عربي
Thursday 18th of April 2024
0
نفر 0

نبع العرفان

فإن منبع هذه الحالة العرفانية هو المحبوب وهو الذي أودع هذه الطاقة في روح الإنسان، وعن طريق هداة السبيل وهم المرسلون؛ فإن هذه الطاقة تتحول من طاقة كامنة إلى فعلية. وهو الذي أودع العشق في قلب وروح الإنسان ويريد من الإنسان ان يستفيد من جميع الإمكانات المادية والمعنوية، كي يصل إلى المعشوق الحقيقي. 
نبع العرفان

من خلال ما ورد في الصفحات السابقة، فإن البحث في تاريخ حياة الإنسان عمّن أسس مدرسة العرفان أو عن المنظومة الدينية التي قامت بتأسيس هذه المدرسة، هو مضيعة للوقت. 

  لأنه حينما تكون الحقيقة كامنة في وجود الإنسان على شكل استعداد وذوق وشوق وفقر واحتياج، فانما يدلّ علی أن ذلك من الله. 

و عندما يكون الإنسان بعيداً عن ضوضاء الحياة المادية، فإنّه يشعر في أعماق قلبه بالحب تجاه خالق الوجود والشوق إلى طهارة الروح والجسم والتمسك بالحقائق والاهتمام بالعلم والبصيرة و الحياة خارج المادية. 

هذا الإنسان؛ الذي يسعى بأن يبدّل الاضطراب الداخلي لروحه ونفسه؛ إلى طمأنينة وراحة بمساعدة عامل قوي وحقيقي؛ غير العوامل المادية التي هي عامل للقلق والاضطراب. 

هذا الإنسان الذي يجاهد من أجل البحث عن خيط يوصله بالحق والحقيقة. 

هذا الإنسان الذي يرغب من أعماق قلبه ان يخيّم في أرض العشق والمحبة كي ينجو من تأنيب الضمير إلى الأبد. 

هذا الإنسان الذي تکمن في فطرته حقيقة تجذبه وتطلب منه السيرف طريق الکمال. 

هذا الإنسان الذي يتمنى لكل البشر ان يتنعموا بنعمة الراحة والأمن والأمان بجانبه. 

هذا الإنسان؛ الذي هو مشتاق لفهم حقائق عظمة العالم، ويسعى ان يكشف أسرار هذه الحياة. 

كل هذا العشق المحبة والاشتياق واللهفة، الذي يتلاطم كالموج في اعماق الإنسان؛ إنّما هو الجوهر الذي يعبّر عنه العرفاء بالطاقة  العرفانية و الحب الالهي. 

تنمية هذه القوى والطاقات مع قوانين الوحي ورياضة النفس؛ فإنّه سيبلغ و لو سعی الانسان في الغاية التي يسعى إليها بالفطرة. 

هذه الحقيقة ـ التي لها جذور في الجسم والروح ـ  إنّما هي تلك القوى الجاذبة التي اودعها الله في أعماق وجود الإنسان العاشق، ومجرد معرفة العاشق لهذه الحقيقة، فإنه يسعى وراءها والتحلّي بها، وفي بداية طريق السلوك يدرك بأنه لا يستطيع السير على هذا الطريق ـ من دون الهداية الإلهية والقدرة السماوية ـ المحفوف بالمخاطر من شياطين الجن والإنس المترصدين في كل ناحية. 

وعاشق العرفان، يجب عليه ان يعلم بأن مصابيح هذا الطريق ـ في الدرجة الأولى ـ هم الأنبياء والأئمة الأطهار(ع) ومن ثم العلماء الربانيين الذين هم ورثة الأنبياء والمرسلين(ع). 

لذلك، فإن منبع هذه الحالة العرفانية هو المحبوب وهو الذي أودع هذه الطاقة في روح الإنسان، وعن طريق هداة السبيل وهم المرسلون؛ فإن هذه الطاقة تتحول من طاقة كامنة إلى فعلية. وهو الذي أودع العشق في قلب وروح الإنسان ويريد من الإنسان ان يستفيد من جميع الإمكانات المادية والمعنوية، كي يصل إلى المعشوق الحقيقي. 

