ ضرباً غير مُبرِّح، ولهنّ عليكم رزقهنّ وكسوتُهُنّ بالمعروف، وقد تركت فيكم ما لن تضلُّوا بعده إن اعتصمتُمْ به، كتاب الله([61]) وأنتم تُسألون عنّي، فما أنتم قائلون؟» قالوا: نشهد أنّك قد بلّغت وأدّيت ونصحت، فقال بإصبعه السّبّابة، يرفعها إلى السماء وينكُتُها إلى الناس: «اللهمّ! اشهدْ اللهمّ! اشهدْ» ثلاث مرّات، ثم أذّن، ثمّ أقام فصلّى الظهر، ثم أقام فصلّى العصر، ولم يُصلِّ بينهما شيئاً، ثمّ ركب رسول الله(صلى الله عليه وآله)، حتّى أتى الموقف، فجعل بطن ناقته القصواء الى الصّخرات، وجعل حبل المُشاة بين يديهِ، واستقبل القبلة، فلم يزل واقفاً حتى غربت الشمس، وذهبت الصُّفرة قليلاً حتى غاب القُرص، وأردف أُسامة خلفه، ودفع رسول الله(صلى الله عليه وآله) وقد شَنَقَ للقصواء الزّمام، حتى إنّ رأسها ليُصيب مورك رَحْلِهِ، ويقول بيده اليمنى: «أيّها الناس! السّكينة السّكينة» كلّما أتى حَبْلاً من الحِبال أرخى لها قليلاً، حتّى تصعد، حتى أتى المزدلفة، فصلّى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين، ولم يُسبّح بينهما شيئاً، ثم اضطجع رسول الله(صلى الله عليه وآله) حتى طلع الفجر، وصلّى الفجر، حين تبيّن له الصّبح، بأذان وإقامة، ثمّ رَكِبَ القصواء، حتى أتى المَشْعَر الحرام، فاستقبل القبلة، فدعاه وكبّره وهلّله ووحّده، فلم يزل واقفاً حتى أسفر جدّاً، فدفع قبل أن تطلع الشمس، وأردف الفضل بن عبّاس، وكان رجلاً حسن الشعر أبيض وسيماً، فلمّا دفع رسول الله(صلى الله عليه وآله) مرّت به ظُعُنٌ يَجْرينَ، فطفق الفضل ينظر إليهنّ، فوضع رسول الله(صلى الله عليه وآله) يده على وجه الفضل، فحوّل الفضل وجهه الى الشّقّ الآخر ينظر، فحوّل رسول الله(صلى الله عليه وآله) يده من الشّقّ الآخر على وجه الفضل، يصرف وجهه من الشّقّ الآخر ينظر، حتى أتى بطن مُحَسِّر، فحرّك قليلاً، ثم سلك الطريق الوسطى التي تخرج على الجمرة الكبرى، حتى أتى الجمرة التي عند الشجرة، فرماها بسبع حَصَيَات، يُكبّر مع كلّ حصاة منها، حصى، رمى من بطن الوادي، ثمّ انصرف الى المنحر، فنحر ثلاثاً وستين بيده، ثمّ أعطى عليّاً، فنحرَ ما غَبَرَ، وأشركه في هَدْيِه، ثم أمر من كل بدنة ببضعة، فجُعلت في قدر، فطُبخت، فأكلا من لحمها وشَرِبَا من مرقها، ثمّ ركب رسول الله(صلى الله عليه وآله)فأفاض الى البيت، فصّلى بمكّة الظهر، فأتى بني عبدالمطّلب يسقون على زمزم، فقال: «انْزِعُوا، بني عبدالمطّلب، فلولا أن يغلبكم النّاس على سقايتكم لنزعت معكم» فناولوه دلْواً فشرب منه([62]).



([1]) نهج البلاغة: الكتاب 47.

([2]) الخصال: 2/620 / 10، وص 628/10، وص635 / 10.

([3]) المصدر السابق.

([4]) المصدر السابق.

([5]) نهج البلاغة: الخطبة 1.

([6]) نهج البلاغة: الخطبة 192. نتائق: جمع نتيقة وهي البقاع المرتفعة، ومكة مرتفعة بالنسبة لما انحطّ عنها من البلدان، الدمثة: اللينة ويصعب عليها السير والاستثبات منها، وتقول: دمث المكان إذا سهل ولان، ومنه دمث الأخلاق لمن سهل خلقه، الوشلة: ـ كفرحة ـ قليلة الماء، الخفّ: للجمال، والحافر: للخيل والحمار، والظلف: للبقر والغنم، وهو تعبير عن الحيوان الذي لا يزكو في تلك الأرض، ثنى عطفه إليه: مال وتوجه إليه. المنتجع: محل الفائدة، الرمل بالتحريك: ضربٌ من السير فوق المشيء ودون الجري وهو الهرولة، السرابيل: الثياب، وأحدها سربال بكسر السين المهملة فسكون الراء، ملتف البنى: كثير العمران، البرّة: الحنطة والسمراء أجودها، الاعتلاج: الالتطام ومنه اعتلجت الأمواج إذا التطمت، والمراد: زال تلاطم الريب والشك من صدور الناس، فُتُحاً وذللاً بضمتين، والأُولى بمعنى: مفتوحة واسعة، والثانية مذلّلة ميسّرة، كما عن هامش البحار: 99/45/35.

