عربي
Saturday 2nd of March 2024
0
نفر 0

الخوف من سوء العاقبة

2 ـ الخوف من سوء العاقبة:

ان أهل المعرفة والحق  يعتقدون ان الإنسان إلى آخر لحظه من عمره في مواجهة مع عدوين هما: اعداء داخليون واعداء ظاهريون.

فالاعداء الباطنيون؛ مثل هوى النفس وتوابعه كالرياء والنفاق، والكبر، والغرور، والتجبر، والحسد، والبخل، و...، والاعداء الظاهريون، مثل ابليس، انواع شيطانين الانسان، أشباه الإنسان من الأصدقاء، والقوى المستبدة والاستعمارية، كل هؤلاء الاعداء يسعون بأن يحرفوا الإنسان عن الصراط المستقيم ويجرّوه إلى وادي الضلالة والجهل.

دون شك ،فالإنسان لا يستطيع بسهولة ان يتخلص من كل هذا، بل يحتاج إلى احتياج اكيد لمعرفة أولئك الاعداء ومحاربتهم بإصرار.

أولياء الله مع وجود كل هذه المخاطر، فإنهم دائماً قلقين من عاقبة أمورهم و وجلين من نهاية اعمالهم، وهل أنهم سينتصرون ام النصر يكون حليف اعدائهم الباطنيين والظاهريين! وهذا الخوف القيم والوحشة من عاقبة الأمور، له أهمية كبيرة؛ لأنه يدفع بهم ان يكونوا في حالة من المراقبة والانتباه، وتلزمهم على معرفة اعدائهم ومحاربتهم وتصنع منهم اناس عارفين وذوو بصيرة.

وما أجمل تعبير النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في هذا المجال:

>لا يَزالُ الْمُؤْمِنُ خائِفاً مِنْ سُوءِ الْعاقِبَةِ لا يَتَيَقَّنُ الْوُصُولَ إِلَى رِضْوانِ اللّهِ حَتّى يَكُونَ وَقْتَ نَزْعِ روحِهِ وَظُهورِ الْمَلَكِ الْمَوْتِ له<([1]).

 

أمثلة من القرآن الكريم حول سوء العاقبة:

أشار القرآن الكريم إلى سوء عاقبة بعض الأفراد من الامم السابقة وكذا بعض المسلمين، ويريد من الناس أن يعتبروا و يراقبوا ويحافظوا على أنفسهم حتى لا يسقطوا في عار سوء العاقبة.

برصيصا العابد:

{كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إِذْ قالَ لِلإِْنْسانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قالَ إِنِّي بَرِي ءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ رَبَّ الْعالَمِينَO([2]).

يعتقد أكثر المفسرين ان هذه الآية تبين سوء عاقبة احد رجال بني إسرائيل بإسم برصيصا.

وقصته كالتالي:

كان في بني إسرائيل عابد اسمه برصيصا، عبدالله زمانا من الدهر حتى كان يؤتى بالمجانين يداويهم ويعوذهم فيبرؤون على يده، وإنه أتي بامرأة في شرف قد جُنّت وكان لها إخوة فأتوه بها وكانت عنده، فلم يزل به الشيطان يزين له حتى وقع عليها فحملت، فلما استبان حملها قتلها ودفنها، فلما فعل ذلك ذهب الشيطان حتى لقي أحد إخوتها فأخبره بالذي فعل الراهب وأنه دفنها في مكان كذا، ثم أتى بقية إخوتها رجلا رجلا فذكر ذلك له، فجعل الرجل يلقى أخاه فيقول: والله لقد أتاني آت ذكر لي شيئا يكبر علي ذكره، فذكره بعضهم لبعض حتى بلغ ذلك ملكهم، فسار الملك والناس فاستنزلوه فأقر لهم بالذي فعل، فأمر به فصلب، فلما رفع على خشبته تمثل له الشيطان فقال: أنا الذي ألقيتك في هذا، فهل أنت مطيعي فيما أقول لك أخلصك مما أنت فيه؟ قال: نعم، قال: اسجد لي سجدة واحدة، فقال: كيف أسجد لك وأنا على هذه الحالة؟ فقال: أكتفي منك بالايماء، فأومأ له بالسجود، فكفر بالله، وقُتل الرجل([3]).

