عربي
Friday 1st of March 2024
0
نفر 0

أدعياء العرفان

إنّ من يريد ان يحرر نفسه من جميع القيود المادية وان لا تكون الدنيا وامورها هي التي تحكمه، ولايريد بأن تكون الدنيا هدفه، ويعشق الحق و يستثمر جميع النعم، من اجل الوصول إلى الحق، ولا يبخل عن أي عطاء في هذا السبيل، ويسلّم جميع أموره للحق؛ مطمئن القلب ومتوكلاً على الله؛ فإنه عارف ومتزيّنٌ بجميع خصال العرفان. 
أدعياء العرفان

ذكرنا في السطور السابقة بأن العرفان حالة إلهية؛ تكون جذورها على شكل طاقة كامنة؛ في اعماق الإنسان، و نبع هذه القوة الرحمانية، هو رحمة و الله، والمرشدون لهذه الحالة هم الأنبياء والأئمة(ع) ونصائح ومواعظ العلماء الربانيون والعلماء الذين هم تلاميذ مدرسة النبوة والامامة المخلصين. 

وللأسف الشديد، نجد في تاريخ الحياة، بعض الناس قد اساءوا الاستفادة في  هذه الطاقة الباطنية وبعيداً عن القواعد الإلهية والحكم الربانية؛ فقد دعوا الناس ـ الذين يبحثون عن العرفان ـ إلى قواعد واوامر ومسائل هم صنعوها بأنفسهم وأضلوهم عن طريق المحبوب وأبعدوهم عن حريم النبوة والإمامة وفرّقوا بينهم وبين الحق. 

وانا لا أظن بأن مدّعي العرفان في اليونان والهند وايران القديمة؛ لم يكونوا على علم بنبوّة أنبياء الله عز وجل، حالهم حال رؤساء التصوف من أهل السنة والجماعة، الذين أيضاً بدورهم كانوا على علم بإمامة الأئمة المعصومين للشيعة(ع). 

لكن اهواء مدّعي العرفان، حالت دون العشاق في ارواء عطشهم ءادة فلم يسلکوا الطريق بواسطة الوحي؛ مثلما فعل رؤساء أهل التصوف في عصر الأئمة(ع) فلم يسمحوا للناس بأن يتمسكوا بولاية أهل البيت ويستقوا من هذا المنهل. 

والمؤسف أكثر ـ نتيجة عبادة الهوى ـ مع علمهم ومعرفتهم المسبقة بنبوة الأنبياء(ع)، فإن اعدادهم تزداد كل يوم و يزداد المدّعون، و يتجمع الناس حولهم، ويوجدون مذهباً جديداً! 

وإلى الآن، ليس لدينا عدد دقيق عن عدد المذاهب والديانات. 

و قد قرأت في احدى المجلات العلمية فوجدت أنّ في الهند وحدها أكثر من خمسة عشر مدرسة ومذهباً. ومعظمها تدعي العرفان. 

واذا اضفنا الى جانب هذه المدارس والمذاهب، مدارس اليونان والإسكندرية وإيران القديمة،  فلا نعلم على أي عدد سنصل؟

إن قواعد تلك المدراس هي من صنع فكر الإنسان المحدود، ناهيك عن خلوها من أية فائدة للناس في الدنيا والآخرة، بل من نواحي أخرى، فيها ضرر للإنسان. 

ان أهل البصيرة، من العلماء العاملين، و سالکي الطريق، والعرفاء العاشقين؛ الذين هم المؤيدون من قبل الشرع المقدس، و هؤلاء أذا تكلّموا عن العرفان شيئاً، أو دعوا إلى العرفان، فان حديثهم عن العرفان ليس العرفان الذي اسسته مدارس اليونان والهند وايران والاسكندرية، بل هو  العرفان الذي يدعون إليه؛ هو حقائق القرآن، والأدعية الملكوتية وروايات باب المعارف، وهذا العرفان هو كامل من كل جهات جامع وقابلٌ للعمل، ومهذبٌ للنفس، ويضمن سعادة الإنسان في الدنيا والآخرة ويرتقي بالإنسان في جميع اموره الظاهرية والباطنية. 

هؤلاء العرفاء، إنما هم مؤمنون بربوبية الله ونبوة الأنبياء وامامة الأئمة(ع). 

وكتاب هذه المدرسة هو القرآن، ومعلمه هو العالم الرباني، ومكانه المسجد، وثمرته ونتيجته عبادة الإنسان الخالصة في جميع شؤون حياته لرب العزة والجلال. 

وفي هذه المدرسة، فإن العارف الحقيقي هو الذي يکون ملماً بالمسائل الإلهية، عاملاً بها، متخلّقاً بأخلاق الله، ومنفّذاً لسنن الأنبياء والأئمة(ع). 

وعلى الاخوة ـ من المؤمنين وعلماء الدين والخادمين لدين الإسلام ـ ان لا يستوحشوا من اسم العارف ومسألة العرفان، وان لا يتصوّروا بأن القصد من العرفان، هو عرفان اليونانيين، أو المصريين، أو الهنود، أو الإيرانيين القدماء. الذي دخل قسمه الأعظم الدين بصبغة إسلامية. 