ان الذين و من أجل سمو حالة العرفان لديهم، قد وضعوا أقدامهم في طريق الأنبياء والأئمة(ع)، و هم في الحقيقة استطاعوا ان يصلوا إلى ما أرادوا، ووجدوا العقيدة التي ينشدونها، فسکلوا هذا الطريق، من أجل المسير في طريق العبودية، حتی وصلوا إلى مقام المعية. 

{إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ}[1]. 

{إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ}[2]. 

قال رسول الله|:

«اِنّ لِيَ مَعَ اللّه حالات لا يَحْتَمِلُها مَلَكٌ مُقَرَّبٌ وَلا نَبيٌّ مُرْسَلٌ». 

فإن قيل إن دليل وصول الإنسان إلى المقامات السامية، هي تلك الحالات الباطنية مع مرافقة داوم العبادات الإلهية والملكوتية، فهي مقولة صحيحة. 

وانا الفقير لا اعتبر أن مؤسسي العرفان هم عظماء الهند أو حكماء اليونان أو العلماء القدامى في إيران، بل هم اوجدوا بعض قواعد الفلسفة والحكمة. 

والعرفان حالة حقيقية لها جذور إلهية وهي خفية كالجوهرة السماوية في أعماق القلب والروح وظهورها يكون ميسّراً عندما يؤمن الإنسان بالله ويوم القيامة والعمل بذلك والاقتداء بالسنن الشرعية. 

وحالة فقر الإنسان لربه، والميل لتلك الجهة ما هي إلا حالة عرفانية، ويجب أن تتحول من طاقة كامنة إلى طاقة فعلية عملية؛ عن طريق رسل الله سبحانه وتعالى. 

والذين يسعون الی تفعيل هذه الطاقة الكامنة؛ بواسطة التعلق بمدّعي العرفان؛ وعبر الأشخاص الذين هم غير مرسلين من الله؛ قد أضاعوا الطريق ولم يصلوا إلى شيء. 

فتأمين طريق العرفان لسالكيه، لايكون إلا عن طريق التمسّك بالنبوّة والإمامة والقرآن الكريم. 

وعليه، اجعل برنامجك في إتباع أربع حقائق في هذا الطريق:

1ـ معرفة الله، في أسمائه و صفاته وأفعاله. 

2ـ معرفة النفس وشرورها وخطرها و نزعاتها اللامشروعة. 

3ـ معرفة وسوسات وإغواءات العدو. 

4ـ معرفة الدنيا بدون الحق والغرور والفتنة والمغريات. 

لذا، من الذي يستطيع أن يكون منبعاً لهذه المعارف غير الأنبياء والأئمة الاطهار(ع) والقرآن الكريم؛ حتى يتوسّل إليهم كي يحصل على هذه المعارف الأربعة؟

وحينما تنظر إلى كل شخص وصل إلى أي مرحلة؛ فإنّه يحتاج الأنبياء والأئمة الطاهرين(ع) والقرآن الكريم للوصول إلى هذه الحقائق الأربع. 

وانا لست منكرا أن الإنسان في هذا الطريق ـ في غياب الأنبياء أو في غيبة صاحب الأمر والزمان(عج) ـ يحتاج إلى عالم رباني يقتدي به، ولكنّكم تعلمون؛ بأن العالم الرباني الواجد للشروط ما هو إلا واسطة بيننا و بين رسله عزّ وجل،  وهم لا يملكون شيئاً من تلقاء أنفسهم وكل ما لديهم ما هو إلا من منبع الوحي. 

لذا، لا يستطيعون ان يكونوا كعبة العارفين والسالكين على نحو مستقل، لأنهم هم ما يزالوت يسلكون هذا الطريق ويجاهدون بكل وجودهم في سبيل  الوصول إلى اليقين الواقعي والايمان الحقيقي. لذا فبما أنّهم تحملوا ـ أكثر من غيرهم ـ الكثير من الصعاب في هذا الطريق فقد أُذِنَ لهم بأن يمسكوا بأيدي المضلين والمتأخرين في هذا السبيل و يصطحبونهم  في هذا الطريق. 