 

2 ـ ثعلبة بن حاطب

{وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللّهَ لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الْصَّالِحِينَ * فَلَمَّا آتَاهُم مِن فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوا وَهُمْ مُعْرِضُونَ * فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِى قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ}([4]).

فقد كتب المفسرون، أن هذه الآيات نزلت في حق >ثعلبة بن حاطب< الذي كان واحداً من الأنصار، وقصته كالتالي:

جاء ثعلبة بن حاطب الأنصاري إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وقال: يا رسول الله ادع الله أن يرزقني مالاً، فقال: >ويحك يا ثعلبة ، قليل تؤدي شكره خير من كثير لا تطيقه<، ثم جاءه بعد مدة وكرر عليه القول فقال له: >أما لك فيّ أسوة حسنة؟ والذي نفسي بيده لو أردت أن تسير الجبال معي ذهباً وفضة لسارت<، ثم جاءه بعد مدة وكرر عليه القول وقال: والذي بعثك بالحق لئن رزقني الله مالاً لأعطين كل ذي حق حقه، فقال له رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم: >اللهم ارزق ثعلبة مالاً<، فاتخذ غنماً فنمت كما ينمو الدود ، فكان يصلي مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) الظهر والعصر ويصلي عند غنمه باقي الصلوات، ثم أصبح لا يشهد مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) سوى الجمعة، ثم كثرت غنمه وزادت فتقاعد حتى لا يشهد الجمعة ولا الجماعة.

فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ذات يوم:>ما فعل ثعلبة؟<، فقيل له: اتخذ غنماً لا يسعها وادٍ ، فقال: >يا ويح ثعلبة ، يا ويح ثعلبة ، يا ويح ثعلبة<، فلما وجبت الزكاة أرسل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم رجلان ليجمعا الصدقة وقال لهما: >مُرا بثعلبة بن حاطب وبرجل من بني سُليم فخذا صدقاتهما<، فمرا على حاطب وأمراه بدفع الزكاة فقال: ما هذه إلا جزية، ما هذه إلا أخت الجزية، وطلب منهما العودة إليه عند الفراغ من جمعها، فذهبا إلى السُلمي فأخرج أطيب ما عنده، فرجعا إلى حاطب فقال: ما هذه إلا جزية، ما هذه إلا أخت الجزية، اذهبا حتى أرى رأيي، فأقبل الرجلين على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقال قبل أن يسألهما: >يا ويح ثعلبة، يا ويح ثعلبة<([5]).

فبقي مشغولاً بجمع الثروة ومضاعفتها، حتى ذهبت جميع ثروته من يديه واصبحت عاقبته إلى سوء كما صرّح بذلك القرآن الكريم.

 

امثلة من تاريخ الإسلام:

>الزبير< أحد اعظم رجال الإسلام البارزين، وكان له دور مؤثر وكبير في الجهاد في سبيل الله، ومساعدة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم).

ففي احدى المعارك التي كان فيها مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، كُسر سيفه،  فأخذ الرسول فوراً خشبة ومسح بيديه الكريمتان عليه فتبدلت إلى سيف باذن الله، فأخذ الزبير السيف واستعمله في طريق الإسلام وتحقيق أهداف الرسالة.

فقد قالوا ان افضل اربع مدافعين عن الإسلام هم: علي بن أبي طالب (عليه السلام)، والزبير بن العوام، وأبو دجانة الأنصاري، وسلمان الفارسي.

وكان الزبير، أحد القلائل الذين قبلوا دعوة أمير المؤمنين (عليه السلام) للدفاع عن الحق، بعد وفاة الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم)؛ دون قيد أو شرط.

وكان أحد الأربعة ، الذين قبلوا الدفاع عن الحق بعد وفاة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ولم يجد أمير المؤمنين (عليه السلام) خامساً لهم، والثلاثة البقية هم: سلمان وابو ذر والمقداد.

وبايع الزبير، يوم شورى السقيفة علياً (عليه السلام).

وكان ممن أوصت به بنت الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) أن يكون في تشييع جنازتها بعد وفاتها.

