عربي
Wednesday 28th of February 2024
0
نفر 0

العرفان من لسان الإمام علي(ع)

لعل مراد كميل من سؤاله هذا حقيقة كل شيء، حقيقة المبدأ والمعاد، والنبوة، والولاية، حقيقة حال المؤمن والكافر، حقيقة مقام الخلافة وأنه لماذا بعد الرسول|؛ يصبح باب علمه جليس بيته ويستشهد أبناؤه وتخفى الحقائق القرآنية وأسرار ولطائف العلوم السماوية على الناس.
العرفان من لسان الإمام علي(ع)

«سَأَلَ كُمَيْلُ بْنُ الزِّياد النَّخَعي مَولَى الْعارِفينَ وسَيِّدِ الْمُوَحِّدينَ أَميرِالْمُؤْمِنينَ(ع): يا عَلِيّ مَا الْحَقيقَةُ؟ قالَ(ع): مالَكَ وَالْحَقيقَةُ؟ قالَ: أَوَلَسْتُ صاحِبَ سِرِّكَ ؟ قالَ: بَلى وَلكِنْ يَرْشَحُ عَلَيْكَ ما يَطْفَحُ مِنّي، قالَ: أَوَمِثْلُكَ تُخَيِّبُ سائِلاً; فَقالَ أَميرُالْمُؤْمِنينَ: الحَقيقَةُ كَشْفُ سَبَحاتِ الْجَلالِ مِنْ غَيْرِ إِشارَة، فَقالَ: زِدْني بَياناً، فَقالَ(ع): مَحْوُ الْمُوْهُومِ مَعَ صَحْوِ الْمَعْلُومِ، فَقالَ: زِدْني بَياناً، فَقالَ(ع): هَتْكُ السِّتْرِ لِغَلَبَةِ السِرِّ، فَقالَ: زِدْني بَياناً، فَقالَ(ع): جَذْبُ الأَحَدِيَّةِ لِصِفَةِ الْتَوْحيدِ، فَقالَ: زِدْني  بَياناً، فَقالَ(ع): نُورٌ يَشْرُقُ مِنْ صُبْحِ الأَزَلِ فَيَلُوحُ عَلى هَياكِلِ التَّوْحِيد آثارُهُ، فَقالَ: زِدْني بَياناً، فقال(ع): أَطْفِ السِّراجَ فَقَدْ طَلَعَ الصُّبْحُ». 

نقل هذا الحديث الشريف عن كميل عن أمير المؤمنين(ع)[1]. 

اغتنم كميل يوماً الفرصة، وسأل مولى العارفين ما الحقيقة؟

ما الحقيقة؟:

قال جماعة: المراد من الحقيقة مقام حقيقة الحقائق والهوهوية وسرّ السرّ وغيب الغيوب مما قد اشير إليه في سورة الاخلاص {قُلْ هُوَ}، «هو» مقام الربوبية والهوهوية المستورة والغيب المطلق وهذا الاسم يعتبره العارفون الاسم الاعظم، كما نقل في الفصول المهمة للشيخ الحر العاملي عن أمير المؤمنين(ع) بأني رأيت الخضر في الرؤيا في الليلة التي هي قبل ليلة بدر، فقلت له: علمني شيء أظفر به على الاعداء، قال: قل: «يا من هو يا من لا هو إلا هو»، فعرضت صباحاً رؤياي على رسول الله(ص)، فقال: عرفت الاسم الاعظم لذا فان أهل الله يقومون بتعليم ذلك للاذكار القلبية واللسانية لأهل السير والسلوك بوصفه الاسم الاعظم. اعتبر البعض الحقيقة مقام ظهور ذلك، أي مرتبة الإلوهية وما عبر عنه في سورة التوحيد بالله الاحد وفسر الحقيقة آخرون بالحقيقة المحمدية. 

لعل مراد كميل من سؤاله هذا حقيقة كل شيء، حقيقة المبدأ والمعاد، والنبوة، والولاية، حقيقة حال المؤمن والكافر، حقيقة مقام الخلافة وأنه لماذا بعد الرسول|؛ يصبح باب علمه جليس بيته ويستشهد أبناؤه وتخفى الحقائق القرآنية وأسرار ولطائف العلوم السماوية على الناس. 