([7]) ثواب الأعمال: 70/3.

([8]) أمالي الطوسي: 668/1398 و296/582 .

([9]) أمالي الطوسي: 668/1398 و296/582.

([10]) أمالي الصدوق: 493/4، التوحيد 253/4.

([11]) علل الشرائع: 405/6.

([12]) عيون أخبار الرضا(عليه السلام) : 2/90 / 1.

([13]) عيون أخبار الرضا(عليه السلام) : 2/119/1.

([14]) تحف العقول: 7 .

([15]) تحف العقول: 149.

([16]) أمالي الطوسي: 694/1478 .

([17]) عيون أخبار الرضا(عليه السلام) : 2/262/29.

([18]) نور الثقلين: 3/492/97.

([19]) ثواب الأعمال: 281/1 و282/2.

([20]) تفسير العياشي: 2/305.

([21]) علل الشرائع: 452/1 و396.

([22]) علل الشرائع: 452/1 و396.

([23]) بحار الأنوار: 27/181 / 30.

([24]) الخصال: 148/180.

([25]) الكافي: 4/338/3.

([26]) بحار الأنوار: 96/125.

([27]) مصباح الشريعة: 142.

([28]) الخصال: 167/219، علل الشرائع: 235/4.

([29]) وسائل الشيعة: 12/60/3.

([30]) الدّر المنثور: 2/63.

([31]) وسائل الشيعة: 9/3/4.

([32]) ثواب الأعمال: 74/16.

([33]) ثواب الأعمال: 74/17.

([34]) الكافي: 4/263/45.

([35]) بحار الأنوار: 7/302/56.

([36]) بحار الأنوار: 7/302/57.

([37]) الكافي: 4/226/2 وص227 / 3، وسائل الشيعة: 9/336 باب 14.

([38]) المصدر السابق.

([39]) كمال الدين: 346/33.

([40]) الكافي 1: 337/6، غيبة النعماني: 175، كمال الدين: 351 ح48، تقريب المعارف، الحلبي: 422.

([41]) راجع مثلاً الرواية التي ينقلها الشيخ الصدوق في كمال الدين: 444/18، الخرائج 2: 961.

([42]) تفسير العياشي: 1/186/92.

([43]) الكافي: 4/194/4 عن معاوية بن عمّار، الفقيه: 2/230/2275 مرسلاً.

([44]) الصّرد: طائر ضخم الرأس، أبيض البطن، أخضر الظهر، يصطاد صغار الطير، جمعه صردان. (المنجد: 422).

([45]) الخُطاف: طائر يشبه السنونو، طويل الجناحين، قصير الرجلين، أسود اللون، جمعه خطاطيف. (المنجد: 187).

([46]) عيون أخبار الرضا(عليه السلام): 1/243 عن أحمد بن عامر الطائي، علل الشرائع: 594/44 وفيه «ثلاثون» بدل «سبعين» عن عبدالله بن أحمد بن عامر الطائي.

([47]) مسند ابن حنبل: 1/501/2067، الترغيب والترهيب: 2/185/7، الدر المنثور: 3/487/18 نحوه كنز العمال: 12/239 ح34796.

([48]) الكافي: 4/205/4 عن عقبة بن بشير.

([49]) الصفاح: موضع بين حنين وأنصاب الحرم يسرة الداخل إلى مكة. والروحاء: موضع بين الحرمين الشريفين على ثلاثين أو أربعين ميلاً من المدينة (تاج العروس: 4/124، وص67).

([50]) الكافي: 4/213/4، علل الشرائع: 419/47 كلاهما عن هشام بن الحكم.

([51]) الحجّ: 27.

([52]) البقرة: 158.

([53]) آل عمران: 95.

([54]) البقرة: 199.

([55]) الترديد من الراوي.

([56]) البرمة: القدر مطلقاً، وهي في الأصل المتخذة من الحجر المعروف بالحجاز واليمن (النهاية: 1/121).

([57]) التنعيم: وهو أدنى موضع في الحلّ قريب من مكة، راجع (معجم البلدان: 2/49).

([58]) التهذيب: 5/454/1588، الكافي: 4/245 / 4 .

([59]) البقرة: 125.

([60]) البقرة: 158.

([61]) سنن أبي داود: 1/425 ح1905، سنن ابن ماجة: 2/1025، باب حجّ رسول الله ح3074.

([62]) صحيح مسلم: 4/39 ـ 43، وراجع للتفصيل صحيح مسلم بشرح النووي: 8 / 402 ـ 421 ح2941 (147) الطبعة التاسعة: (1423 هـ  / 2003م) در المعرفة للطباعة والنشر ـ بيروت.

0
0% (نفر 0)
 
نظر شما در مورد این مطلب ؟
 
امتیاز شما به این مطلب ؟
اشتراک گذاری در شبکه های اجتماعی:

آخر المقالات

باب من قلم أظفاره، وما يجب على من حلق رأسه
انعكاس المفاهيم القرآنية على الشعائر الحسينية
السبت أول أيّام شهر رمضان المبارك في إيران
الشهادة في سبیل الله
الإفساد في الأرض
الخدمة الاجتماعية للمرضى المشرفين على الموت
حرز النبي ص‏
إبن الخيرتين
نشأة القدر
أحداث سنة الظهور حسب التسلسل الزمني

 
user comment