وكتب علي (عليه السلام) في رسالة إلى أحد أصحابه: الزبير، هو أحد اشجع شجعان هذه الأمة.

ولكن للأسف مع جميع تلك المنزلة والفضل، وكل تلك الشجاعة والفتوة والمصاعب التي تحمّلها في طريق الإسلام وأهل بيت الرسول، تورّط ووقع في حب الجاه والدنيا؛ الذي أدّى به إلى الخروج من دائرة الحق والعداوة مع أفضل خلق الله.

فكانت عاقبته أن اغتر بحديث معاوية، وترغيب عائشة له، فقام بتضليل أهل البصرة وسائر المدن الإسلامية، وجمع آلاف الناس ضد أمير المؤمنين (عليه السلام) ـ الذي كاد ان يعيد الثقافة الإسلامية إلى مسيرها الصحيح بعد مدة طويلة ـ  و شغل الإمام مدة من الزمن في محاربة الأعداء في معركة اسمها >الجمل<، ثم بعد في معركة الصفين والنهروان، وذلك الإمام الهمام في آخر المطاف استشهد في ميدان المحراب، ونال شرفها، ولم يصل إلى هدفه وهو إصلاح الإمة الإسلامية.

وتورّط الزبير في دماء آلاف المسلمين والأبرياء في معركة الجمل، وأوجد مضايقة شديدة لدولة الحق آنذاك، ودون ان يستفاد او ينتفع أقل انتفاع مادي ودنيوي، فقد قتل على يد رجل في الصحراء، وساءت عاقبته، لدرجة انه يُذكر بإمام الضلالة والكفر في الكتب الإسلامية([6]).

نعم، إن أهل الصحوة وعشاق الله حتى آخر لحظة من عمرهم ونظراً لحياة هكذا أناس التي جاءت في القرآن الكريم والتاريخ، فإنهم يعيشون حالة من الخوف والوحشة حول عاقبة امرهم.

نعم، ومن بركة هذا الخوف، فإنهم دائماً في حالة مراقبة انفسهم، ومن أجل دفع الخطر عن حياتهم الروحانية، فإنهم دائماً في حالة جد واجتهاد.

لذا فإن الخوف من سوء العاقبة، حقيقة يحتاج لها الإنسان المؤمن. وإذا لم تكن مع الإنسان، فإنه لا يتحرك لإزالة ودفع موانع حسن العاقبة عن طريق حياته.

 

3 ـ الخوف من معصية الله سبحانه وتعالى:

منذ أيام حياة البشرية، من أجل منع وقع الجرائم، وضعت العقوبة والقوانين الجزائية. قانون العقوبات والقوانين الجزائية؛ بشقيها الشخصية والاجتماعية، هي من أهم العوامل في ايجاد الخوف من ارتكاب الجرائم، وتساعد على التقليل من المفاسد والجرائم الاجتماعية.

إن القوانين الإلهية ـ التي تحتوي على جميع الاحكام اللازمة لحياة الإنسان وهدفها هو جلب الفائدة ودفع الضرر عن الإنسان ـ عادة تنص على أن هناك نوعان من الجزاء للجرائم والذنوب؛ اولها: العقوبات الدنيوية التي هي نتجة للأعمال والسلوك الشخصي والاجتماعي للإنسان، والعقوبات الأخروية التي هي مختصة بالذنوب أيضاً.

ان كل الكتب السماوية، والأنبياء والأئمة (عليهم السلام)، قد وضّحوا جميع حالات الأحكام للجرم والجريمة، ولم ينسوا شيئاً منها.

فالذين آمنوأ بالله واليوم الآخر، والذين هم من تلاميذ مدرسة الأنبياء والأئمة (عليهم السلام)، لا يلوّثون أنفسهم بالذنوب، خوفاً من عصيان الله، وذلك لأنهم يعرفون بأن الذنب يكون سبب في طرد الإنسان عن رحمة وعناية الله سبحانه وتعالى.

فقلوب العشاق والسالكين طريق الحق، لا تكون خالية أبدا من هكذا خوف، ولهذا فإنهم يبدؤون حياتهم بالطهارة ويختمونها بالطهارة.