ولعل المراد من الحقيقة، الحقيقة الولوية للغائب القائم وسر سر العالم، والآدمي وهو مظهر حقيقة وحقائق الشريعة والقدرة والعدالة. 

ولعل مقصود كميل حقيقة حال النفس الناطقة في السير والسلوك إلى المقامات العالية لمعرفة الله وكان يريد في الحقيقة ان يقول: يا علي! حقيقة حال الإنسان في تزكية النفس وصفاء الباطن وما مقامه النهائي في السلوك إلى الله ومتى يتخلص من عالم المجاز والأغراض الجسمانية والاوهام الباطلة ويسقط عن عين باطنه الحجاب النوراني والظلماني ويصل من الدنيا والاخرة وكل الغايات الوسطى المجازية، ليبلغ غاية الغايات ويتمكن من الوصول إلى مقام شهود الحق وذلك غاية آمال العارفين، وما هو سبيل بلوغ ذلك المقام؟

ولعل المراد سير الروح والنفس الكلية الإلهية وهو المعنى السابق، لكن من جهة وحيثية أخرى، أي من السير التجردي ونيل الفناء وهو بعد طي الاسفار الاربعة: 1ـ من الخلق إلى الحق. 2ـ بالحق في الحق. 3ـ من الحق الی الحلق بالحق. 4ـ  بالحق في الخلق. 

على كل حال لعل المراد من الحقيقة مفهومها مما يشمل هذه المعاني كلها، وينبغي معرفة ان ليس لحضرته تعالى حجاب عنه وان الوجود كله من مقام (هو) أي هوية الذات المتفردة ما يعبر عنه بمقام غيب الغيوب، ومقام التجلي وهو مقام الإلوهية والذات المستجمعة لجميع الاسماء والصفات الكمالية ومقام التجليات الاسمائية مما لدى الحكيم، عالم الربوبية وعالم العناية والنظام الرباني ولدى العارف، عالم تجلي الفيض الاقدس وظهور الماهيات الامكانية العلمي في الحضرة العلمية أو نشأة الاعيان الثابتة، والى مقامات التجليات فيض المقدس الافعالية وتلك حقائق الخلقة والظهور الخلقي العيني، أي جميع عوالم اللاهوت والجبروت والملكوت والناسوت والكرات اللامحدودة لهذا الفضاء اللامتناهي تتضح لذاته كلاً وجزءً ولن يكون أي خفاء وغيبة في سماوات عوالم الارواح المجردة واراضي الاشباح المادية، لتلك الحقيقة المحيطة بالكل، لكن لتلك الذات المتفردة الوحيدة عن خلقها حجب كثيرة، بل وغير متناهية؛ اذ كل واحد من الوجودات غير المتناهية مما هو تجليات الحق وكل من الماهيات اللامتناهية التي هي مظهر تعينات الاسماء الإلهية، ستكون حجاباً على وجه ذلك الوجود الصرف والحقيقة المطلقة والوجود المحض ولن تستطيع أي من المراتب الخلقية من مقام العقل الأول والحقيقة المحمدية حتى سائر القوى الادراكية النظر إلى ذلك لشهود كل الجمال، دون حجاب وغيره، فلن يقدر احد غيره مشاهدة ذلك الحسن الكلي منكشفاً دون ستار وفي كنهه وبشكل عام فإن تلك الحجب اللامتناهية على قسمين: نوراني وظلماني. 

 


[1]- «گلشن راز: 202»؛ مجالس المؤمنين المرحوم القاضي- 2/10؛ شرح الاسماء  الحسنی ملّا هادي السبزواري- 1/133. 

0
0% (نفر 0)
 
نظر شما در مورد این مطلب ؟
 
امتیاز شما به این مطلب ؟
اشتراک گذاری در شبکه های اجتماعی:

آخر المقالات

الأمل في القرآن الكريم و الروایات
تحقيق حول مصباح الشريعة
الأثر السيء للتكبر
الخوف من وقوع الخطر للناس
معرفة الله في العلوم الحديثة
حقيقة باطن العارفين
من هو العارف؟
الخوف الطبيعي
الخوف من الله في الأدعية الإسلامية
العرفان من لسان الإمام علي(ع)

 
user comment