بل إن معنى العرفان في لسان الطاهرين والعرفاء الحقيقين؛ هو: الحالة الباطنية للإنسان تجاه مبدأ الخلق والوجود؛ وعشقه وعلاقته لحضرة المحبوب، وللقرآن الكريم، ونهج البلاغة والأدعية المهمة من قبيل: دعاء كميل ودعاء عرفة، ودعاء أبي حمزة الثمالي، والمناجاة الخمسة عشر، وزيارة أمين الله، ومناجاة أمير المؤمنين في مسجد الكوفة. 

والعارف؛ في مدرسة الإسلام هو: الإنسان المسلّم للحق والراضي بقضاء الله. 

والعارف؛ هو الذي يستثمر جميع الحوادث التي تحدث في الحياة، على أساس قواعد إلهية ويعتبر نفسه إنساناً في حالة إمتحان وتمحيص من قبل الله سبحانه وتعالى. 

إن الذين ينشدون طهارة القلب، والنفس، والروح، والذات، والذين يبحثون عن اعلى مراحل الأخلاق الإنسانية، والمتلهفين لأن يتحلّوا بأخلاق الله، ويسعون بأن يصبحوا خلفاء الله بحق، ويرغبون بأن تكون جميع حركاتهم وسكناتهم مطابقة لأوامر الله ويعشقون النظم المعنوية والعرفان في كل وجودهم، ولأجل الوصول إلى جميع هذه الحقائق فإنهم يتجهون إلى القرآن الأنبياء والأئمة(ع)، والادعية الواردة عنهم، ولايغفلون عن مناجاة الله في الليل والاستغفار في السحر؛ هم العرفاء حقاً و صدقاً. 

إنّ من يريد ان يحرر نفسه من جميع القيود المادية وان لا تكون الدنيا وامورها هي التي تحكمه، ولايريد بأن تكون الدنيا هدفه، ويعشق الحق و يستثمر جميع النعم، من اجل الوصول إلى الحق، ولا يبخل عن أي عطاء في هذا السبيل، ويسلّم جميع أموره للحق؛ مطمئن القلب ومتوكلاً على الله؛ فإنه عارف ومتزيّنٌ بجميع خصال العرفان. 

والعارف الحقيقي؛ يشع نور التوحيد في قلبه فلا يبقي مجالاً للترديد، او الشك او الوسوسة، او النفاق او الشرك، حتى لو قطعوه إربا إربا و يحرقونه بالنار، فإن عشقه للساحة القدسية لن يتضاءل أو يضعف. وجملة أركان العرفان ومسائله والتي يتألق بها العارف هي: التسليم و الرضا و التوكل و الزهد و الورع و التقوى و التضرع و الانابة و التوبة و الايمان بالنبوة و الامامة و طهارة الروح و الخشوع و الخضوع و العبادة الخالصة و مساعدة الناس ورعاية حقوق الآخرين. 

ويجب الأخذ بعين الاعتبار بأن هذه المسائل التي وضحناها ليست بالمسائل الدخيلة او الهامشية. 

المعرفة الحقيقية للحق، والوعي بأهداف الأنبياء والأئمة(ع) وتنفيذ الأوامر الإلهية والتحلي بالأخلاق الحسنة، هو محض العرفان الخالص. 

ويجب ان نعلم أن الاهتمام بهذه البرامج، والسير باتجاه الحقيقة، يعتمد فقط وفقط الحالة العرفانية الخالصة؛ والأحوال الالهية الباطنية للإنسان، وهي تلك الحالة التي كلها انجذاب وارادة وعشق ومحبة نحو الساحة القدسية. 

وبما أن الحالة المعنوية والروحية للإنسان تعتبر بمثابة الجذر لجميع الأمور؛ فان الأنبياء والأئمة(ع)، كان همهم منصبُّ في تزكية النفس. 

يقول خاتم الأنبياء وسيد الهداة:

«بُعِثْتُ لاُِتَمِّمَ مَكارِمَ الاَْخْلاقْ». 

لذا فان السلوك العرفاني يبدأ من تزكية الباطن، وتصفية النفس، وحصول الحالة العرفانية للإنسان، وتحلّي القلب بالانجذاب والمحبة والعشق تجاه المحبوب، وأداء التكاليف الشرعية، ثم الاتصال بالملكوت الأعلى، فالوصول إلى مقام التحكم بالنفس، ومنزلة القرب الإلهي، ولقاء الحق في نهاية الحياة وختامه بداية حياة أخروية. 

0
0% (نفر 0)
 
نظر شما در مورد این مطلب ؟
 
امتیاز شما به این مطلب ؟
اشتراک گذاری در شبکه های اجتماعی:

آخر المقالات

المحُبُّة والمعرفة
الأمل في القرآن الكريم و الروایات
تحقيق حول مصباح الشريعة
الأثر السيء للتكبر
الخوف من وقوع الخطر للناس
معرفة الله في العلوم الحديثة
حقيقة باطن العارفين
من هو العارف؟
الخوف الطبيعي
الخوف من الله في الأدعية الإسلامية

 
user comment