القرآن الكريم والروايات الشريفة والاحاديث تثمّن هذا النوع من الخوف، وتعتبر اصحاب هذا الخوف هم عباد الله الحقيقيين ومن أطهر عباد الله سبحانه وتعالى.

نعم، فسبب رشد وكمال وطهارة الروح والجسد، هو هكذا خوف، الذي بدونه، يستحيل الوصول إلى مقام القرب الإلهي.

في هذا الفصل من اللازم ان نشير إلى بعض الآيات المرتبطة بالخوف وحالات الخائفين حتى يُعرف قيمة هذا الخوف ومكانته في حفظ حياة الإنسان من الذنوب، ويُعلم بكل وضوح ان الخوف من عذاب الله، هو افضل سبب لإيجادة حالة من الأمن والأمان في حياة والآخرة.

 

الخوف من العذاب في القرآن:

يقول الله سبحانه وتعالى، لرسوله الكريم (صلى الله عليه وآله وسلم): أن قل للناس:

{قُلْ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ}([7]).

ويقول سبحانه وتعالى أيضاً: أن قل للمؤمنين:

{إِنَّما ذلِكُمُ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أَوْلِياءَهُ فَلا تَخافُوهُمْ وَخافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ}([8]).

ويقول القرآن الكريم في حق أهل البيت (عليهم السلام):

{يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْماً كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً * وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لاَ نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلاَ شُكُوراً * إِنَّا نَخَافُ مِن رَبِّنَا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً * فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً}([9]).

ان الخوف من يوم الجزاء ومن مقام الله سبحانه وتعالى، من أهم العوامل في تهيئة الإنسان لقبول الأحكام واوامر الله سبحانه وتعالى، فلأجل هذا يقول الله سبحانه وتعالى لرسوله (صلى الله عليه وآله وسلم):

{... فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخافُ وَعِيدِ}([10]).

نعم، فأولئك الذين يخافون من يوم الحشر ومن الدقة في الحساب يعلمون ان في ذلك اليوم لا ينفع صديق أو شفيع سوى الله سبحانه وتعالى، هم دائماً في طريق الرشد والتكامل والحركة نحو القرب الإلهي، وأولئك هم الذين بكل شوق وعشق حاضرين لقبول القرآن الكريم، وتزيين حياتهم بآياته، يقول القرآن الكريم حول الخوف الممدوح:

{وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ}([11]).

وكذلك يقول القرآن المجيد:

{الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلاَ يَنقُضُونَ الْمِيثَاقَ * وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ * وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلاَنِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ}([12]).

ويقول أيضاً عن عباده الطاهرين والمؤمنين:

{رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقامِ الصَّلاةِ وَإِيتاءِ الزَّكاةِ يَخافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَْبْصارُ}([13]).

فالقرآن الكريم قد وضع أوصاف المذنبين في يوم القيامة أمام الناس فيه، وبهذا فقد أوجد ارضية الخوف في قلوب العشاق، وبهذه الطريقة فإنه يدعوهم إلى سبيل الرشاد والطهارة، إذ يقول الله سبحانه وتعالى:

{فَاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ قُلْ إِنَّ الْخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَلا ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ}([14]).

ويقول أيضاً:

{وَأَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى}([15]).

الخوف في الروايات:

>عَنْ حَمْزَةِ بن حُمْرانِ، قالَ: سَمِعْتُ أَبا عَبْدِاللّهِ (عليه السلام) يَقُول: إِنَّ مِمّا حُفِظَ مِنْ خُطَبِ النَّبِيِّ (صلى الله عليه وآله وسلم) اَنَّهُ قالَ: يا أَيُّهَا النّاسُ إِنَّ لَكُمْ مَعالِمَ فَانْتَهُوا إِلى مَعالِمِكُمْ وَإِنَّ لَكُمْ نَهايَةً فَانْتَهُوا إِلى نَهايَتِكُمْ، أَلا إِنَّ الْمُؤْمِنَ يَعْمَل بَيْنَ مَخافَتَيْنَ: بَيْنَ أَجَل قَدْ مَضى لا يَدْري مَا اللّهُ صانِعٌ فيهِ، وَبَيْنَ أَجَل قَدْ بَقِيَ لا يَدْري مَا اللّهُ قاض فِيه فَلْيَأخُذِ الْعَبْدُ الْمُؤْمِنُ مِنْ نَفْسِهِ لِنَفْسِهِ وَمِنْ دُنْيا لآخِرَتِهِ، وَفي الشَّبِيَةِ قَبْلَ الْكِبَرِ وَفي الْحَياة قَبْلَ الْمَماتِ فَوَ الَّذي نَفْسُ مَحَمَّد بِيَدِهِ مَا بَعْدَ الدُّنْيا مِنْ مُسْتَعْتَب وَمَا بَعْدَها مِنْ دار إِلاّ الْجَنَّةَ اَوِ النَّارَ<([16]).

