يروى ان في أيام مالك بن دينار كان هنالك رجل قضى جميع عمره في الخراب والشر، ولم يتجه إلى الخير ولم يخطر في باله عمل خير قط. فحذره الصالحون من ذلك، لكنه لم يعبأ بهم، حتى إذا جاءت سكرة الموت، فلما رأى ذلك وأن لا مفر منه، رأى في جريدة وصحيفة أعماله، فلم يشاهد شيئاً يشجعه على الأمل برحمة الله، ونظر إلى عمره الذي قضاه في الشر، فلم ير غصن أمل فيها يستطيع أن يتمسك به، فتأوّه من أعماق قلبه ونظر إلى السماء وقال:
«يا مَنْ لَهُ الدُّنْيا وَالآخِرَةُ ارْحَمْ مَنْ لَيْسَ لَهُ الدُّنْيا وَالآخِرَةُ».
ففرح أهل المدينة من موته، ورقصوا على جنازته فرحاً، وأخرجوه إلى خارج المدينة، ووضعوا جنازته في إحدى المزابل ورموا القمامة عليها.
فرأى مالك بن دينار في عالم الرؤيا: إن عبداً من عبادي قد مات، وقد رموه في إحدى المزابل خارج المدينة، قم إليه وغسّله ثم كفنّه وادفنه في مقابر الصالحين. فقال مالك: يا إلهي! لقد كان عبدك معروفاً بين خلقك بالشر والسئيات، فبما استحق كرامتك هذه؟
فجاء النداء: عندما جاء الموت إليه، نظر إلى صحيفة أعماله، فلم ير شيئاً يستطيع التشبث به، فرجع إلينا بكل وجوده، ونظر إلينا نظرة عاجز، ومد يده إلى فضلنا، فرحمنا ضعفه، وغفرنا له جميع ذنوبه كيوم ولدته امه، ونجّيناه من العذاب، وادخلناه إلى جنات النعيم الخالدة، فمن ذا طرق بابنا وأرجعناه خائباً؟ ومن ذا أتانا مهموماً ولم نلبسه ثوب الراحة والعافية؟[1]
[1]- منهج الصادقين: 8/100.