وهل تعرفون عالماً ربانياً واجداً للشروط ويمتلك هذه المقومات وصل إلى هذه الدرجة من العرفان الذي وصل إليه كعبة عالم الوجود وملجأ ومرجع السالكين وأمل قلوب العارفين؛ أمير المؤمنين(ع) حيما يقول: 

«لَوْ كُشِفَ الْغِطاء مَا ازْدَدْتُ يَقيناً». 

على أية حال، مع كل هذه الطاقات الفطرية والروحية ونظراً إلى هداية الله لعباده عن طريق الأنبياء والأئمة(ع)، لو ان شخصاً لم يجاهد في الوصول إلى الكمال ولم يسع إلى ان يبرز تلك الطاقات الإلهية؛ فانه محروم من رحمة الساحة القدسية؛ وملعون على لسان هذه الرواية:

قال رسول الله(ص):

 «اَلنّاقِصُ مَلْعوُنُ». 

وبالنظر إلى مجموع هذه الآيات والروايات فإن هذه الجملة تخصّ الذين يستطيعون تنمية عقولهم وقلوبهم؛ ولكن الشهوة الحيوانية توقفهم عن مواصلة هذا الطريق. 

إنّ لدينا أدلة نقلية وعقلية كثيرة تفيد بأن الذين يولدون مشوهيّ الخلقة في هذه الدنيا؛ أو لا إرادياً يحدث لهم نقص في هذه الحياة، سواء كان من الناحية الجسمية أو من ناحية الطاقات الباطنية، فإنهم سيُشملون برحمة ولطف الله سبحانه وتعالى. 

روي عن رسول الله(ص) في كتاب «الجامع الصغير»[3] ما معناه: ان الذين يفقدون عين أو إذن لهم، تغتفر ذنوبهم؛ وكل انسان يكون لديه نقص في عضو من اعضاء جسمه فإن تشمله. 

من الواضح إن مقياس القرب والبعد من الله من ناحية النقص والكمال يعتمد على قدرة وارادة الإنسان، سواء أكان النقص والكمال يرتبط بالعقل أو بالجسم. 

وبشكل كلي، فإن كل فرد ينجح في إكمال نفسه وتحرير نفسه من النقص؛ هذا الفرد موفق في حياته، ولكن إذا اتبع هواه، وتساهل أو تسامح في رفع نقصه فإنه ملعون سواء كان هذا النقص يتعلق بعقله أو باشياء مادية[4]. 

ان الإنسان الذي يسعى في كسب الكمال ويسلك هذا الطريق حتى الوصول إلى الهدف المقصود؛ فإنه في الحقيقة  قد وصل إلى معدن النور كما يقول رسول الله(ص):

«اِتَقّوُا فَراسَةَ الْمُؤْمِنْ فَاِنَّهُ يَنْظُرُ بِنُورِاللّه»[5]. 

 


[1]- النحل 16: 128. 
[2]- البقرة 2: 153. 
[3]- الجامع الصغير: 2/19. 
[4]-  كتاب «تفسير ونقد وتحليل مثنوى»: 4/150. 
[5]- سفينة البحار: 1/356. 

0
0% (نفر 0)
 
نظر شما در مورد این مطلب ؟
 
امتیاز شما به این مطلب ؟
اشتراک گذاری در شبکه های اجتماعی:

آخر المقالات

أوصاف العارفين في کلام امام العارفين(ع)
إجتناب المعاصي في الروايات
قصة المتخلّفين الثلاثة في القرآن الكريم
النفس ومراحلها السبعة
العرفان من لسان الإمام علي(ع)
الحجاب النوراني والحجاب الظلماني
عاقبة الخائفين
هداة الطريق
الأمل بالله سبحانه وتعالى
المحُبُّة والمعرفة

 
user comment