 

عَنْ أَبِي عَبْدِاللّهِ (عليه السلام) فى قَوْلِ اللّهِ عَزَّوَجَلَّ {وَلِمَنْ خَافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ} قالَ: مَنْ عَلِمَ أَنَّ اللّهَ يَراهُ وَيَسْمَعُ مَايَقُولُ وَيَعْلَمُ مَا يَعْمَلُهُ مِنْ خير أَوْ شَرٍّ فَيَحْجُزُهُ ذلِكَ عَنِ الْقَبِيحِ مِنَ الاَْعْمَالِ فَذلِكَ الَّذي خَافَ مَقامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى([17]).

 

عَنِ الْهِيْثَمِ بْنِ واقِدِ قالَ: سَمِعْتُ أَبا عَبْدِاللّهِ (عليه السلام) يَقُولُ: مَنْ خافَ اللّهَ أَخافَ اللّهُ مِنْهُ كُلَّ شَيء، وَمَنْ لَمْ يَخَفِ اللّهَ أَخافَهُ اللّهُ مِنْ كُلِّ شَيْء([18]).

 

عَنْ أَبي حَمْزَةِ قالَ: قالَ أَبُو عَبْدِاللّهِ: مَنْ عَرَفَ اللّهَ خافَ اللّهَ وَمَنْ خافَ اللّهَ سَخَتْ نَفْسُهُ عَنِ الدُّنْيا([19]).

 

قالَ أَبُو عَبْدِاللّهِ: يَا إِسْحاقَ! خَفِ اللّهَ كَأَنَّكَ تَراهُ وَإِنْ كُنْتَ لا تَراهُ فَإِنَّهُ يَراكَ، فَإِنْ كُنْتَ تَرَى أَنَّهُ لا يَراكَ فَقَدْ كَفَرْتَ وَاِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّهُ يَراكَ ثُمَّ بَرَزْتَ لَهُ بِالْمَعْصِيَةِ فَقَدْ جَعَلْتَهُ مِنْ أَهْوَنِ النّاظِرينَ عَلَيْكَ([20]).

 

عَنْ جَعْفَرِ بنِ مُحَمَّد عَنْ آبائِهِ في وَصِيَّةِ النَّبىِّ (صلى الله عليه وآله وسلم) لِعَلِىٍّ (عليه السلام): يا عَلِيُّ ثَلاثٌ مُنْجِيَاتٌ; خَوْفُ اللّهِ في السِّرّ وَالْعَلانِيَةِ، وَالْقَصْدُ في الْغِنى وَالْفَقْرِ، وَكَلِمَةُ الْعَدْلِ في الرّضا وَالْغَضَبِ([21]).

 

عَنْ أَبي عَبْدِاللّه (عليه السلام) قالَ: قُلْتُ لَهُ: قَوْمٌ يَعْمَلُونَ بِالْمَعاصي وَيَقُولُونَ نَرْجُو فَلا يَزالُونَ كَذلِكَ حَتّى يَأْتِيَهُمُ الْمَوْتُ فَقالَ: هؤلاءِ قَوْمٌ يَتَرجَّحُونَ في الأَمانِيّ كَذِبُوا ليْسُوا بِراجينَ، إِنَّ مَنْ رَجا شَيْئاً طَلَبَهُ وَمَنْ خافَ مِنْ شَي ء هَرَبَ مِنْهُ([22]).

 

عن أَبي عَبْدِاللّهِ (عليه السلام) قالَ: الْمُؤْمِنُ بَيْنَ مَخافَتَيْنِ: ذَنْبٌ قَدْ مَضى لا يَدْري ما صَنَعَ اللّهُ فِيهِ وَعُمْرٌ قَدْ بَقيَ لا يَدْري ما يَكْتَسِبُ فِيهِ مِنَ الْمَهالِكِ فَهُوَ لا يَصْبَحُ إِلاّ خائِفاً وَلا يُصْلِحُهُ إِلاَّ الْخَوْفَ([23]).

 

قالَ الصَّادِقُ (عليه السلام): مَنْ خَلا بِذَنْب فَراقَبَ اللّهَ تَعالى فيه وَاسْتَحْيى مِنَ الْحَفَظَةِ غَفَر اللّهُ عَزَّ وَجَل لَهُ جَميعَ ذُنُوبِهِ وَإِنْ كانَتْ مَثْلَ ذُنُوبِ الثَّقَلَيْنِ([24]).

 

عَن أَميرالمُؤْمِنينَ (عليه السلام) قالَ: إِنَّ الْمُؤْمِنَ لا يَصْبَحُ إِلاّ خائِفاً وَإِنْ كانَ مُحْسِناً، وَلا يَمْسِي إِلاّ خائِفاً وَإِنْ كانَ مُحْسِناً لاَِنَّهُ بَيْنَ أَمْرَيْنِ: بَيْنَ وَقْت قَدْ مَضى لا يَدْري مَاللّهُ صانِعٌ بِهِ، وَبَيْنَ أَجَل قَدْ اِقْتَرَبَ لا يَدْرى ما يُصيبُهُ مِنَ الْهَلَكاتِ أَلا وَقُولُوا خَيْراً تَعْرِفُوا بِهِ وَاعْمَلُوا بِهِ تَكُونُوا مِنْ أَهْلِهِ، صِلُوا أَرْحامَكُمْ وَإِن قَطَعُوكُمْ وَعُودُوا بِالْفَضْلِ عَلى مَنْ حَرَمَكَ وَأدُّوا الأَمانَةَ إِلى مَنِ ائْتَمَنَكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِ مَنْ عاهَدْتُمْ وَإِذا حَكَمْتُمْ فَاعْدِلُوا([25]).

 

في مَناهِي النَّبيِّ (صلى الله عليه وآله وسلم): مَنْ عَرَضَتْ لَهُ فَاحِشَةٌ أَوْ شَهْوَةٌ فَاجْتَنَبَها مِنْ مَخافَةِ اللّهِ عَزَّوَجَلَّ حَرَّمَ اللّهُ عَلَيْهِ النَّارَ وَآمَنَهُ مِنْ فَزَعِ الأَكْبَرِ، وَأَنْجَزَ لَهُ وَعْدَهُ في كِتابِهِ فى قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ وَلِمَنْ خَافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ([26]).

 

وجاء في الحديث القدسي:

يا موسى خَفْني في سَرائِرِكَ أَحْفَظُكَ في عَوْراتِكَ([27]).

 

يقول الإمام علي (عليه السلام) حول الخوف من المعاد ويوم الحساب ـ الذي يعتبر من افضل العوامل المانعة من الذنب ومن أهم أوصاف عشاق الله ـ في نهاية رسالته لعثمان بن حنيف يقول:

في مَعْشَر أَسْهَرَ عُيُونَهُمْ خَوْفُ مَعادِهِم([28]).

 

وكذلك في وصف العشاق يقول:

وَأَراقَ دُمُوعُهُمْ خَوْفَ الْمَحْشَرِ([29]).

 

وفي عهده لـ(محمد بن أبي بكر) ينصح الناس فيها ويقول ضمن كلامه الثمين:

وَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ يَشْتَدَّ خَوْفَكُمْ مِنَ اللّهِ([30]).

 

وفي قسم آخر من عهده لمحمد بن أبي بكر، يقول:

 

وَإِنَّ أَحْسَنَ النّاسِ ظَنّاً بِاللّهِ أَشَدُّهُمْ خَوْفاً لِلّهِ([31]).

 

الخوف من الله في الأدعية الإسلامية:

الإمام علي (عليه السلام) في دعاء كميل يطلب من الله بأن يكونه خوفه خوف أهل اليقين، الذي يكون من أول ظهوره في الإنسان، وحتى لحظة الموت، يكون رادعاً للإنسان من الذنوب، فيقول (عليه السلام):

وَأَخافَكَ مَخافَةَ الْمُوقِنين([32]).

ويبيّن الإمام السجاد (عليه السلام) في زيارة أمين الله فضيلة الدموع التي تذرف من خوفه؛ فيقول:

وَعَبْرَةَ مَنْ بَكى مِنْ خَوْفِكَ مَرْحُومَةٌ.

وللإمام السجاد (عليه السلام) مناجات مع خالق الدنيا تحت عنوان مناجات الخائفين يقول فيها:

>اِلـهي اَتَراكَ بَعْدَ الاْيمانِ بِكَ تُعَذِّبُني، اَمْ بَعْدَ حُبّي اِيّاكَ تُبَعِّدُني، اَمْ مَعَ رَجائي لِرَحْمَتِكَ وَصَفْحِكَ تَحْرِمُني، اَمْ مَعَ اسْتِجارَتي بِعَفْوِكَ تُسْلِمُني، حاشا لِوَجْهِكَ الْكَريمِ اَنْ تُخَيِّبَني، لَيْتَ شِعْري اَلِلشَّقاءِ وَلَدَتْني اُمّي، اَمْ لِلْعَناءِ رَبَّتْني، فَلَيْتَها لَمْ تَلِدْني وَلَمْ تُرَبِّني، وَلَيْتَني عَلِمْتُ اَمِنْ اَهْلِ السَّعادَةِ جَعَلْتَني وَبِقُرْبِكَ وَجِوارِكَ خَصَصْتَني، فَتَقِرَّ بِذلِكَ عَيْني وَتَطْمَئِنَّ لَهُ نَفْسي، اِلـهي هَلْ تُسَوِّدُ وُجُوهاً خَرَّتْ ساجِدةً لِعَظَمَتِكَ، اَوْ تُخْرِسُ اَلْسِنَةً نَطَقَتْ بِالثَّناءِ عَلى مَجْدِكَ وَجَلالَتِكَ، اَوْ تَطْبَعُ عَلى قُلُوب انْطَوَتْ عَلى مَحَبَّتِكَ، اَوْ تُصِمُّ اَسْماعاً تَلَذَّذَتْ بِسَماعِ ذِكْرِكَ في اِرادَتِكَ، اَوْ تَغُلُّ اَكُفَّاً رَفَعَتْهَا الاْمالُ اِلَيْكَ رَجاءَ رَأفَتِكَ، اَوْ تُعاقِبُ اَبْداناً عَمِلَتْ بِطاعَتِكَ حَتّى نَحِلَتْ في مُجاهَدَتِكَ، اَوْ تُعَذِّبُ اَرْجُلاً سَعَتْ في عِبادَتِكَ، اِلـهي لا تُغْلِقْ عَلى مُوَحِّديكَ اَبْوابَ رَحْمَتِكَ، وَلا تَحْجُبْ مُشْتاقيكَ عَنِ النَّظَرِ اِلى جَميلِ رُؤْيَتِكَ، اِلـهي نَفْسٌ اَعْزَزْتَها بِتَوْحيدِكَ كَيْفَ تُذِلُّها بِمَهانَةِ هِجْرانِكَ، وَضَميرٌ انْعَقَدَ عَلى مَوَدَّتِكَ كَيْفَ تُحْرِقُهُ بِحَرارَةِ نيرانِكَ، اِلـهي اَجِرْني مِنْ أليمِ غَضَبِكَ وَعَظيمِ سَخَطِكَ يا حَنّانُ يا مَنّانُ، يا رَحيمُ يا رَحْمنُ، يا جَبّارُ يا قَهّارُ، يا غَفّارُ يا سَتّارُ، نَجِّني بِرَحْمَتِكَ مَنْ عَذابِ النّارِ وَفَضيحَةِ الْعارِ، اِذَا امْتازَ الاَْخْيارُ مِنَ الاَْشْرارِ، وَحالَتِ الاَْحْوالُ وَهالَتِ الاَْهْوالُ، وَقَرُبَ الُْمحْسِنُونَ وَبَعُدَ الْمُسيـئُونَ، وَوُفّيَتْ كُلُّ نَفْس ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ<([33]).



([1]) سفينة البحار: 2/209.

([2]) الحشر (59): 16.

([3]) مجمع البيان: 9/265، بحار الانوار: 14/286 ، الميزان: 19/247، سفينة البحار: 1/71

([4]) التوبة (9): 75-77.

([5]) تفسير القرطبي: 8/209.

([6]) سفينة البحار: 3/441؛ دار الأسوة.

([7]) الزمر (39): 13.

([8]) آل عمران (3): 175.

([9]) الإنسان (76): 7-11.

([10]) ق (50): 45.

([11]) الأنعام (6): 51.

([12]) الرعد (13): 20-22.

([13]) النور (24): 37.

([14]) الزمر (39): 15-16.

([15]) النازعات (79): 40-41.

([16]) الكافي: 2/70، حديث 9؛ وسائل الشيعة: 15/218، حديث 20319؛ بحار الأنوار: 67/362، حديث 7.

([17]) الكافي: 2/70، حديث 10و 2/80، حديث 1؛ وسائل الشيعة: 15/219، حديث 20321؛ بحار الأنوار: 67/364، حديث 8.

([18]) الكافي: 2/68، حديث 3؛ وسائل الشيعة: 15/219، حديث 20322.

([19]) الكافي: 2/68، حديث4، وسائل الشيعة: 15/220، حديث 20235، بحار الأنوار 67/356، حديث3.

([20]) الكافي: 2/67، حديث2، وسائل الشيعة: 15/220 حديث 20324، بحار الانوار67/355، حديث 2.

([21]) وسائل الشيعة: 1/105 باب 123حديث 254

([22]) الكافي: 2/67، باب الخوف والرجاء حديث5، وسائل الشيعة: 15/216، باب وجوب الجمع بين الخوف والرجاء، حديث20312، بحار الانوار: 67/357، باب الخوف والرجاء وحسن الخلق، حديث4.

([23]) الكافي2/71، باب الخوف والرجاء، حديث12، وسائل الشيعة: 15/219، باب وجوب الخوف من الله، حديث9، بحار الانوار: 67/365، باب الخوف والرجاء وحسن الخلق، حديث10.

([24]) وسائل الشيعة 1//221، باب وجوب الخوف من الله، حديث 20328

([25]) بحار الانوار: 74/204، باب مواعظ أمير المؤمنين (عليه السلام) حديث29، الامالي الشيخ الطوسي:208، المجلس الثامن، حديث 357ـ 7.

([26]) من لا يحضره الفقيه:4/13، باب ذكر جمل من مناهي النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) حديث 20297.

([27]) ارشاد القلوب: 1/105، الباب الثامن والعشرون في الخوف من الله تعالى.

([28]) نهج البلاغة: رسالة45.

([29]) نهج البلاغة: خطبة 32، الراغبون في الله.

([30]) نهج البلاغة: رسالة 27.

([31]) نهج البلاغة: رسالة 27.

([32]) البلد الأمين: 191؛ مصباح الكفعمي: 559، الفصل الرابع والأربعون.

([33]) مفاتيح الجنان: 119، مناجاة الخائفين.

0
0% (نفر 0)
 
نظر شما در مورد این مطلب ؟
 
امتیاز شما به این مطلب ؟
اشتراک گذاری در شبکه های اجتماعی:

آخر المقالات

النفس ومراحلها السبعة:
أهل البيت^ ومقام الرضا
أهل البيت في التوراة والإنجيل
أهل البيت^ الطريق إلى الله
أهل البيت^ والعبودية-2
أهل البيت^ التجلي الكامل للحقائق
وَالْحُبُّ فَرْعُ الْمَعْرِفَةِ
التوسل بأهل البيت -2
الخوف من سوء العاقبة
مراحل عبادة العارفين:

 
user comment